الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في السردية وطوباوية الخطاب

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 مـساءً
قراءة في السردية وطوباوية الخطاب

 

* أ. د. سلطان المعاني

جاءت الجملة في رواية "الآخرون" قصيرة مكثفة ، تتدفق بتلاحق متماوج إيقاعي يظهر اكتنازا في قاموس صبا الحرز اللغوي.

وقد استهلت الرواية في ثاني مفرداتها فعلا ماضيا ناقصا يعكس ضجيج وجمهرة الناس فيها.. حيث داهمت الروائية القارئ من الفصل الأول بهذا الاكتظاظ ، والأجواء المشوبة بالخوف ، والضجر الساذج.

ولقد بدت الروائية ، على أية حال ، مالكة لناصية الكلم والخطاب ، مبدعة أسلوبا سرديا قصصيا سلسلا ، يأخذ القارئ نحو المبتغى الذي تريده الراوية ، بل تأخذ الروايةُ القارئَ والروائية إلى حيث يمضي الحدث. يعج في صفحات الرواية الاستخدام الراقص للمفردات وخصوصا تجاور الثنائيات أو الضديات ، ولم تكتف الروائية بالاتكاء على المفردات في إطلاق مكنونات إبداعها ، بل وفي المواقف الثانوية أيضا ، والتي تمنح السرد الروائي جمهورا متفاعلا مع الحدث وكأنما يمر عليه شريطا أبدع مقوماتها من ألفها إلى يائها جني أو ساحر.

في هذه الرواية نبش جريء للمشاعر ، يدخل في دوائر طوباوية محرمة مجتمعيا ، وقد عبرت عنها شخصية الرواية ببوح شديد ودفق متجدد لا تلتقط فيه أنفاسك إلا بعدما تدهمك نقطة الترقيم مؤذنة بانتهاء الجملة. وقد قفزت من بين السطور صور متفننة برشاقة تتعمد فيها المفردات بدقة التعابير وزركشات الحروف مما يمنح الرواية لغة استثنائية تملك صبا فيها نواصي الكلم ، تتحكم بها فتطلقها وقتما تشاء ، وكذا تقبضها. فلسفة الحوار ، وفضاء الطرح ، وأسئلة الحيرة التي يشفيها إفحام الجواب الذي يخرج من روح الروائية واضحا حدَّ التعري.. وصادقا في سرد الحدث بما لا يترك للقارئ فرصة للتشكك في أنها تركت خلجة واحدة لم تفتضحها الجوارح ولم تُشًع سًرَّها الكلمات. ويعكس الحضور المدهش للصور والتشبيهات جوانية البطلة ، وتتقصى بثقة المثقف المتمكن سبل الخروج من الخطيئة ، وقد تناولتها بجرأة جرتها إلى الدخول في عالم الطوباوية الذي لا يقل تأزما وتأثيما ما اقترفته مع "ضي".

"الآخرون هم الجحيم" عتبة من عتبات الرواية الأولى ، وقد اختزلت صبا الحرز فيها قولة سارتر لتعنون بها رواية كل ما فيها هو آخر ، المدرسة والحسينية والجامعة وغرفة النوم والحمام وضي وحسن الذي قضى ومحمد الذي تزوج وعمر وحتى جسدها غدا هو الآخر آخر بعد خرائط ضي فوقه بما لا يزول.. ويبدو أن علاقةً مرضيةً تحكم علاقة الراوية ، التي لم تشفع عشرات الصفحات في الرواية لحروف قليلة تبوح باسمها ، بالآخر ، فهي لصيقة بالمرض الذي دارته ولم تستطع ، وبحس الخطيئة الذي لازمها رغم كل محاولات التكفير والاعترافات.. وقد مرت فضاءات الأمكنة وردهاتها في الرواية ضيقة خانقة مُغَلَّقة الأبواب حتى مفاتيحُها أمست صدئة.. يباب من حولها لا ربيع فيه سوى جذل الكلمات وعذوبة اللغة. إن مؤلفة الرواية بمنأى عن راوية الرواية.. لكنها راصدة فذة لواقع جيلها وواعية لأدواته المعرفية ، ويبدو أنها خبرت ذلك بعيني زرقاء اليمامة.. تتلقف الحدث عن بعد ، ودونما اقتراب أو تلوث ، ولكنها ترصده وتبوح به فنيا وتقارب بينه وبين مجتمعها الذي لم يخرج بعد من دائرة الاستتار وترك "القيح" ينهش العظم تحت الجلد ليصبح "آخر الدواء الكي".

لقد تراوحت الأمكنة التي تناوبت عليها أحداث الرواية بين الفضاء الواسع والحيز الضيق ، وبين ما هو عام وما هو خاص ، وبين ما نعرض فيه تَجَمُّلنا وما نتعرى فيه بوحاً بمكنون دواخلنا ، فلا يشي بنا غير أنه يكشفنا أمام أنفسنا لنكون نحن أو لنجعل من أنفسنا آخر أيضاً.

ولعبت أحدات الرواية ذاتها في أمكنة مختلفة ، منها الديني "الحسينية" ، ومنها العلمي الأكاديمي كالمدرسة والكلية والجامعة ، والثقافي كالمجلة ، وتغرق الساردة في عالم من الوهم المفترض من خلال منتديات النت حيث لا رقيب ولا كوابح سوى ما تنطلق منه ، وهو ما أفلت منها فراحت في عالم المسخ الجسدي.

وتفعل الغرف المغلقة ، في البيت والجامعة ، فعلها في تشكيل السقطات واحدة تلو أخرى دون توقف أو مراجعة أو قرار ذاتي أو حساب لسطوة المحيط ، وقد فعلت الروائية خيرا في التنبيه إلى عالم الفتيات في سني المراهقة ، ولولا جرأة الطرح لما أوقعت الرواية كل هذا الضجيج ، والذي سيأتي يوم تحمد فيه صبا الحرز على ريادة طرح الطوباوي والمسكوت عنه. لو تناولنا الرواية بمعزل عن التأطير الاجتماعي وقولبنا البنية الفنية فيها خارج تأثير الجسد والخطيئة المركبة فسنقف على عمل روائي متميز سرديا ، تفوقت فيه صبا الحرز على ذاتها وعلى أقرانها من الروائيات في مثل سنها ، ولعلها فاقت ما نتوقعه من أطروحات وأشكال أدبية وأكاديمية في طرح قضية غاية في الخطورة وهي مسألة فهم الآخر ، لا على صعيد الهوية وتأزماتها فحسب ، ولا على صعيد الجنسوية الذكورية أو الأنثوية أيضاً ، بل وعلى صعيد الذات الأنا في مرآتها المتكسرة ، وهو ما آلت إليه شخصية الرواية الرئيسية من فصل الرواية الأول.. فالآخر أيا كان حالة من الحراك نحوه أو خارج عالمه ، نتجمل في حضرته نجعل منه بؤرة الخطاب أو نقصيه في العتبات المهمشة ، غير أن مخنوقة ضي لم تمارس فعلها من مركب نقص مرضي وحسب ، بل ، ورغم الوعي الثقافي ، فإن غربة حقيقية بين أناها والجسد الذي تحل فيه ، بعدما غدا مسلوباً مستسلما لإرادة مشوهة في علاقة مثلية ، لعبت فيه ضي دور الجاني ، في حين أن استعدادا كامناً جياشا لتلك الهيتلكية فيما همت به ضي وهم به جسدها أحكم على السردية الروائية ، التي انفلت فيها عقال المجتمعي جراء جموح فنية الكلمة في بنائها ومؤداها. شخصية الرواية الرئيسة سارد الحدث المحكي ، بضمير المتكلم ، سواء في تعاقب الكلام مونولوجياً أو في الكلام الخارج حواريا بين الشخوص ، وهو هامشي لا يشكل ظاهرة لغوية في الرواية.

وهذا على أية حال ما دفع بالجدل الدائر إلى الاحتدام في عد الرواية سيرة تقترب من الذاتية عاشتها صاحبة الرواية ، ولعل من الإنصاف أن نحسبها عيناً أنثوية على بنات جنسها ، اقتربت من الحالة والتصقت بها ، وأفرغتها في قالب روائي ، كان يمكن أن يكون غيره من أساليب الكتابة الاجتماعية أو التربوية أو القانونية ، وتكون قد كفت نفسها مؤونة السُّبَة الاجتماعية والدخول في دائرة التابو هذه ، ولكنها الراوية التي تعرف كل شيء وتحسن إيصال كل شيء بشكل يتثير الدهشة والإعجاب بما تمتلك من مقومات العمل الروائي العميق ، ويذكي في الوقت ذاته السخط والاشمئزاز من الفعلة وجرأة الطرح ، وقد نالت الروائية في الموقفين ، دون وعي من الجمهور أو بوعي منهم ، حضورا متميزا يحسب لها ولو بعد حين.

إذن تبدى من سياق السرد الروائي تدخلا موفقا للراوي في بعض المواقف مما يدخل القارئ في ظنون تكريس الذات الروائية انعكاسا لسيرة ذاتية ، أو لشاهد عيان انتقل فيما شاهد إلى ناقل أقسم أن يقول "الحق ولا شيء غيره" ، وهي قولة شفاعة تمنحه صك غفران بديلا عن تداعيات الولوج في عالم الرذيلة واللهاث وراء التقاطها اصطيادا أو رغبة في إحلال خطايانا المجتمعية في الضحية الراوية أو الضحية الأنثى ، انسياقا وراء ثقافة الذكر المهيمنة التي تجعل من الأنثى الآخر ، الدون ، الذي يمنحنا الإحساس بالتفوق الذكوري ، ويشرعن لنا التوبة من الخطيئة ذاتها التي لا انفكاك للأنثى من أنيابها. وبعد.. فرواية "الآخرون" لصبا الحرز عمل إبداعي يسجل للرواية العربية النسوية ، وخطوة فنية متقدمة في الرواية السعودية ، صدرت العام الفائت عن دار الساقي في بيروت في مائتين وسبع وثمانين صفحة من الحجم المتوسط.

maani@hu.edu.jo

التاريخ : 15-12-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش