الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«باب المقام» .. سؤال الذات في مرايا المكان والزمان

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2007. 02:00 مـساءً
«باب المقام» .. سؤال الذات في مرايا المكان والزمان رسمي محاسنة

 

 
قبل ايام التقيت في ايطاليا الصديق المخرج "محمد ملص" وسألته اذا ما كانت الذاكرة وتلك الأشياء العالقة بالوجدان ما تزال تشكل قلقه وهاجسه الأساسي الذي عبر عنه في أفلامه وكتاباته السابقة ، فأجاب انها ما تزال ..

ولكن ما يقلقني اكثر هو هذا الراهن الأن بما يحمله من انقسام وتشظي سواء ما يتم على مستوى الخريطة الجغرافية للوطن العربي ، او في داخل نفس الانسان العربي الذي فقد البوصلة واصبح معرضا اكثر للتشظي .

قد يكون هذا مدخلا مناسبا للاقتراب من عالم فيلم "باب المقام" .. هذا العنوان المأخوذ من اسم احد ابواب مدينة "حلب" السورية ذات الخصوصية والمعروفة بتاريخها الغنائي .. وتراثها الأنشادي .. ومدينة تعتبر حارسة للتراث الغنائي والموسيقى العربي.

فيلم "باب المقام" تدور احداثه مع الألفية الجديدة ، واذا كان "ملص" قد عاد الى بداية الستينات في فيلم "احلام المدينة" والى مرحلة لاحقة في فيلم "الليل" فانه بفيلمه الجديد ينقلنا الى الحدث الطازج الذي ما زلنا نعيشه بكل تحولاته وتفاعلاته.. والفيلم مأخوذ عن حادثة حقيقية جاءت كخبر في الصحف عن امرأة حلبية قتلها اهلها اشتباها بسلوكها ، وكان دليلهم الوحيد هو شغفها بأغاني ام كلثوم التي كانت ترددها باستمرار في البيت ، ويلتقط "ملص" هذا الخبر الذي ورد عابرا في صفحة الحوادث ليقدم فيلما سينمائيا حكايته بسيطة في ظاهرها وقد تكون متكررة تحت عنوان "جرائم الشرف" .. ولكن ما تحت جلد الأحداث والشخصيات اشياء كثيرة بخلفياتها المختلفة ومصائرها الذاهبة نحو المجهول ، وهذه البيئة التي وضعت ماضيها خلفها ، وانتجت مفاهيم وقيم جديدة تؤسس لمرحلة غامضة لكنها بالتأكيد ليست زاهية.. ولا هي نتاج تراكم طبيعي منسجم مع روح المنطق لتراث المنطقة وطبيعة شخصياتها وسلوكها وتطورها الانساني.

"ايمان".."سلوى جميل" ..امرأة ربة بيت ، واسرتها المكونة من زوجها "عدنان" وولدها الصغير "عبد الناصر" وابن شقيقها"رشيد"السجين السياسي وعائلتها المكونة من الأب العجوز الذي لا حول له ولا قوة ، ووالدتها المهمشة تماما ، واخيها الطالب الجامعي .. وهناك عمها "ابو صبحي" الضابط السابق المتقاعد حاليا ، والذي يملك مزارع ومطاعم للفراريج (الدجاج).

في البداية تظهر مدينة حلب في لقطة بانورامية تستعرض شعارات وصور مرشحين لمجلس الشعب ترمي بثقلها على اطراف وقلب المدينة .. شعارات اضخم من اصحابها ، تزغلل العيون في محاولة لتغييب الوعي عن الواقع الحقيقي ، او ماضي الشخصيات ، تستحضر مفردات الخداع والكذب المكشوف ، بهدف التسلل الى مواقع المسؤولية والوصول للسلطة باسم الشعب.

اذن كعادته يؤسس "ملص" خلفيات سياسية واجتماعية لشخصياته ، ويخرج بنا من الحالة الفردية الى الحالة الجماعية بأسئلة مقلقة حول مستقبل ومصير هذه المجاميع التي يتم رسم مستقبلها خارج اطار قرارها ورغبتها ، فاذا كان شغف امرأة بأغنية اصيلة وحالمة يفضي الى الموت ، فما هو مصير احلامنا الكبيرة بالعدالة وتكافؤ الفرص ، والحرية والديمقراطية الحقيقية ؟ وماذا سيكون مصير هذا البوح بدواخلنا للتحرر والانطلاق نحو مستقبل يخصنا ويعبر عنا وعن ملامحنا ، ومتصل بتاريخنا ؟؟ وبالعودة الى حكاية الفيلم التي يكشفها "ملص" مبكرا ..

لأنه لا يبحث عن الغموض ، والتشويق المجاني ، وانما يذهب الى الأشياء مباشرة ، حتى لو كانت على حساب بعض جماليات السينما ، أو تماسك السيناريو ، وهذا قد يؤخذ عليه مقارنة بفلميه السابقين ، ولكن هذا ربما لأننا لا نملك ترف الوقت ( حتى في الزمن الدرامي ) للتحذير من المنزلقات التي نسير بها ، والتي اصبحت تهيمن على جزء كبير من مجتمعنا العربي ، من انحطاط الذائقة الجماعية الى الارتداد للاصولية الدينية بدون وعي . وما بينها من تراجع للقبم والمفاهيم والقفز نحو الفراغ.

"ايمان" الزوجة الهادئة والبسيطة والحنونة ، تعيش حياتها ببساطة وقناعة ورضى مثل غالبية الأسر العربية ، تهتم ببيتها وزوجها وابنها وابناء اخيها.. وزوجها "عدنان" سائق التاكسي المسكون بهاجس الأخبار ومتابعتها في السيارة والشارع والبيت ، وهي تشبه حالة الهوس بملاحقة الأخبار اكثر من كونه منتميا سياسيا .

"ايمان" ايضا مسكونة بأغاني التراث الأصيل ، وخاصة اغاني ام كلثوم ، فهي تسمعها وترددها وتحفظها ، وتسرح بخيالها بعيدا معها ، واكثر ما يفرحها هو ان تحصل على تسجيل قديم ونادر .. ولذلك تتعرف على محل يبيع اغاني ام كلثوم اسمه"شمس الأصيل" ، وتبدأ بالتردد عليه ، ليس بذهنها الا الحصول على اغنية جديدة لم تسمعها من قبل .

هذا الخروج المتكرر من البيت الى محل الكاسيت ، أثار شكوك وظنون عمها"ابو صبحي"واصبح من خلال اولاده يتعقبها ، ويصل الى قناعة بأن"ايمان"ابنة اخيه تسير في سلوك شائن ، وأنه لا بد من التدخل لوضع حد لها ، فكمايقول انها"عابت"اي انحرفت ، وبدأ بالتأثير على شقيق"ايمان"وهو طالب جامعي ، منغلق الفكر ، ومتدين بشكل متزمت ، ويبدأ بمراقبة"ايمان"ويتابعها وهي تزور المطربة القديمة المعتزلة الخوجا"بديعة"التي عاشت اجمل ايام حلب التي كانت مسكونة بكل ما هو اصيل .

ويستمر عمها"ابو صبحي"بحملة التحريض والكراهية ضد"ايمان"وبسطوته وعقده العسكرية وضعف اخيه ، وحيادية زوجها واستسلام شقيقها فانه يصل الى اللحظة التي يقرر فيها مسح"العار" ، وقتل"ايمان"لغسل شرف العائلة .

وتأتي لحظته عندما يحمل شقيقها السكين ويرافق عمه الى بيتها ، فيطعنها ( باسلوب لم يوفق"ملص"كثيرا بتنفيذه ) ويقتلها ، ويقوم"ابو صبحي"باطلاق رصاصة على جهاز التسجيل الذي يغني لأم كلثوم ، ويصيح الشاب المعاق جار"ايمان".. انهم يقتلون الاغنية .. لتنتهي حياة امرأة ذنبها الوحيد هو شغفها بالغناء النظيف .

من الجملة الاخيرة"انهم يقتلون الاغنية"يصرخ فينا"ملص"بأن هذا القتل هو اغتيال لكل ما هو جميل ونظيف وحقيقي .. وتشويه للذاكرة الجمعية التي تختزن الجمال والتراث والفن الأصيل ، واغتيال مركب للابداع ولكل الشغوفين بهذا الابداع الانساني الراقي . ، وان هناك شروخ في الوجدان العربي بسبب التطرف والانغلاق والتزمت واصدار الأحكام والفتاوي الجائرة بحق الفن والابداع ، والاختباء خلف فزاعة"الحرام"لتغييب الوعي ، وانكفاء القيم .

فيلم"باب المقام"يؤشر الى مسألة في غاية الأهمية ، وهي ان الناس البسطاء الذين لم تلوثهم السلطة ولا المال الحرام ، هم المسكونين بوجع الذاكرة والحنين الى الزمن الجميل ( سياسيا وثقافيا واجتماعيا ) ، حيث"ايمان"الشغوفة بغناء مرحلة مضيئة من تاريخ الموسيقى والغناء العربي ، و" عدنان"المتابع للأحداث السياسية والمشارك في المظاهرات التي ترفع صور"جمال عبد الناصر"بما يعنيه من لحظة عالية في التاريخ السياسي العربي المعاصر. في ثنائية تجمع ما بين الرومانسية والسياسة ، هذا الثنائي الذي يعيش وسط أجواء مريعة ، حيث"شعبان عبد الرحيم"وما يمثله من سيل جارف من الغناء الهابط الذي اجتاح ارواحنا ، وهذا الواقع السياسي والاجتماعي الذي انحرفت قيمه بحدة نحو التطرف والقسوة والرغبة بالسيطرة ، واستسهال قتل الاحلام ، من خلال نموذج العم"ابو صبحي" ، الضابط السابق ، وصاحب المطاعم التي تقدم"الفروج"في مقاربة ما بين استسهال ذبح الدجاج ، وذبح"ايمان" ، وكأن"محمد ملص"في"باب المقام"يرثي مدينة"حلب"العريقة وصاحبة التراث ، والمدارس الغنائية ، واعلام الغناء الأصيل ، هذه المدينة التي لم تحسن الدفاع عن نفسها.. وكأنها تخلت عن ماضيها ، واستجابت لموجات الغناء الهابط التي بقيت تضرب اطرافها حتى دخلت الى قلبها ، وأن البنية الاجتماعية والثقافية بكل ما تحمله من ارث طويل ، لم تصمد امام موجات التطرف والتعصب والعنف ، ولم تستطع المدينة ان تحمي امرأة تنتمي الى تاريخها واصبحت من الرخاوة بما يكفي لتكون مناخا مناسبا لجريمة قتل بتهمة الشغف بالغناء الجميل الذي هو العنوان الرئيس للمدينة ..

وبنظرة اكثر شمولية وموضوعية فاننا جميعا"الناس والمكان"نقف في نقطة تجاذب وتباعد وضبابية الهوية والتوجه .. والفيلم غني بالدلالات التي تشير الى هذه المسألة من الأجواء القاتمة ، وعزلة"بديعة"، والأبواب الثقيلة ، وسطوة العسكرتاريا ، والعبث بعقلية الشباب وخاصة الجامعي منهم ، وهذه الدلالات التي تشي بالانكفاء والتراجع عن المواقع ، وحتى بيت"ايمان وعدنان"الدافئ العامر بالحب كان هشا امام المأساة الواقفة خلف ابوابه.

فيلم"باب المقام"يتسلل للوجدان ، ويثير الأسئلة المشحونة بالعواطف ، والقلق ، ويفضح المسكوت عنه ، ويسألنا جميعا"نحن الى اين؟" .. وهو الفيلم الروائي الثالث للمخرج"محمد ملص"أحد الذين وضعوا السينما السورية بقوة واحترام على الخريطة السينمائية العربية والعالمية ، حيث يعتبر فيلمه"احلام المدينة"أحد اهم عشرة افلام في تاريخ السينما العربية .



ہ ناقد سينمائي اردني

Rasmii01@yahoo.com

Date : 14-12-2007

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل