الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرواية العربية ووهم الأندلس

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 مـساءً
الرواية العربية ووهم الأندلس علي بدر

 

 
إنها اليوتوبيا ، أو الفردوس المفقود ، إنها الجنة الأصلية بعد طرد آدم منها ، هكذا هي الأندلس ، لقد تحولت هذه المفردة في الرواية العربية إلى كلمة - مفتاح mot-clژ ، كلمة تكثف في لحظة واحدة كل مشاعر الحسرة والضياع ، كل مشاعر الخسارة والفقدان ، كل مشاعر الحنين إلى الزمن الآخر ، ومثلما اخترع الغرب مع بودلير مفهوم المكان الآخر l'ailleurs ، فقد اخترع العرب عبر الأندلس مفهوم الزمن الآخر. منذ العام 1904 عام صدور أول رواية عربية عن الأندلس وهي رواية"فتح الأندلس" لجرجي زيدان ، وهذه المفردة ما انفكت تتكرر عصرا بعد عصر ، ويسلمها الورثة في الرواية العربية من جيل إلى جيل ، لقد أخذت هذه المفردة تشير إلى مفهوم الهروب السحري من الواقع الحاضر إلى زمن العظمة التاريخي ، إلى الزمن الذي تصنعه الأسطورة كمعادل للعصر الذهبي ، حيث يعمد النص إلى جعل التذكر قطعة منتزعة من التاريخ ، وأن يجعل من الأحداث التاريخية وقائع منفصلة ، بلا تناقضات تقريبا ، حيث تتحول الرواية إلى نوستالجيا تذكر لزمن العظمة المفقود ، ويرى قراؤها خلودهم في قوة الأحداث التاريخية ، لا في قوتهم ، وتنتهي كل اللوحة المحيطة بالأحداث إلى الغموض في ضراوة أكيدة. ومن الثابت أن الوهم بعصر ذهبي لا يتحقق إلا حينما تتفجر الأزمات التاريخية الكبرى واحدة بعد أخرى ، أو حينما تلحق الهزائم نشأة الأمم ، حيث يصبح الحنين عنصرا بانيا ومؤسسا للهوية القومية ، فقد كان أول استخدام في الثقافة الغربية لمفهوم الحنين la nostalgie هو من قبل جوهانس هوفر في العام 1688 ، وقد تطور هذا المفهوم مع تطور الفكر القومي الغربي ونشأة الأمم ، حتى أخذ يشير في العصر الرومانتيكي إلى البحث عن العصر الذهبي الذي لم ينوجد مطلقا ، ومثلما كان البحث عن الفردوس المفقود في الثقافة الغربية ، لا يتم إلا بعد تغييب كل حالات التقهقر والتداعي ، فإن الوهم بعصر ذهبي ويوتوبي في الثقافة العربية لا يتحقق في الأندلس إلا بعد أن تختفي في استذكاره كل أشكال التناقضات.

وربما ظهر هذا المفهوم بشكل جلي في الرواية العربية ، فلم يفارق مفهوم "العصر الذهبي" الروايات العربية التي تناولت موضوع الأندلس أبدا ، إلا بهذه الدرجة وتلك ، جرجي زيدان في فتح الأندلس 1904 ، "عبد الرحمن الناصر" 1909 ، علي الطنطاوي في "محمد الصغير" في العام 1939 ، معروف الأرناؤوط في "طارق بن زياد" في العام 1941 ، عبد الهادي بوطالب في رواية "وزير غرناطة" في العام 1960 ، رضوى عاشور في ثلاثية "غرناطة" في العام 1994 ، فؤاد الحلو في رواية "السمندل" في العام 1995 ، بهاء الدين الطود في رواية "البعيدون" في العام 1996 ، واسيني الأعرج في رواية "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف" في العام 1998 ، سلام عبود في رواية"اليمامة ، الألفية والآلاف والندامة" في العام 1999 ، علي الشوك في "رواية الأوبرا والكلب" في العام 2001 ، غسان أبو زيد في رواية "المبروكة" في العام 2001 ، ربيع جابر في رواية "رحلة الغرناطي" في العام 2002 ، عبد الجبار عدوان في رواية "راوي قرطبة" في العام 2006 ، ، بن سالم حميش في رواية "هذا الأندلسي" في العام ,2007

فلا تتضمن هذه الروايات الحنين إلى عالم مضاع عبر الحبكة التاريخية فقط ، إنما عبر حبكة الحب التي تنمو في إطار صراع تاريخي سياسي وديني مذهبي إلى جانب صراع رومانسي أو اجتماعي ، فيتحول الوصف الكثيف للمدن والحياة والأفكار والأزياء والرقي نوعا من الحنين إلى زمن غائب ، إلى زمن آخر غير موجود ، إلى عالم مرتجى ومطلوب ، لكنه مأخوذ ومحجوز وأسير لدى الآخر ، حيث تضع التحولات التاريخية واقع الأمة على الدوام في حالة أسى أو احتراس ، والترياق هو نص الأندلس ، إنه الهروب الخالد على الدوام إلى زمن العظمة التاريخي.

البرجوازية العربية وفكرة الانبعاث التاريخي

ومن الثابت أن البرجوازية العربية في أول مراحلها هي التي حولت الحنين إلى الأندلس إلى قوة دافعة للشعور القومي ، وبالتقابل العنيف مع نهضة الغرب ، فهنالك نهضة كبيرة في الماضي يمكن العودة إليها وبعثها وتحويلها إلى حاضر ، فلم تكتف رواية فتح الأندلس 1904 لجرجي زيدان بنصرة طارق بن زياد ومقتل فردريك ملك القوط ، إنما أراد زيدان من روايته أن تكون خطابا statement عن عظمة وقوة العرب ، وكرر هذا الأمر في روايته الثانية "عبد الرحمن الناصر" التي نشرها في العام 1909 والتي لم تتوقف على وصف بلاد الأندلس وحضارتها في زمن الخليفة الناصر وخروج ابنه عبد الله عليه ، إنما أسهب في وصف القصور الفخمة ، والضياع الكبيرة ، والحياة المرفهة وخضوع وفود ملوك أوروبا إلى الأمير العربي. وقد كرر هذه الثيمة من بعده علي الطنطاوي في العام 1939 ، بثلاث قصص من مجموعته "من التاريخ" وهي قصة "عشية وضحاها" والتي تدور أحداثها في غرناطة أواخر القرن الخامس ، ثم في قصة"آخر أبطال غرناطة" ، عن ساعات الوداع قبيل سقوط غرناطة بيد "النصارى" في أواخر القرن التاسع ، ثم قصة (محمد الصغير) التي تؤرخ حياة الأندلس بعد سقوطها. جميع الروايات التي تناولت الأحداث التاريخية في الأندلس ولا سيما في زمن صعود المشاعر القومية في تكوين الأمة الحديثة حتى الستينات ، كانت تركز على هذا التقابل الصوري بين غرب منحط ومنفي في غربته التاريخية وشرق عظيم وبطولي آخذ في التقهقر ، هذا الحنين التناقضي تقريبا ، قدمه مشروع البرجوازية العربية في لحظة صعودها كبديل عن الحل الكولنيالي ، فهو حنين تقدمي بمقدار ما هو رجعي ، أو حنين ارتجاعي بدافع تقدمي يشمل فكرة الانبعاث. غير أن هذه النوستالجيا التي قدمتها البرجوازية العربية لم تتقهقر في لحظة تفككها وضياعها في فوضوية التصنيع ، أو عند انهيارها مع التحول إلى الثورة ، والتحول إلى الدولة الريعية مع مجيء العسكر ، حيث نجد أن الرواية العربية لم تبطل النوستالجيا والبحث عن يوتوبيا جديدة ، أو زمن آخر في زمن الثورة على الإطلاق ، إنما أخذت طرقا أخرى ، التركيز على الفتن الداخلية التي أنهت زمن العظمة التاريخية ، كما هي رواية "وزير غرناطة" لعبد الهادي بو طالب في العام 1960 ، حيث الفضاء التاريخي بأحداثه المرجعية ذاته ، غرناطة عاصمة ملوك بني الأحمر ، ونحن نتابع سقوط حصن الإسلام ، الفتن الداخلية ، مغرب المرينيين بسبب الصراعات حول السلطة بين الأبناء بعد وفاة يعقوب المنصور ، الأحقاد ، التطاحن الشخصي و البلاطي والعسكري والذي أراد عبد الهادي بو طالب من خلاله أن يعكس زمن الثورة.

فالصورة القديمة كانت تتشكل طبقا إلى الهيام الكامل بزمن العظمة التاريخي ، وشعور بالمرارة والخسران في زمن السقوط ، وهنالك تقابل بين العربي والغربي=(كما هو عند جرجي زيدان) ، المسلم والمسيحي = (كما هو عند عبد الله الطنطاوي) ، الراقي والمنحط =(كما هو عند معروف الأرناؤوط) الذي تناول الصراع بوصفه صراع الشرق مع الغرب ، لا في المصالح الاقتصادية والتجارية فقط ، إنما في المشتركات التاريخية والجغرافية ، حيث تصبح أوربا المنتصرة ، والتي كانت الجغرافيا الأكثر قربا للعرب ، غامضة ومهددة ، فتانة ومنفرة أيضا. لقد بقيت حركة الأحداث في رواية الحنين إلى الأندلس ثابتة تقريبا ، بين سقوط مشروع الليبرالية العربية نهاية الخمسينيات ، ومن ثم تسليم فكرة الحنين إلى ورثة عصر الثورة..غير أننا نجد أن رواية الحنين إلى الأندلس أخذت شكلا جديدا ومختلفا ولاسيما بعد حرب الخليج الثانية ، وهي الحرب التي وقعت نهاية المشروع القومي ونهاية عصر الثورة ، حيث يتحول الحنين إلى نوع من الإسقاط ، إسقاط الواقع الحالي على زمن الأندلس ، وفي الوقت الذي تنتهي فيه الحماسة القومية يبدأ بدلا عنها عصر النقد والشك. فلم تعد الأندلس ترتبط بالضياع والخسارة فقط ، إنما بعصر الأسى ، وعصر الانتظار الموهوم ، وربما وضعت حرب الخليج الثانية تحديا لوعي جديد عند النخبة المثقفة.

الخيبة والانكسار من الأندلس المحلومة

لم تعد الأندلس مدينة العصر الذهبي المدينة المحلومة لدى النخبة المثقفة فقط ، إنما تقدم عليها عصر الشك..وتقدم عليها عصر الانكسار..فبعد حرب الخليج الثانية ، يتفجر سيل من الروايات التي تتناول الأندلس في أحداثها التاريخية منذ عقد التسعينيات من القرن الفائت وحتى اليوم ، فيحرف سلام عبود أحداث روايته "يمامة: في الألفة والآلاف والندامة "1996 ، التي تدور أحداثها في الأندلس عن زمن العظمة التاريخية لتكون عن عبد الله بن المثقف الذي يعيش ضحية الاستبداد والفساد ، ويترك قرطبة ليعيش في منفاه في أليشانة. كما يفعل بنسالم حميش في روايته "هذا الأندلسي "2007 ، حيث يجعل البطل ابن سبعين يغيب في رحلة بحثه عن شيء فقده ، فالمخطوط الضائع هو ما يبحث عنه البطل الصوفي ابن سبعين في الرواية ويريد الوصول إليه ، ويتحول الوصول إلى بحث عن زمن آخر ، كما هو بحث عن المكان الآخر ، إن الضياع يقابل الوصول ولكن لا زمن فيه للعظمة التاريخية إلا في الزمن الآخر. بينما يقابل واسيني الأعرج في رواية "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف "1998 الضياع بالانتظار ، وهي قصة البشير الموريسكي الذي تنظره الرعية. وينتظره علماء المدينة. والذي عاد من الكهف بعد طول السنين ليعمل علي التغيير ، فشخصية البشير الموريسكي ليست شخصية مجسدة بقدر ما هي شخصية منتظرة ، شخصية مطلوبة ومرجو حضورها ، فزمن الانتظار طال ، الغياب تحول إلى أسى ، والأسى تحول إلى عادة ، والناس تنتظر المخلص ، والمخلص هو البشير الموريسكي الذي سيعيد إلينا الأندلس.

ويضيع الصبي محمد بطل ربيع جابر في رحلة الغرناطي ، بعد أن يذهب مع أخيه الربيع لرعي الخراف قرب الغابة ، ومثلما تختفي الأندلس في رواية سلام عبود وتحل محلها قصة حب ، تختفي الأندلس عند ربيع جابر ، وتصبح رحلة البحث عن الصبي محمد هي رحلة البحث عن الأعشاب الأندلسية ، وتفاصيل الطعام الأندلسي ، ووصف الطبيعة الجغرافية لغرناطة وقرطبة ، ووصف الأزياء الشعبية ، ومهن الأندلسيين وحياتهم اليومية وحروبهم ، وهو الشيء ذاته في رواية الأوبرا والكلب لعلي الشوك ، فلا تحضر الأندلس عند بطلة الرواية المغربية إلا في ذكر الموسيقى الأندلسية وتفاصيلها التقنية وأنواعها ، وتتواصل الأحداث في الرواية لتتكلم عن العلاقة بين الموسيقى الأندلسية والموسيقى الأوربية ، ومدى تأثير الموسيقى العربية في صنع الموسيقى الغربية ، وتلاحق البطلة نوتات بعض الأغاني المشهورة مثل أغاني سانتا ماريا من مؤلفات الفونسو.

الأندلس والتعبير الكنائي عن الفردوس

لا تظهر الأندلس بوصفها الفردوس المفقود بصورة صريحة كما كانت في الروايات العربية الأولى التي تناولت هذا الموضوع مطلقا ، إنما يصبح التعبير الكنائي عن الأندلس متركزا في مفردة واحدة تقريبا ، هي الحب في رواية سلام عبود ، حيث يتحول الحب إلى تعبير كنائي يدل على وجود وتحقق الفردوس أو العصر الذهبي ، وهي المخطوطة الضائعة في رواية بنسالم حميش ، وهي البشير المورسكي في رواية واسيني الأعرج الذي ينتظره الناس ، وهي الصبي الضائع محمد في رواية رحلة الغرناطي عند ربيع جابر. وفي الوقت الذي تختفي فيه الأندلس التاريخية عند علي الشوك ، وتظهر بدلا عنها الموسقى الضائعة ، وتختفي غرناطة السقوط عند بنسالم حميش وتحل محاها المخطوطة الضائعة التي تدل عليها ، تختفي الأندلس التاريخية في رواية "البعيدون "1996 لبهاء الدين الطود ويظهر محلها تفسير لعلاقة العرب مع أوربا ، وتوازي بين ضياع الأندلس وحنين البطل إدريس الذي درس في مدريد وتعرف على صديقته الإسبانية بيلار لأيام شبابه ، فالشباب المضاع يتوازى نوعيا مع ضياع الأندلس وخسارتها. ومع أن الرواية في شكلها وفنها تستوحي رواية بيكاريسك اسبانية هي "حياة دي لازوريو ومحنه وحظوظه" إلا أنها تنعتق لتصل إلى تفسير العلاقات مع أوربا على مفهومي الهزيمة والانتصار ، كما يفعل ذلك فؤاد الحلو في رواية "السمندل من مغرب العرب إلى كوبري التاريخ "2001 ، فتتحرك رواية الحلو بمستويين متوازيين ، الأول: سقوط غرناطة وضياع الأندلس ، والثاني: هو الزمن الحالي ، حيث لم يتبق من الأندلس إلا اسم كابريه هو كابريه الأندلس. فحين يصطحب الباش مهندس ، الأمير زيدان إلى الكباريه ، يسأله: بقولك إيه انت منين؟ يجيبه زيدان قائلا: أنا من المغرب ، أبي هو آخر ملوك الأندلس. فيجيبه الباش مهندس: الله تبقى انت ابني ، أنا ملك كباريه الأندلس.

الأندلس ورواية الإسقاط التاريخي

التاريخي أما النمط الآخر من الروايات التي تناولت في أحداثها الأندلس ، هي روايات الإسقاط التاريخي ، حيث يسقط الروائي هزيمة العرب في الأندلس وتسليم مفاتيح غرناطة للقشتاليين على الهزيمة في حرب الخليج ، ولا سيما في "ثلاثية غرناطة "1994 لرضوى عاشور ، ورواية "المبروكة "2001 لغسان أبو زيد ، ورواية "راوي قرطبة "2006 لعبد الجبار العدوان. فالماضي المهجور ينهض في هذه الروايات بقوة على أثر مدافع وصواريخ حرب الخليج ، ينهض بأحداثه التاريخية المفصلة ، وإن كان يؤشر قرن الهزائم والاندحار إلا أنه مطلوب ومرتجى كي ينفذ وسيلته الفعلية في تحقيق الإسقاط التاريخي من الماضي على الحاضر ، وإن كانت الأحداث عنيفة وقاسية ولكنها مهمة في فهم ما يحدث اليوم ، وكأن الحاضر يفتقر لحجر أساس ، لا يكمن هذا الأساس إلا في الرؤية التاريخية ، فالحاضر لا يتم إلا في الماضي ، مثلما يبقى الماضي بعيدا ومهجورا ما لم يتم استدراجه إلى الواقعة الحالية ، فترى رضوى عاشور صورة امرأة عارية وهي تتابع قصف بغداد على شاشة التلفزيون ، فيفتح لها هذا المشهد بابا للذاكرة ، ترى المرأة العارية تقترب وكأنها أبو جعفر الوراق في الرواية يشاهد موته في عريها ، فتستعيد من التاريخ تجربة الموريسكيين في المرحلة التي أعقبت سقوط غرناطة بيد القشتاليين ، وتقوم بتتبع عمليات التنصير القسري ثم طرد آخر مسلمي الأندلس في السنوات الأولى من القرن السابع عشر. ولا تكف الرواية عن إعادة الأحداث التاريخية - تسليم أبي عبد الله الصغير مفاتيح غرناطة لملكي قشتالة فرديناند وايزابيلا ، وبيعه كل أملاكه ورحيله عن الأندلس ، فيستعيد أبو جعفر الكتبي في حوار داخلي آراء من يدافعون من أهل حي البيازين عن تسليم غرناطة والمعارضين لهذه الخطوة من أنصار موسى بن أبي الغسان الذي صاح بضرورة مقاومة القشتاليين وعدم التسليم. وهكذا يمكن للرواية أن تحول حتى مفهومي الخسارة والضياع إلى مكان أخاذ للهرب والأحلام ، فغسان أبو زيد في رواية "المبروكة "2001 ، يجعل من اجتياح العراق للكويت هو التعبير الدلالي عن الخسارة والضياع والهزيمة. فأبو الحسن الصغير شبه وريث لجد قديم ، كان ذات زمان في غرناطة وأسلم مفاتيحها ، ليبحث لنفسه بعيداً عن الأندلس عن مملكة جديدة ، فيما يجتهد حفيده لإقامة مملكة المثال ، تلك التي تظل عصية. في الوقت الذي ذهب بعض الروائيين للبحث عن أندلس مختلفة عن الأندلس التاريخية ، أسقط آخرون الزمن الحالي ، زمن قرن الانهزام على الانهزام التاريخي في الأندلس ، فرواية "راوي قرطبة "2006 لعبد الجبار العدوان تأتي بعد زيارة البطل للأندلس ، وزمن الزيارة هو بعد حرب الخليج الثانية ليؤكد أن نظرة العرب الأخيرة لمدينة الزهراء هو بداية الهزائم وقرون الاستعمار والظلام ، ويرى في الانجازات الأندلسية هو رد على ما تلقاه العرب "في الضربة "الالكترونية - الدموية الكارثية" في حرب الخليج الثانية كما يذكر ذلك البطل. في الواقع إن الرواية العربية استثمرت الأندلس بقوة ، فما هو ماض يبقى حاضرا ، إنه صورة معكوسة للحاضر ، لأن الماضي هو أكثر عناصر اللوحة تلوينا ، ولا سيما حينما تكون تناقضاته متقاربة ، وهزيمته متقاربة ، وإن كانت الهزيمة التاريخية مؤكدة إلا أن الماضي هو الأكثر قربا وألفة في النص ، إن الأحداث تقرأ وكأنها قد حدثت اليوم ، وفي الزمن الحاضر أيضا ، وكما أنها تسهم بقدر كاف في فهم ما يحدث اليوم ، فهي تغذي الحلم الذي مات في التاريخ مرات ومرات ، بل لا يتم التعرف على الذات إلا من خلاله ، فالخسارة والضياع عناصر بانية للهوية ، وربما تستمد الهوية عناصرها الحقيقية من الوضع التراجيدي والمأساوي من الماضي (انظر: Benedict Anderson/ The Imagined Community"). في الواقع إن ما يسهم في تغذية الماضي ، هو تقابله التناقضي مع الحاضر ، وكذلك ، إن ما يسهم في تحيين الغياب التاريخي هو الهزيمة ، أو المأساة الحاضرة ، وبالتالي يتم الانعتاق من الحاضر عن طريق الاحتياز على الماضي ، إن الوعي بالماضي هو الذي يخفف وطأة الحاضر كما يعتقد ذلك مارسيا إلياد في كتابه الفردوس المفقود"la paradis perdu" ، وهكذا نجد أن التراث يقدم للناس ماضيها كأنه أحد مراجعها ، انه مرجع متغير في لونه وفي شكله ، ومتناقض في نعوته ، ومتغير وفق الظروف ، بيد أنه ثابت في وظيفته الاستقطابية. تتلخص أطروحة مارسيا إلياد في أن الحنين إلى الفردوس هو استمرار للأصل الديني لفكرة الجنة ، وآدم المطرود منها ، وبالتالي فإن استحضار الماضي هو نوع من العودة إلى الفردوس المتوهم ، والتذكر هو التوازي مع عودة آدم إلى الجنة الأصلية...وهكذا هي رواية الحنين إلى الأندلس.



ہ روائي وكاتب عراقي

Date : 14-12-2007

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش