الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في قصائده الأرض لا تتأرجح أمام البصر * بورخيس شاعراً بيترو سياتي ترجمة: وليد السويركي

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2007. 03:00 مـساءً
في قصائده الأرض لا تتأرجح أمام البصر * بورخيس شاعراً بيترو سياتي ترجمة: وليد السويركي

 

 
تكشف النبرة الشعرية عند بورخيس عن تلك البراءة النبيلة ، تلك الجديّة البسيطة الخالية من كل بهرج ، عن تلك الطمأنينة السوداوية التي لا يستطيع أن يوحي بها سوى الشعر الفلسفي. هذه صورة لشعرْ بدا وكأنه يدير ظهره لعبقرية الشعر ذاتها.
حين كان يتأمّل ذاته في المرآة ، كان بورخيس يصاب بالذعر العميق فالبلّور الذي لا يمكن اختراقه حيث يحيا فضاء الانعكاسات المستحيل ، الماء الذي يحاكي أزرق السماء المخطط ، السطح المرهف والصامت للأبنوس الذي يكرّر بياض الرخام أو اللون الزهري لوردة جورية ، يعكس ، بكلّ ذلك ، وجه رجل لبق ومتحفظ يحب "الساعات الرملية والخرائط وصحافة القرن الثامن عشر وطعم القهوة وكتابات ستيفنسون النثرية".
ولكن خلف هذا الوجه اللطيف والكلمات التي ترافقه مثل ألحان سريعة متعاقبة ، ينفتح فراغ لا نهاية له. وإذا ما تأمّل لفترة أطول أعماق المرآة ، فكأنما ينمحي كلّ شيء ، ومن العدم يبزغ فقط قليل من البرد ، وحلم لا يحلمه أحد: الصدى المقعّر والمرتعش لشيء ما ربما كان قد وجد قبل قرون وقرون. كيف يمكن تجاوز هذا الميل لـ(اللاّواقعية) الذي كان يتملّكه تماما؟من ذلك الفراغ ، من ذلك العدم استطاع شكسبيره أن يطلع دون عناء ودون بهجة ، عالما كاملا محتشداً بالأبطال والمهرجين ، بالساحرات ، بالغابات والأنهار التي لها اتساع البحر. لكن بورخيس نفسه ، لم يكن يمتلك أيّاً من فضائل شكسبير ، إنّه يحدّق مليّاً مرة أخرى في انعكاس وجهه الذي يبدو وكأنه يتحلّل ويتهشّم ويتضاعف إلى وجوه أخرى لا تعدّ ، تطارد بدورها وجوها أخرى كلّها تشبهه وكلها مختلف عنه.
لقد عرف كما لم يعرف أحد غيره لذّة القراءة الخطيرة ، هذا المشروع الذي لا حدود له والذي يضاعف الأشخاص والأشياء أكثر من المرايا ويقنعنا في آن معا بعدم الثبات المطلق وبالسمة الستاتيكية للعالم. لقد تلاعب وزوّر ، تظاهر بأنه مؤرخ وارتدى دون توقف أقنعة جديدة. لقد أراد الهرب في آخرين سواه كانوا يزيدونه بدورهم رعباً. لقد لعب لعبة التخفي مع ذاته عبر الرموز والظلال والمجازات و الموسوعات والقصص والمقالات والمتاهات الحقيقية أو المتخيلة ، في نهاية الهروب اللا نهائي الذي قاده في كل لحظة إلى حدود المطلق المثيرة للدوار ، هنالك حيث يمكن للهلوسات أن تُفقد المرء حياته ، لا احد يستطيع القول يقيناً إن كان بورخيس قد عثر على هويته حقّاً ببلوغه تلك النقطة التي امتدت إليها كل خطوطه أو أنّه فقدها نهائيا. عند قراءة قصائد بورخيس الأخيرة يتولد لدينا انطباع بأن تغييراً قد طرأ على فنّه. لم تعد الأرض تتأرجح أمام بصرنا ، ولم نعد نلمح في المرايا الظلّ العبثيّ والفراغ أو هروب الصور والأوهام إلى ما لا نهاية. الجميع يعرف ما الذي حدث طيلة السنوات التي فصلت بين كتبه (قصص خيالية ) 1944 و(الألف1952) عن( مديح الظل) 1969: ضباب كثيف محا خطوط يديه ، النجوم هجرت الليل ، والأرض تحت قدميه غدت رخوة. لقد أحاط العمى بورخيس بذراعيه ، في البداية عاش رعب أن لا يكون سوى كائن يهجر العالم ، ثم أدرك أن الظلمة لم تنقضّ عليه وأن ثمة غبشا بطيئا و ناعما يحوّل الأشياء التي كانت في الماضي واضحة ، حادة ومميزة إلى أشكال غائمة ولامعة - أصدقاء بلا وجوه ، صفحات بلا حروف ، نساء بتعبيرات تشبه تلك التي كانت لهن في ماضي الأزمان . لا بد وأنه ظنّ عندها أنه قد عاد إلى بيته بعد سنوات من التيه ، كانت أرض حياته راسخة ، ممتلئة بالكتب. مرآته الجوانية ، وليست مرآة الزجاج العبثية حيث تختبىء الظلال المخادعة - تكشف له عن صورة محددة.
أخيرا ، امتلك بورخيس مصيرا يستطيع أن يديره بعلنية ممتعة ، هو الذي عاش دائما في مغاور الحياة وكهوفها السريّة الخطرة. إذا كان بورخيس فيما مضى مجرد قارئ للكتب فها هو قد أصبح "حارسها".وهو يعرف أنها مهمة ميؤوس منها وتكاد تكون مستحيلة. المجلدات الضخمة في الأعلى خلفه تسهر على الأشياء الكبرى: "الحدائق ، المعابد ومسوغاتها ، الموسيقى الحقة والكلمات الحقة ، الهيكسوغرامات الأربع والستين ، الطقوس التي هي الحكمة الوحيدة التي تهبها السماء للبشر..." ولكن إذا كانت الكتب قد نجت من تسرب الزمن فإنه هو قد غدا عجوزا ، أعمى ، لا تستطيع يداه بلوغ الرفوف التي اكتست بالغبار والنعاس.
وربما لن يميز حتى الحروف والرموز والكلمات والأبيات الشعرية للّلغة التي يحرسها. مع ذلك لا ييأس الحارس ، فكما أن الكلام الإلهي يتجلّى عبر كلام البشر الذين يخونونه فإنّ ثمار خياله المتأخرة ، أحلامه و قصائده التي انبجست ببساطة فجائية من نبع شيخوخته تفصح عن تلك الحكمة المجهولة. لقد أصبح ذاكرة العالم. فبالرغم من أن الكتب بعيدة وخفية كالكواكب ، إلا أنها أيضا قريبة وظاهرة مثل الكواكب بالنسبة له. إنها تمنح من الآن فصاعداً جوهرها بدل حروفها.
وتمنح تلك الحكمة التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات والعبارات والتي يملكها فقط أولئك الذين عاشوا كثيراً ، وعانوا كثيراً وزهدوا في الحياة.
بدأ أسلوب بورخيس يعكس ضوءاً مختلفاً ، فالفنان الثائر الذي اتّسم بالبرود والأناقة والذي كان يحبّ المفاجئ والاعتباطي ويناوب بين الحذف والمراوغة والصياغات المتوهجة الجريئة بات شاعراً رمزياً عظيماً. لم تعد طموحات شتيرن أو كآبات باريس تغويه ، لقد ترك لغيره التنوع والمفاجأة ، فسعى لتبسيط العالم وجعل اللغة أكثر صفاء. فلم يلجأ إلى الصور الشعرية الكبيرة إلا قليلا. لقد بات يقدّس ما كان يعتبره في السابق مجرد لعبة ، فصار يكرر كاستعارة مركزية ما كان يستخدمه كاستعارة مفرطة في الغرابة. لقد ظنّ في الماضي أنه محكوم بتقنية التلميح والتضمين فلم يكن يتناول موضوعاته إلا جانبياً ، بشكل موارب وعبر ستار من البنى المتعاقبة. أما الآن فقد صار يعبر عن أسرار الكون ببساطة ساحرة ، ففي ضوء شيخوخةْ متقدمةْ هدّأت نبرته وجعلتها أكثر رقة ، لم يعد بحاجة إلى استثارة الذكاء ، فثمة نبرة طبيعية استثنائية ، قصوى وخطرة ، يكاد الوصول إليها يكون مستحيلاً - ولا يملكها إلا كبار المقامرين والمزورين بعد ان يتوبوا - تغلف كلّ مقطع لفظي وتسًم كلّ كلمة وتحفظ كل قصيدة في متحف ذاكرتنا النضر. بات كل ما يكتبه ينبع من هدوء فكر كامل ، حيث تكشف النبرة الشعرية عنده عن تلك البراءة النبيلة ، عن تلك الجديّة البسيطة الخالية من كل بهرج ، عن تلك الطمأنينة السوداوية التي وحده الشعر الفلسفي يستطيع أن يوحي بها. وهو حين يلعب فإن جديته تتخفى وراء سحابة من التحفظ ، وحين يلعب على وتر السخرية فإن النغمة المفخّمة تتعمّق وتبرز من جديد.
و ربما يبلغ أقصى حدود الرهافة حين يستسلم لرقة موسيقى نظام القافية المتعانقة كما لو كان يتوجب على الأعمى "حارس الكتب" أن يعبر عن أفكاره الأكثر رهافة عبر أبيات شعرية خفيفة كتلك التي كانت تكتب لأغاني الرقص في القرن السابع عشر. إن العالم كما يصوره بورخيس تحولات وحالات تقمص مستمرة .
فالزمن ينساب كنهر كلي حيث تتبدل الهيئات كلها وتذوب وحيث تتبادل الوجوه وحيث كل الأشخاص يموتون ويولدون - هم أنفسهم - أناسا آخرين. كم هو شاقّ أن يتقدم المرء في هذا النهر. في كل يوم أرضي يختتم بالحد المزدوج للّيل والنهار تستمر الحكاية الكونية ، منذ بد الخليقة وحتى آخر الأزمان: سقوط ابليس ، تجسد المسيح ، اليهودي التائه ، دمار قرطاج ، بدعة اريوس وآتاناز ، الخواطر الأخيرة لنابليون أو لمتشرد يحتل زاوية الشارع. في كل لحظة نعيشها ونعتقد أنها ملكنا تتخفّى على نحو سحري لحظات أخرى لا تحصى ، ماضية أو مستقبلية ، لنا أو لغيرنا ، حقيقية أو متخيلة. ثم كيف نعبر من لحظة إلى أخرى؟ في كل خطوة نخطوها تنفتح متاهة مرعبة: احتمالات ، ممكنات ، وتشعبات تنادينا وتعذبنا: طرقات معقدة ومتعبة ، غرف دائرية تنفتح على أبواب أخرى ، دهاليز متفرعة ، جدران غير متوقعة ، تعرجات ، تقاطعات لحيوات متعددة مجهولة ، كل ذلك يجعلنا نضيع أكثر فأكثر في قلب المتاهة - تلك الوردة الراسخة والتي ربما لاوجود لها - ويتركنا عزّلا على ضفاف المطلق الخاوية. إنّ جوهر فن بورخيس يكمن في كونه يرقب تحولات الكون من وراء نوافذ مرصده المغلقةجيداً ، مرصد الأديب.
ہ ناقد أدبي إيطالي
ہہ شاعر ومترجم أردني
عن مجلة ماغازين ليتيرير الفرنسية ، عدد 378
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش