الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الغويرية * سعادة ابو عراق

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2007. 02:00 مـساءً
الغويرية * سعادة ابو عراق

 

 
لم ير مخلد بني حسن محتدا غاضبا كما هو اليوم ، فقواه الهرمة وهزال جسمه لا يعينانه للبحث عن حماره الذي لم يجده اليوم في الحوش كما هو دأبه طوال عشر سنين او اكثر.
مخلد بني حسن ، وهذا الاسم الذي يعرف به في الغويرية ، منذ ان هبطها قبل خمسين سنة ، ويسميه اخرون بالحمّار ، لانه منذ عُرف واعماله مرتبطة بالحمير ، ومنذ عرف ايضا وهو يسكن بيته الذي ما زال من التراب ، وما زال منتصبا رغم تآكله على الربوة الشمالية التي تطل على حي الغويرية ، لكن الناس لا يعرفون كم حمارا أفنى في عمله ، ولا ذاكرته الهرمة تعرف ايضا.
انه مذهول لهذا الغياب المفاجىء للحمار ، حد الفجيعة المؤلمة ، فحماره المسكين ما عاد يقوى على شيء ، لذلك لا يستطيع ان يطلقه في الازقة والشوارع ، يضربه الصبية وتنهشه الكلاب ، ويبحث عن طعام وشراب لا يجده في الطرقات ، انه يحتفظ به كرفيق امضى معه العشر سنين الاخيرة ، يسمح له ان يتحرك في هذا الحوش ، يمرغ نفسه التراب كما يشاء ، يستمتع الاثنان بشيخوخة متزامنة.
لاول مرة يشعر بالوحدة والغربة ، فها هو قد اصبح بلا حمار دون ولد ولا زوجة ، فمخلد بني حسن ، اسم غريب يدل على انه ليس من بني حسن ، ولو كان من بني حسن لانتسب الى عشيرة من عشائر هذه القبيلة الكبيرة ، او احد فروعها او عائلاتها.
حينما عرف الجيران ذلك ، والقريبون من الحارة بما حدث ، طفقوا يبحثون معه ، ويقولون:
- البوابة المتداعية لم تعد تمنع الحمار من الخروج.
ويقول اخر :
- الحمير الداشرة تملأ الحارات ، ربما اشتم رائحة أتان فتبعها.
انه نادم جدا ، فحماره قد خرج ، وخروجه هذا يعرضه لمفتشي البلدية ، الذين نشطوا اخيرا في جمع الحمير والكلاب الضالة ، كما شاء المحافظ وكما برر فعلته امام الذين يملكون الحمير او لا يستغنون عنها «ان مركبات السوزوكي صممت لتحل محل الحمير ، محركها محرك دراجة ، لكنه بقوة خمسة بغال ، وبذلك تحمل اكثر من دزينة حمير ، وتستهلك اقل مما يستهلكه الحمار ، وتدخل الازقة التي يدخلها الحمار ، علاوة على ان السوزوكي لها ثلاث عجلات ، فلا تنقلب ، وايضا لا روث لها ولا نهيق كالحمار او البغل» لكن مخلد قاطعه بقوله :
- وكيف لعجوز مثلي ان يتعلم سوق السزوكي؟
مأساة مخلد كمأساة الحمير تماما ، مشكلتهما مع العصر الذي يتغير دون استئذان ، ودون علم مخلد وحماره العتيد ، فكيف لرجل سبعيني ان يطور نفسه؟ يعمل حمّارا منذ خمسين سنة ، واذا لم يطور مخلد نفسه ، فأنى للحمار ان يطور ذاته..، منذ خمسين سنة جاء مخلد الى الزرقاء ، جاء ككل الطامحين الذين قدموا يبحثون عن عمل ، وتحديدا تقديم خدمات يحتاجها الجنود في المعسكر ، فإذا بالحمار الذي جاء عليه راكبا ، صار وسيلته الى العمل ، اذ راح ينقل للوحدات العسكرية من القرى والمزارع الخضار والفواكه والحبوب ، الى ان اصبح للجيش سيارات تنقل المؤن ، وطرقات تصل القرى. بعد ذلك استغنوا عنه ، فماذا يفعل بحمار ما زال قادرا على العمل؟ فكر وفكر ، فرأى ان يحمل عليه بضائع يبيعها في قرى بني حسن البعيدة ، . فوضع على ظهره صندوقين ، ملأهما اولا اقمشة ومناديل وجوارب وكشكش وحطات وعقلا ، ومرة اخرى ابرا ومرايا وبكلا وخيطانا وكباسات وازارارا ، ومرة ثالثة حلقوما وكعكبان وهريسة وقطينا وزبيبا وعنبا. ثم رأى ان يبيع الصابون المعطر والنابلسي والبرش ، والبودرة والحناء والكحل والعطر وزيت الشعر ، يبيع بالنقد حينا وبالمقايضة حينا اخر ، وان عز الامر فبالدين ، لكن حينما فتح بعض القرويين دكاكين يبيعون بها ما يبيعه ، لم تعد تجارته رابحة.
ومرة ثالثة غير عمله وعمل الحمار ، اذ صنع له حداد عربة بمقياس الحمار ، تتسع لبضعة صناديق من الخضار ينقلها من الحسبة الى محل في سوق الغويرية ، يحمل عفش بيت متواضع ، ويوصل مونة العائلة الشهرية الى البيت ، ويركب الاولاد عليها في نزهة عند كل عيد.
هذا العمل جعله يعرف كل سكان الغويرية وجعلهم يعرفونه ، وصار ذاكرة الغويرية ، يعرف من نزل الغويرية ومن خرج منها ، ووجدته الشرطة مرجعا للتعرف على الاشخاص المطلوبين ، واعتبره المتصرف مختارا ، لان الناس تعرفه ويكنون له احتراما.
في حالة نادرة ينطلق اهل الغويرية للبحث عن حمار مخلد الذي يعرفونه ، ويعرفون ان البلدية قد حملته الى الضليل ليعدم هناك ، لكنهم يخشون عليه المفاجأة ، يصر على ان يذهب الى الضليل ، فيحمله احدهم بسيارته الى هناك - دون مقابل - ويرافقه جيران ومعارف ، وهناك على حافة الصحراء ، كانت رائحة نتنة تصدر عن جيف تتحلل ، فكانت دليلا لهم ، اقتربوا منها ، فوجدوا مجزرة لحمير الزرقاء ، وكان موظفو دائرة الصحة قد احضروا للتو سبعة من الحمير ، صفوها بجانب بعضها ، كانت رؤوسها على خط مستقيم ، وكان يكفيها طلقة واحدة من بندقية سمينوف ، تخترق رؤوسها ، فيقضي عليها جميعا.
وصلوا ساحة الاعدام ، كانت جثث الحمير ملقاة ، عشرات وعشرات ، منها المنتفخ ومنها المتعفن ، وكان حمار مخلد في الرمق الاخير ، فالرصاصة لم تخترق دماغه ، بل اخترقت فكه والاوردة التي في رقبته ، وقتلته على مهل ، فجع مخلد اذ رآه ممددا في حالة النزع هذه حينما حرك ذنبه ببطء - تحية له او وداعا - ، وربما حرك قدمه ايضا ، لكنه نظر في عيني مخلد نظرة ثم اغمضهما ، فصاح مخلد وقد ملأ صوته الاسى :
- يا بلدية الزرقاء ، لماذا حكمتم على حماري بالاعدام؟ ألم يتفتق ذهنكم عن حل اخر غير القتل؟

(من المجموعة القصصية «زرقاء بلا ذنوب»)

ہ قاص وروائي اردني
رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة