الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

"القدس" و"الحنونة" تنتصران لغزة وأهلها عبر لوحات فنية من التراث الشعبي

تم نشره في الأحد 11 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 مـساءً
"القدس" و"الحنونة" تنتصران لغزة وأهلها عبر لوحات فنية من التراث الشعبي

 

الدستور ـ إلياس محمد سعيد

"الألحان التي نغنيها مستقاةٌ من التراث الشعبي الفلسطينيّ، وكذلك الكلمات؛ فهي متصلة بموروث الشعب الفلسطيني نفسه"، يقول حسن سلطان، وهو المطرب الرئيس في فرقة القدس للفنون الشعبية.

عندما وصلتُ الجامعةَ الأردنية مساء أمس قاصداً مسرح الحسن حيث حشدٌ هائل ينتظر الدخول من أجل مشاهدة ما ستقدمه الفرقتان: فرقة القدس للفنون الشعبية، وفرقة الحنونة للقافة الشعبية. كان ما زال فسحة من وقت على ابتداء الفعالية، فقررتُ، بدلاً من الانتظار أمام مدخل المسرح، أنْ أتوجه إلى الغرفة الخلفية حيث أعضاء الفرقتين يستعدون وقد ارتدَوا ملابس الأداء، وراح بعضهم يمارس بعضاً من الحركات التي سيؤديها على الخشبة. وما كدت أجلس إلى جانبه حتى راح يحدثني عن دور الأغنية عموماً، وبخاصة الأغنية الشعبية في "الحفاظ على الهوية، وحمايتها".

كان حسن سلطان التحق بفرقة القدس منذ عام 2002 على اعتبار أنّ الفرقة نفسها "منبر للتعبير عن الوطنية، وعن معاناة شعبٍ هُجِّر من أرضه"، كما يقول حسن الذي يرى أنه "برغم التهجير لم ننسَ ذرة تراب من فلسطين"، أمّا الأغنية، فعن طريقها "ننقل عذاب الشعب الفلسطيني، ونحكي للذين لم يروها، ولم يعيشوا فيها عن جوانب تتعلق بالمكونات الاجتماعية لشعبها"، وذلك إضافة إلى مكونات المشهد الطبيعي للمكان.

حسن سلطان من "الفالوجة" أصلاً، ويقول: "من المفارقات الميلة أنّ جدتي عندما خرجت، على نحو قسريّ، من البيت أخذتْ مفتاحه، لكنّ البيتَ هُدم، والبابَ خُلع، ولم يبقَ إلاّ المفتاح".

مطرب فرقة الحنونة محمد سمير قال إنّ عرض التراث من خلال الفن الشعبيّ يساهم في "تعزيز استمرارية هذا الفن، وفي توصيله بأبهى صورة إلى الجيل الحالي والأجيال القادمة"، ثم أشار إلى أنّ أغلب أعضاء الفرقة من الشباب صغار السنّ، وهو يرى أنّ الأغنية "تؤدي غرضين: فهي تشحذ الهمم، وتؤصل الهوية التي لا يمكن إلاّ أنْ تكون متداخلة معها"، أمّا عن الفعالية نفسها، فبالإضافة إلى "أثرها المعنوي في الحاضرين، فإننا نسعى إلى أنْ تكون هناك جدوى مادية تتمثل بتكريس ريعها ليكون من ضمن التبرعات إلى أهل غزة".

الأغاني التي تقدمها فرقة الحنونة للثقافة الشعبية لا تقتصر على ما تستمده من التراث الشعبي الفلسطينيّ؛ فقد قدّمت في عروض سابقة "أغاني للشيخ إمام، وسيد مكاوي، علاوة على أغاني قديمة لأم كلثوم"، يقول محمد سمير. كانت تلك الأغاني منتقاة بسبب قاسم مشترك يجمعها: "ثيماتها الموسيقية، وكلماتها الوطنية، والرسائل الواضحة التي تتضمنها"، لذك فإنّ لفرقة الحنونة "خصوصية فلسطينية، لكنها تهتم بإطارها العربيّ".

يوجد في فرة الحنونة كادر موسيقي متخصص "يقوم على تلحين الأغاني، وهنالك كادر آخر يضع كلمات وطنية لألحان موجود أصلاً، ثم يقوم بتوزيعها بثوب جديد".

انضمت لينا صالح، هي مغنية رئيسية، إلى فرقة الحنونة منذ عشر سنوات، وتعتبر أنّ الفرقة نفسها تضطلع بدور "حراسة ذاكرة التراث الشعبي في بلاد الشام ضدَّ عمليات الهدم والطمس اللتينِ تواجههما هذه الذاكرة، بخاصة في جيل الشباب".

بعد ذلك بدا أنّ شيئاً يحدث على خشبة المسرح، فدخلتُ مسرعاً لأجد الفنان محمد القباني يقف أمام جمهور ملأ المدرجين عن آخرهما، كان القباني يقول في تقديمه للحفل: "خلاصنا، وعزتنا، وكرامتنا بالمقاومة؛ المقاومة ولا شيء غيرها هو ما يعيد إلينا الحياة والعزة، فادعموها.. اعموها بكل شيء لتبقى"، ثم تحدث عن دور الفرقتين في "بث الحياة في تراثنا، وإعادته وزرعهفي وجدان الأجيال المتتابعة".

محمد القباني قال في كلمته أيضاً إنّ هذا المساء "سنهديه جميعاً إلى غزة الإباء، وسنهديه للطفولة ولحقوق الإنسان المهدورة في غزة"، ثم أضاف الرفض للتطبيع مع العدو الصهيوني، وللعلاقات معه، ولوجود سفرائه.

"لَعْيون غزة" كانت الأغنية التي استهلت بها فرقة القدس عرضها، أخذ حسن سلطان يصدح بصوته العالي: "يا غزة تسلم عينيكي، واحنا رجالك رهن إيديكى"، أمّا الجمهور فلم يجلس صامتاً من أجل الاستماع، بل بدا كأنما يحفظ اللحن والكلمات غيباً، وما كدتُ ألتفتُ خلفي حتى رأيتُ الحاضرين جميعاً وقد وقفوا يرددون الأغنية، وهم يلوحون بأيديهم. ثم توالت الفقرات التي أدتها الفرقة وكان من بينها دبكة هيجت إيقاعاتها الحاضرين جميعاً، لنسمع بعد ذلك صوتاً يقول: "هدية موت؛ تأشيرة مرور تسمح أعَدّي لأرضي، وانزِفْ عتْرابها، وأموت". تصورتُ للحظة أنّ مئات الحاضرين أرادوا أنْ يريحوا أعينهم من الصور التي يشاهدونها لحظةً بلحظة على الفضائيات؛ صور الدمار والقتل، وفيديو الدم الذي لا يتوقف في غزة، غير أني أدركتُ أنّ صورة واحدةً ستظل محفورة في الذاكرة: صورة الشهيد محمولاً على أكتاف بعض من أعضاء الفرقة أثناء أدائها أغنية سميح شقير "رجع الخيّ يا عين لا تدمعيله، فوق اكتاف رفقاته وحبينه"، كان بيقية أعضاء الفرقة يسيرون في الجنازة فيما علا صوت حسن سلطان بنبرة شجية، الجمهور راح ينشد بعفوية أيضاً، ورأيتُ عيوناً تلمع دموعها في غلإضاءة الخافتة، وحين اقتربت الجنازة من مقدمة الخشبة، فاجأنا الفنان محمد القباني يطلق صرخة تأوه حارة، ثم قفز من مقعده بالصف الأمامي، وصعد الخشبة لينحني على رأس الشهيد، ويقبل جبينه، ثم يشارك في حمل النعش الذي سار به المشيعون بإيقاع تام التناغم مع إيقاع موسيقى الأغنية. أثناء ذلك هتفت امراةٌ من الحاضرين بأعلى صوتها: "الله أكبر عليهم"، ليتكرر ذلك بصوت جماعي واحد؛ بالطبع هو صوت الجمهور. بعد ذلك توالت الأغاني تصحبها الدبكات، ومن بينها دبكة مرافقة لأغنية "هبت النار والبارود غنة، اطلب شباب يا وطن واتمنى".

عندما عاد الفنان محمد القباني إلى كرسيه كانت آثار الحزن بادية على وجهه، قلتُ له: "كأنك عائد بالفعل من دفن شهيد"، فهزّ رأسه ودموع صامتة تلمع في عينيه. كان آخر ما أدته فرقة القدس أغنية "لاكتب إسمك يا بلادي"، ثم دبكة على إيقاع "ما بين حيفا وجنين شدينا ظهور الخيل، والخيل تشد وترخي وتمشي بظلام الليل".

كذلك فعلت فرقة الحنونة، فألبت الحاضرين جميعاً بصوت محمد سمير وهو يغني للحرية والحياة: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أنْ يستجيب القدر"، ثم اللوحات الأدائية من قبل أعضاء الفرقة على إيقاعات الميجانا، وإيقاعات "ما أحلى حمام الدار/ رف بجناحاته وطار" بصوت لينا صالح.

الحنين الدفين بدا صارخاً حين أدت لينا صالح "عاليوم شمّل يوم شملوني/ مع السلامة ياللي فارقتوني"، الدبكات رافقت كل أغنية، ومنها ما أدته الفرقة من دون غناء، حيث كان ثمة حوار بين الطبلة الدف وبين اقدام الراقصين وهي تضرب خشبة المسرح، كان ذلك في تبادل للأدوار يبعث على الدهشة والإبهار، وحين راح محمد سمير يصدح بصوته "هيلا هيلا هيه/ هيه يمة، هيه يمة.." ازدادت سرعة الإيقاع وتصاعده، عندئذٍ لم يعد ثمة فرق بين الحنجرة أو الوتر أو عمود الهواء الذي ينبعث رنينه من الشبابة.

موال آخر، ثم دبكة، ثم أغنية "أويا" التي بدأ بها الجمهور من قبْلِ الفرقة التي أنهتْ عرضها بأداء نشيد "موطني" الذي أصبح يتحول إلى نشيد قوميّ عربي، وصار جزءاً من أدائه أنْ يقف الحاضرون جميعاً.

التاريخ : 11-01-2009

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل