الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجاهة فوز «عزازيل» بجائزة بوكر العربية

تم نشره في الجمعة 3 نيسان / أبريل 2009. 03:00 مـساءً
وجاهة فوز «عزازيل» بجائزة بوكر العربية معن البياري

 

 
جاءت النتيجة عند إعلانها في الحفل التكريمي البهيج في أبوظبي في 16 آذار الماضي ، معاكسة تماما لتلك التخمينات ، وصرّحت رئيسة لجنة التحكيم الناقدة اللبنانية يمنى العيد أمام الحفل أن فوز "عزازيل" بالجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" جاء بإجماع كل أعضاء اللجنة ، وهم المصري رشيد العناني والأردني فخري صالح والإماراتي محمد المر والألماني هارتموت فندريش والرئيسة يمنى العيد التي قالت أيضا إن النقاش بينهم كان "هادئا وحميما" ، وأن عمل اللجنة اتسم بقدرة لافتة على التفاهم ، انطلاقا من وجهة نظر نقدية مختلفة سعت إلى التعمق والإنصات. وأشادت عقب ذلك في مؤتمر صحفي برسم يوسف زيدان الشخصية الرئيسية في روايته ، ووصفته بالروعة ، وأضافت أن"ثراء الرواية الكبير في عالمها الداخلي وأسلوبها وبناء شخصياتها هو ما دفعنا للإجماع على اختيارها للفوز ، على الرغم من إعجابنا وتقديرنا للروايات الأخرى المتنافسة في المسابقة ".

كان حسنا من العيد تشديدها في البيان الذي تلته أمام حضور الحفل على أن عمل لجنة التحكيم "كان ينصب على النصوص الروائية ، من دون أي نظر إلى أسماء كتابها ومكانتهم وشهرتهم وبلدانهم ومواقعهم"، وفي هذا التوضيح الذي سبق إعلان فوز رواية زيدان تأكيد لاستبعاد الاعتبارات الخارجة عن الأدب ومعاييره بشأن "عزازيل". وهو ما بدا أيضا في ردها على سؤال صحفي ، أن اللجنة لم تنظر أبداً إلى ما قد يتجدد من ضجيج حول العمل الذي فاز بالجائزة ، قد يثيره رجال دين مسيحيون. ولما كانت الرواية من إصدارات "دار الشروق" المصرية ، ولما كان صاحبها مصريا ، كما الفائز بالـ"بوكر" العام الماضي ، فذلك يضاعف وجاهة الاختيار النهائي الذي كان الأكثر توفيقا من بين الروايات الست التي صعدت من بين 121 رواية ، تنافست من 16 بلدا عربيا ، بعد اختيار الروايات ال 16في القائمة الطويلة ، والتي أفاد أعضاء محكّمون أن عملية الاختيار في المرحلتين ، وخصوصا في الثانية ، كانت صعبة بعض الشيء.

ليس حماسا زائدا تجاه "عزازيل" أن تذهب هذه السطور إلى الأحقية المؤكدة لهذه الرواية بالفوز من بين الروايات الست ، ولا ينطلق الميل إليها من استقبالها الطيب من نقاد وكتاب بعيد صدورها ورواجها في سبع طبعات خلال نحو عام. إنه البناء المحكم في هذا العمل السردي النوعي الجديد في مغامرته الكتابية والتخييلية في المدونة العربية الحديثة ، والإمتاع الخاص الذي يقع عليه قارئ هذا النص في الإشراقات اللغوية والأسلوبية والانتقالات المكانية والزمانية فيه ، فضلا عن قدرته على التحسس الشفيف للدواخل الجوانية للبطل الرئيس في الرواية ، وهو الراهب هيبا ، في تحولاته واضطراباته وما غالبه من قلق وتوترات ، وما ساءل به نفسه وعاينه من مشاهدات ومشاحنات ومساجلات. والرواية في هذا كله تنشغل بالتعبير عن اختلال الصلة بين الإنسان والسلطة الروحية التي قد تحضر بثقلها ووطأتها حواليه ، وإذ تختار شخصية ناسك راهب شديد التدين عميق الثقافة والاطلاع في شؤون الدين المسيحي ومصادره الأولى ، فإن "عزازيل" في هذا الأمر تخوض في مجازفة غير هينة ، نجح يوسف زيدان في اختبار قدرته بشأنها ، لا على صعيد تأريخ الوقائع في الرواية التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي ، ولا على المستوى التوثيقي لتلك الوقائع والمحطات الزمنية في لحظة شديدة الخصوصية في مسار الديانة المسيحية ، وإنما على صعيد الاتكاء على هذا كله لصياغة نص سردي يقوم على تدوين الشخصية الرئيسية يومياتها التي حضر فيها المجاز بمقادير تجعل من النص عملا فنيا خالصا ، يتوسل الحادثة التاريخية فقط ، ليذهب إلى المقولة الأهم في الرواية ، وهي الانحياز إلى التسامح ونبذ العنف والتعصب ، وهذه قيم يحتاجها الراهن العربي والإسلامي المثقل بثقافة مريضة ، قوامها العنف والإقصاء والتزمت والعمى والارتهان للأيدولوجيات ، وإزاحة الجمال وقيم الحق والحرية والحب.

وإذ تعتني "عزازيل" بروح العالم القديم والتعبير عنه ، وإشغال القارئ به ، وهو على مسافة زمنية بعيدة عنه ، وإذ تنشغل بتصوير الحياة في أجواء ومناخات بعض مدن العالم القديم ، ومنها الاسكندرية والقدس وحلب وغيرها ، وإذ تنجح في ذلك إلى حد كبير ، خصوصا في إحالات غير قليلة إلى مرجعيات ثقافية وحساسيات دينية واجتماعية في تلك الأزمنة ، فإنها في ذلك كله ، وغيره ربما ، تدلّل مجددا على أن غواية التاريخ ما زالت لها جاذبيتها لدى الروائيين العرب. ويمكن الزعم في هذه السطور أن اشتباك التاريخي بالروائي ، بالتخييلي المبتدع ، بالمبتكر والراهن ، هو الاختبار الأهم لإمكانات الرواية العربية في لحظتها الراهنة ، وربما منذ عقود. وليس من المصادفة ربما أن"واحة الغروب" التي فازت بجائزة "بوكر" العربية العام الماضي ، اختبر فيها بهاء طاهر قدرته في خوض هذا الاشتباك ، فهي تروح إلى القرن التاسع عشر ، في لحظة صدام عسكري وثقافي واجتماعي بين مصر والغرب. وإذ ينجز مثلا صنع الله إبراهيم قبل أقل من عامين روايته "القبعة والعمامة" التي تنشغل بفترة احتلال نابليون لمصر فقد يعني ذلك أن هذا الكاتب الذي ظل منشدا إلى حد بالغ وشهير إلى تفاصيل ومستجدات الواقع والراهن اليومية ، أراد تجريب ملكاته في كتابة رواية تستعين بالتاريخ لتقول الكثير عن الحاضر. وعلى مبعدة من أي مشابهة ، فعل اللبناني رشيد الضعيف أمرا مماثلا فيما يخص التنويع على تجربته ، عندما أنجز "معبد في بغداد" والتي تعد من عيون النصوص العربية. وفي البال أن إدوار الخراط كتب في نهاية الخمسينيات رواية بديعة هي "أضلاع الصحراء" ، راحت إلى مصر إبان هجوم الصليبيين بقيادة لويس التاسع. ولا مجال هنا لمسح النصوص السردية العربية التي تبدّت فيها العلاقة بين الفن الروائي والتاريخ ، غير أن الإشارة هنا قد تبدو مهمة ، أو واجبة ربما ، إلى منجز سالم حميش في عمله "هذا الأندلسي" وقبله "مجنون الحكم" ، ومنجز أحمد رفيق عوض في "القرمطي" وقبله "عكا والملوك" ، وثمة عمل إبراهيم نصر الله الملحمي الجديد "زمن الخيول البيضاء" والذي كان بين الروايات الست في القائمة القصيرة لجائزة "بوكر".

تنتمي "عزازيل" إلى هذه العائلة من الروايات العربية ، وأضافت منجزا مهما في سياق العلاقة المشار إليها هنا بإيجاز ، خصوصا وأنها زاوجت بين المعرفي الذي في وسع متخصصين في التاريخ أن يوضحوه وما هو عاطفي ووجداني يتصل بالإنسان نفسه في أي زمان. وإذ يتهم رجل دين مسيحي مصري ، هو عبد المسيح بسيط ، يوسف زيدان باقتباس روايته من رواية كاتب إنجليزي نشرها في 1853 ترجمت إلى العربية في الستينيات ، فإن المرء ليس في حاجة إلى قراءة تلك الرواية لينفي الاتهام ، بالنظر أصلا إلى المعطى الأهم في "عزازيل" ، وهو تلك اللغة الرائقة فيها ، ذات الجماليات التعبيرية الخاصة ، والتي ربما كانت من أسباب الحفاوة بهذه الرواية ، ومن أسباب استحقاقها الفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" في الدورة الثانية لها ، وهي الجائزة التي تدار بالشراكة مع مؤسسة جائزة بوكر البريطانية وتمولها "مؤسسة الإمارات" ، وقد تخففت دورة الأخيرة من الهجمات التي كانت حادة في الدورة السابقة ، لمزاعم ووجهات نظر واجتهادات مختلفة. ويمكن القول إن الارتياح الذي خلفه فوز "عزازيل" كان في محله ، وإن رأى الناقد صبري حافظ عدم أحقيتها ، وأحقية "جوع" محمد البساطي بالجائزة ، وهذا مجرد رأي... وهوى ومزاج ربما.

ہ كاتب وقاص أردني يعمل في الإمارات

Date : 03-04-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش