الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عصام طنطاوي .. ابن الزرقاء الذي عشق عمان

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
عصام طنطاوي .. ابن الزرقاء الذي عشق عمان

 

 
* محمد العامري ہ



لم تكن تجربة الفنان عصام طنطاوي وليدة الصدفة بل كانت وليدة القلق الابداعي منذ طفولته التي قضاها في مدينة الزرقاء فبرز بين اقرانه كرسام موهوب وظل هذا القلق يعيش مع طنطاوي الى يومنا هذا. فهو لم يكل عن البحث عن آفاق جديدة في عمله الفني من خلال دأب ومواصلة مستمرة في طرح اسئلته الجمالية ومفاهيمه للفن. فحين يصبح الفن مادة للحياة يكون المنتج الابداعي قد حقق خصوصيته المعهودة بلا مواربة او نفاق.

الطنطاوي فنان يمتلك موقفا صلبا تجاه فكرة الفن فهو متفرغ لقلقه وتوتراته المتواصلة بل مشفوع بثقافة عالية قل ما نجدها لدى الفنانين. وهذا الامر انعكس بشكل عميق على التجربة وتأملاتها الانسانية ، تلك التجربة التي جالت في عناصر كثيرة منها الانسان والطبيعة والتصميم واختبارات الصورة الفوتوغرافية ،

هذا الغنى في التنوع افاد الفنان في معرفة المتطلبات المعرفية لانجاز عمل فني من حيث طبيعة النظر للاشياء وتحولاتها في العمل الفني. فكانت تلك التحولات والتحويرات مؤونته البصرية في تحسس الاشياء وتخيلها كما فاحص متمرس يلتقط التكوين في المشي والجلوس على شرفته في جبل اللويبدة. واذكر المعرض المهم الذي قدمه من تلك الشرفة عبر عنصر سيلان المطر على النوافذ. ولم يتعب الطنطاوي من تلك الشرفة التي حملت اليه الاشياء واصبحت نوافذ لونية لاعماله الفنية وفي ازمان مختلفة في الصباح والظهيرة والمساء والليل.

حين يصبح المكان هو الماكث في روح الفنان يتحول الفنان نفسه الى مكان يتغذى من الواقع ليمتزج في المخيال. فحقيقة الاشياء لديه تبدأ من عمانه رغما انه زرقاوي بامتياز لكنه اخلص لعمان كعشيقة ودفتر بصري للذكريات الحميمة.



في الطريق الى الشرفة

في الطريق الى المرسم في جبل اللويبدة يتحسس الفنان طنطاوي امكنته التي يحب ويؤثث فوضاه بالنظر اليها كمشاريع اعمال فنية ، يشم رائحة ياسمين اللويبدة ويلمس حجارتها العتيقة فهو يحفظ المكان غيبا كما لو انه يتحسس جسده ، حين يدخل الى رحم مرسمه الذي يشكل له كوة يدخلها الضوء وتتنفس روحه هناك. انه المكان الاكثر رحابة للفنان بل المكان الاكثر انسجاما مع موجوداته وتفاصيله الحميمة من الوان وشبابيك وزجاجات وصور وكتب. انها الموجودات التي تستفز الفنان للذهاب الى اللوحة كما لو انها الارتباطات الشرطية للعمل الى جانب مشهدية المكان الواسعة والمغرية للعمل والمناكفة ما بين الواقع والخيال ما بين الاضافة والحذف واجتراح مكان جديد يتحقق في السطح التصويري.



عمان مرة أخرى في زارا

في تجربته التي تعرض في غاليري زارا يؤكد طنطاوي على عشقه للمكان تحديدا ، عمان التي أخذت من التجربة مكانها الخاص ليقدم مشهدا متحققا فنيا ومعرفيا حيث اشتراطات العمل الفني لدى طنطاوي محكومة بالاسئلة الفنية القلقة والملحة على ذاكرته حيث يبدأ العمل لديه من جرعة عاطفية ليبدأ تكوناته من خلال التراكم والحذف والاضافة.

يعتمد طنطاوي على بنائية الامتلاء في المشهد المكاني كما لو انه يرسم من بطن الجبل ليظهر تراكمات خطوط العمائر العمانية وظلالها عبر سياق فني يخصه حيث تظهر القيم اللونية وتقاطعات الخطوط واختزالاتها المحترفة من خلال مساحات واسعة تقدم خبرة الفنان في السيطرة على المساحات الكبيرة وترويضها في سياقات فنية ذات خصوصية تجريدية تعبيرية ، تحمل صفات المكان ولا تصرح به حيث تظهر العناصر المطروحة في اعماله مثل ( الاشجار والنوافذ والبيوتات وجسد الجبل واشارات اخرى تظهر بعض ملامح الوجوه الانسانية ) لتتحرك تلك العناصر في صياغات ذكية تقدم خصوصية الفنان بغض النظر عن الموضوع. وكذلك نرى الى الجرأة في معالجة المساحات فيتحول البيت حينا الى مساحة واسعة من التجريد وتارة اخرى يتراكم ويتجاور مع بيوتات اخرى ضمن منظومة اصطفافية تتقاطع مع خطوط الشجرة العمودية. في هذه الاعمال نجدنا امام تحويرات محترفة من فنان يشتغل على واقع المكان بصفته المتخيلة في الفن وينظم عناصره في سياقات الكيان المتحد مع الايقاع والخطوط وصولا الى الرائحة والذكريات والحلم.

حين ننظر الى سفوح الجبال العمانية نستطيع ان نفهم تقسيمات لوحة الطنطاوي التي تقودنا بشكل ذكي الى امكنتنا العمانية لنتعرف عليها بلغة جديدة دون ان نفقد واقعها الافتراضي في اللوحة ، تلك المعادلة لا تتأتى إلا من خلال فنان تشبع بالمكان وعشقه ليفرد مساحة عريضة له في التجربة الشخصية. هذا البحث المتعمق في مفردات المكان ولاكثر من معرض يقودنا الى نتائج مهمة على صعيد تحققات اللوحة فنيا ، وقد اعطى طنطاوي مساحة من البحث الدقيق في منتجات المكان على الصعيدين المعرفي والجمالي.

تأتي اهمية تجارب طنطاوي من وجهة نظري من كونه الفنان الذي يشك بما ينجز ليس من باب الارباك بل من باب الطموح العالي لتقديم ما يليق بتنافس خارج السياقات المحلية. وهذا هم يكتنف الفنان الجاد بعيدا عن البروباغندا الاعلامية او الاخوانيات ، فهو دائم القلق والسؤال واعماله في المرسم عرضة للتبدل والالغاء بل ذهب الى ابعد من ذلك في حرق مجموعة مهمة من اعماله في لحظات إحساس باللاجدوى. ولكنه قلق مبرر لفنان مثل طنطاوي لا يؤمن بنجومية الفنان بل يؤمن بنجومية اللوحة ذاتها عبر تحققها على الجدار مخلصا لوجودها الجميل والعميق.



ہ ناقد وفنان تشكيلي أردني



Date : 19-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش