الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تعقيباً على مقال «ثقافة الخوف .. ونكوص الإبداع» : متى يصبح الإبداع صناعة؟

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009. 03:00 مـساءً
تعقيباً على مقال «ثقافة الخوف .. ونكوص الإبداع» : متى يصبح الإبداع صناعة؟

 

 
* د. عباس عبدالحليم عباس ہ



ما أثاره يوسف محمود حول (الإبداع ثقافة الخوف) من شجون وملاحظات يقع في صلب قضية (الإبداع والسلطة) وهو موضوع قديم حديث. وقد أحسن الكاتب إذ جعل هذا النمط من الثقافة عائقاً أساسياً وعقبة كأداء في وجه الإبداع العربي. وهذا صحيح إلى حدّ ما ، إلى جانب أخرى قد نضمها إليه لتكوين حزمة من العوامل المحبطة والمثبطة لكل أنواع الابداع الإنساني وأجناسه. غير أن الذي ينبغي أن يُنبّه إليه هنا هو أننا يجب ألا نعلّق كل تدنْ في مستوى الابداع ، وتخلفه على ما يسمى (بثقافة الخوف) ، ولا سيما أن الكتاب والمبدعين ، في أيامنا هذه خاصة يعملون في مناخات من الحرية والديمقراطية -على رغم نسبيتها - إلا أنها أوسع بكثير من أزمنة ماضية: لذا فإنّ المبدع الحقيقي هو الذي يتمكّن ، ببصيرته وذكائه من الالتفاف حول انواع السلطات وتحقيق الهدف. واذكر هنا ما فعله الكاتب الإنجليزي جورج أورويل حين كتب رواية مزرعة الحيوانات ينتقد فيها النظام الشيوعي بأسلوب رمزي ساخر ، أضفى على العمل قيمة وجمالاً. وهذا مثل فحسب.

أما القضية الثانية والأهم فمفادها أن (نكوص الإبداع) ما عاد -في هذه الأيام - مربوطاً بثقافة الخوف أو العيب أو ما شابه ، ذلك أن المبدع العربي ، سواءً أكان شاعراً أم كاتباً أم رساماً أم مخرجاً سينمائياً إلى غير ذلك من المجالات ، تجاوز هذه الثقافة وما عاد يهمه كثيراً تأثيرات السلطات المختلفة في ظل معطيات لا بأس بها من الانفتاح الفكري والسياسي ، وانتشار ثقافة مؤسسية تعمل بجد في مجالات حقوق الانسان ، والعمل النقابي والاتحادات وغيرها ، مما يمكن من الارتفاع بمستويات عمله لمقاومة ما يسمى بثقافة الخوف ومكافحتها. لهذا كله علينا لإنقاذ الابداع ودفع عربته أن نفكر تفكيراً واقعياً اقتصادياً يرتفع بالابداع إلى مستوى (الصناعة).

وتمهيداً للحديث في هذا الإطار أود أن أشير إلى أن أزمة المبدع ليس منبعها سلطوياً أي الصراع بين المثقف أو المبدع والسلطة - لم يعد بذلك المستوى من العنف الذي كان عليه في مرحلة تاريخية عربية سابقة ، كانت تتميز بالتشنج وأحادية الرؤية ، واستسهال الاحكام العرفية في مطاردة المبدع وسجنه وعقابه في عدد من أبرز أقطار العالم العربي التي شهد لها بقيادة الثقافة العربية آنذاك ، فالانظار - والحال كذلك - ستتحول إلى عوامل اكثر خطورة واهمية في هذا السياق ، وهذا يذكّرني بما كتبه المبدع والروائي الأردني هاشم غرايبة ، إثر إعلان وزارة الثقافة الأردنية جوائز (إربد عاصمة الثقافة الأردنية) 2007 معترضاً على قيمة الجائزة المادية للكتب الفائزة ، وأن مطرباً متواضع المستوى لا يقبل بها في ليلة غنائية واحدة ، ولعل هذه المسألة (مكافآت المبدع وأجور الإبداع) هي التي تقودني للحديث عن (صناعات الإبداع) وهي أحدث أنواع الصناعات في الدول المتقدمة ، بل هي مصدر دخل للمبدعين ولكل المشاركين في الانتاج الابداعي ، وللدولة برمتها.

وحسبي أن أنّوه في هذا المقام ببعض الدراسات القليلة التي بدأت تظهر عالمياً في موضوع صناعة الثقافة عموماً والصناعات الابداعية على وجه الخصوص ، وهي دراسات أكاد أقول أنها معدومة عربياً ، وقد نشر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت ، كتابين من سلسلة عالم المعرفة عام 2007 تحت عنوان (الصناعات الإبداعية كيف تنتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة؟) ، وفيهما معلومات خطيرة عن العلاقة بين تنمية الإبداع وتطويره من جهة ، والعقول المالية المنظّمة لتسويق هذا الإبداع واستثماره ، حتى غدت الصناعات الابداعية في بعض دول العالم أحد أبرز مكونات (الاقتصاد الجديد). ومثلما مثّل الأستاذ هاشم غرايبة بضآلة المبالغ التي تم دفعها كجوائز للكتب الفائزة بمناسبة (إربد مدينة الثقافة الأردنية) عام 2007 ، فإن الحق يقتضي الإشارة -بالمقابل - إلى (مشروع التفرّغ الإبداعي) الذي أقرته وتنفذّه وزارة الثقافة منذ عام 2006 ، وهو مصدر دخل جيد ، بل ممتاز للمبدع الذي يختار ضمن هذا المشروع من جهة ، ودافع اقتصادي ومعنوي قوي ، لإنجاز إبداع على مستوى عالْ من الجودة والقيمة الفنية ، وقد شهدت الساحة الثقافية الأردنية بذلك.

وعوداً لمضمون الكتابين المشار إليهما وأهمية بحوثهما في دفع سوية الإبداع ، وإخراجه من دوائر التهميش والتراجع والنكوص وتشجيع المبدعين لتقديم أفضل طاقاتهم بكل حرية وإبداع ، وهنا أود أن أشير إلى ما ورد في تقرير أمريكي عام 2002 جاء فيه "أن الصناعات الإبداعية التي تتعدد تعريفاتها أصبحت عنصراً مهماً في تكوين الاقتصادات المتقدمة ، ففي 2001 ، قدّر صافي عائدات صناعات حقوق النشر الأمريكية بـ 791,2 بليون دولار أمريكي ، وهو ما يعادل إسهام الصناعات الكيميائية والسيارات ، والطائرات وقطاع الزراعة والقطع الالكترونية والكمبيوتر" وهذا تأكيد لما ذهب إليه جون هارتلي (J.Hartly) من أن "الإبداع هو الذي سيقود التغيير الاجتماعي والاقتصادي خلال القرن المقبل" لذا ينبغي إزالة جميع إشكال الممانعة وهدم كل الجدران والحواجز التي تعيق المبدع ، إنْ كانت لدينا رغبة في إيجاد صناعة إبداعية عربية منافسة.



ہ ناقد وأكاديمي أردني



Date : 19-06-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش