الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«كل شيء للبيع» لصبحي فحماوي نموذجًا

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:35 مـساءً
د. محمد عبدالله القواسمة *

فن القصة القصيرة جدًا فن عرفه الغرب، وقيل إنه ظهر بهذا الاسم أول مرة على يد الأديبة الفرنسية ناتالي ساروت Nathalie Sarraute (1900-1999) التي هي من رواد الرواية الجديدة في فرنسا عندما أصدرت قصصها القصيرة جدًا تحت عنوان «انفعالات» عام 1932. ودخل هذا الفن حياتنا الأدبية والثقافية قبيل متصف القرن الماضي، عندما أورد الأديب اللبناني توفيق يوسف عواد عام 1944 قصصًا قصيرة جدًا في كتابه «العذارى» أطلق عليها اسم «حكايات».

قد نجد جذور هذا الفن في سردنا العربي في الرسائل، والأمثال، والتوقيعات، والأحاديث، والأخبار، والألغاز، لكن يظل فنًا لصيقًا بالقصة القصيرة التي عرفها الغرب.ـ لهذا من الأفضل أن نحافظ على تسميته كما شاءت صاحبته الأولى ساروت. وهذا لا يضير أدبنا، ولا ينقص من قيمته إذا استخدمناه ضمن نسق ثقافتنا وأدبنا ولغتنا.
إذا ما تأملنا تسمية القصة القصيرة جدًا بهذا الاسم ندرك أنها تنتمي إلى عائلة الفن القصصي الذي يشمل الرواية، والقصة الطويلة، والقصة القصيرة. وكلها تنبني على أركان معروفة من حدث، وشخصية، ومكان، وزمان، ووجهة نظر. وهذه الأركان تختلف في كيفية وجودها وظهورها في كل نوع.
يقول النفري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». ونحن نقول: كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية، وتعمق المعنى، وفاض الخيال. من هنا فإن صغر حجم القصة القصيرة جدًا يجعلها فنًا أصعب من فن القصة القصيرة؛ لأنها تتطلب فضلًا عن صغر الحجم الحكائية القصصية، والاعتماد على الرمز، والإيحاء، والإضمار، والحذف، والمفارقة، والسخرية، وتنوع الموضوعات.
على ضوء هذه الأفكار والتصورات سنعاين مجموعة القصص القصيرة جدًا التي جاء بها القاص صبحي فحماوي في عمله الإبداعي «كل شيء للبيع».
نلمح من خلال العنوان» كل شيء للبيع» أننا نقرأ قصصًا متنوعة، يعرضها علينا الكاتب كما البضاعة التي يعرضها التاجر للبيع. والبضاعة، كالعادة، فيها ما هو طازج ولذيذ، وفيها ما هو أقل طزاجة ولذاذة، وفيها ماهو متهافت ورديء. وأنا سأختار الآن من المجموعة التي بين أيدينا قصصًا تحتوي هذه الأنواع كلها لأقف عندها محللًا ، وأرى فيها رأيي.
في قصصه الطازجة واللذيذة نقرأ قصة «شظايا القدس:» .. عندما تم تفجير مدينة القدس، طارت شظايا مساجدها، وكنائسها التاريخية العظيمة، وتناثرت على كل بقاع الدنيا..التقط كل مهتم منهم شظية تذكارية، ووضعها تحفة في بيته، أو محله التجاري، أو وضعها على مؤخرة سيارته..وعاد الجميع يتابعون أعمالهم السعيدة»
فهذه القصة تغرق في الخيال، ولكنها ذات رسالة واضحة للعرب ،مسلمين ومسيحيين، مما يبيت لهذه المدينة المقدسة، ونلمح فيها النقد اللاذع لعدم التصدي لما يجري لها، والتحذير من ضياعها، والحث على تدارك الأمر قبل فوات الأوان. إنها رسالة تنبؤية تحذيرية.
في قصة «غوانتنامو» التي تجيء على شكل برقية يرسلها سجين في غوانتنامو إلى سجين آخر في سجن أبي غريب، وموضوع الرسالة هو الاستفهام عن حال العروبة. «من غوانتنامو، أرسلَ رسالة إلى أبو غريب، يسأل عن صحة العروبة» هنا تبدو حال العروبة مصدر قلق للسجينين وليس حريتهما.
وفي قصة «حرية الرأي» تبدو الثنائية الواضحة في التعامل مع حرية الرأي؛ فالذي يلحد بالله يكافأ، ومن ينكر الهولوكوست، الإبادة اليهودية، يعاقب» تحت باب حرية الرأي، أنكر وجود الله. فأعطوه جائزة نوبل. تحت باب حرية الرأي، أنكر وجود الهولوكوست، فوضعوه في سجن مؤبد»
ويستعين فحماوي في قصته» حمم» بالمؤرخ الجبرتي لينتقد ما يتصف به القوم من خمول وتقاعس عن مواجهة الواقع المظلم، والاكتفاء بالدعوة إلى الله لحمايتهم مما يقع على رؤوسهم من مصائب. نقرأ: « حدثني الجبرتي قال: «كانت الحمم تنزل فوق رؤوسنا بينما نحن نصرخ ونقول: «يا سلام ، يا سلام، من هذه الآلام.. يا خفي الألطاف، نجِّنا مما نخاف»
ومن قبيل الانتقاد أيضًا نجد من خلال التعالي النصي في قصة «شتائم» إدانة الظاهرة الصوتية التي يتميز بها القوم، والتي يتخذونها أداتهم الفاعلة في التصدي للأخطار التي يتعرضون لها. فهو يعبر عن ذلك بالاستعانة بقول ذلك الأعرابي الذي ذهب مثلًا:»أشبعناهم شتمًا .. وفازوا بالإبل»
ولعل الميزات الفنية للقصة القصيرة جدًا تتمثل في قصة «نرجسي» فهي تتكون من جملة قصيرة فقط:» كان لا يحب أحدًا غير المرآة» ويمتد العنوان إلى النص ليقرر المعنى، ويظهر المرآة كلمة مركزية تفضح النرجسية وحب الذات.
ومثلها قصة «جدران» التي تقوم على جملة مركبة: «كان يسير مبتعدًا عن الجدران، وهو يحدث نفسه، خائفًا أن للجدران آذان» فهي قصة تعتمد على الإضمار، وتستفيد من القول المأثور: «للحيطان آذان» لتظهر الخوف الذي يتملك الإنسان من الآخر الذي يمكن أن يؤذيه بسبب كلامه.
أما القصص التي هي أقل طزاجة مما سبق فنجدها في قصص كثيرة، منها: «تضحية» و»غربان»، و»فساد». فقصة «تضحية» تقوم على تقابل بين الفراعنة وبين أهل غزة، تقول القصة:»على طريقة الفراعنة في التضحية بأجمل بنت للنيل، ليفيض ويروي زرعهم. قرر أهل غزة التضحية بستمائة طفل، للحفاظ على كرامتهم»
فمن الخطأ مقارنة الفراعنة بأهل غزة؛ فالفراعنة كانوا طغاة تسيرهم الخرافة، ويئدون بناتهم خوفًا وتملقًا لعدو غير موجود بينما أهل غزة هم المظلومون الذين وقفوا يدافعون عن وطنهم، وكرامة أمتهم، ولم يقدموا أطفالهم لعدوهم بل إن عدوهم هو الذي قرر احتلال وطنهم، وقتل أطفالهم. وكانت تضحياتهم رد فعل عقلاني , وشجاع لما تعرضوا له.
أما قصة «غربان» فتنهض على رمز واضح يدين التنافر بين العرب، والاستعانة بالأجنبي: فالعقارب انتشرت في المجتمع.. تلسع كل من تصادفه. لم يستطيع الناس مقاومتها. فاستنجدوا بالغريب.. فأرسل لهم غربانًا جارحة.. أكلت العقارب. وألحقت بها الأرانب والدجاج والحمائم، و»كل ما في طريقها». فلاشك أن الاستعانة بالأجنبي ــ كما يجري اليوم ــ أشد خطرا من العقارب. ولعل الجملة في نهاية القصة «ارتعب الناس كثيرًا « لا ضرورة لها، فالجملة التي قبلها تكفي:» تأكل كل ما في طريقها من أحياء «
ومثل هذه النهاية التي تخل ببناء القصة نجدها في قصة «فساد». تقول القصة:» قرر مضاعفة ميزانية المشروع، فتضاعفت نسبة رشوته، تفاقم الفساد» فكلمة «فساد» لا ضرورة لها. فهي قائمة في العنوان، ومعناها واضح في كلمة «رشوته».
أما القصص القصيرة جدًا التي أعجب من وجودها في المجموعة مع أنها واضحة الركاكة، والتهافت، والرداءة. ربما تسللت إلى المجموعة من عالم الفيس بوك والواتس أب لا من عالم الأدب، مثل قصة «طلقني» فالمرأة في حالة تمرد تقول لزوجها أن يطلقها، فيطلقها ليثبت أنه رجل، تصدم المرأة من ذلك وتقول لمطلقها: « أنت ما صدقت!» ومثلها قصة «الطشت قال لي..» التي يعلو فيها صوت الناقد الفني معلقًا على المغنية: «الطشت قال لي: « يا نتنة، يا وسخة، قومي استحمي.»
وتبدو في القصة التي حملت عنوان المجموعة «كل شيء للبيع»، سذاجة تتضح في تساؤل نهايتها:» هل كل شيء حقًا للبيع؟» فهذا التساؤل الذي بنيت عليه القصة لا ضرورة له؛ فليس كل الأشياء طبعًا للبيع. ومن قصص الإرشاد المتكررة قصة «تقاعد» التي تحكي عن الأب الذي تقاعد، فأرسله أبناؤه إلى دار العجزة.
ومن أمثال هذه القصص تلك القصص المتداولة والتي يمكن نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل النكتة، وليس فيها من الفن شيء قصة «ببغاء» وملخصها أن ربة البيت كلما كانت تفعل الفاحشة في غياب زوجها، تقول الببغاء لها: حقيرة..صارت ربة البيت تضرب الببغاء فتصمت. وذات يوم ضربت المرأة الببغاء ضربًا مبرحًا.. صرخت بأعلى صوتها:»شرموطة..! شرموطة..! شرموطة..!» وكذلك قصة «جحا يركض»، فجحا كذب على الناس بأن هنالك من يوزع الحلوى، وعندما رأى الناس يهرعون إلى المكان صدق الكذبة، ولحق بهم. وكذلك قصة «خجل شديد» فتلك المرأة قصيرة التورة كانت تشدها إلى أسفل « لتشعر النظارة بخجلها الشديد».
إن أمثال هذه القصص لا جمال فيها، ولا يتحقق فيها صفات القصة القصيرة جدًا الجيدة. إنها صورة حرفية لما في الواقع، وليس فيها روعة الفن.
والخلاصة، إن مجموعة «كل شيء للبيع» تمتاز بتنوع عالمها، إذ تناولت موضوعات سياسية وأخلاقية واجتماعية وثقافية، وتناصت مع أمثال وأقوال وألغاز ونكات وغيرها، وجاءت قصصها متفاوتة في مساحاتها النصية؛ فمن النص إلى الفقرة، إلى الجملة المركبة، إلى الجملة القصيرة، وبدا بعضها ناجحًا في بنائه وأخفق بعضه الآخر. ويسجل لصديقنا فحماوي أنه من بين القلة من الأدباء في الأردن الذين تجشموا عناء الكتابة في هذا الفن الذي يستحق المزيد من الاهتمام.
*كل شيء للبيع: أقصوصات (قصص قصيرة جدًا)، صبحي فحماوي، عمان: الآن ناشرون، 2016، يقع في 176 صفحة من القطع المتوسط.

* روائي وناقد من الأردن
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل