الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عاش سنوات نضجه الثقافي والمعرفي في مصر: الروائي السوري خيري الذهبي: تعلمت القراءة على يد »الف ليلة وليلة« و»اغاني الاصفهاني«

تم نشره في الأربعاء 27 آب / أغسطس 2003. 02:00 مـساءً
عاش سنوات نضجه الثقافي والمعرفي في مصر: الروائي السوري خيري الذهبي: تعلمت القراءة على يد »الف ليلة وليلة« و»اغاني الاصفهاني«

 

 
الروائي خيري الذهبي يحتل مكانة بارزة، ودورا هاما في الساحة الروائية العربية، قدم للساحة الثقافية العديد من الروايات، كان أولها »ملكوت البسطاء« في عام ،1973 وآخرها رواية »هشام، أو الدوران في المكان« والتي هي واحدة من ثلاث روايات الى جانب »حسيبة« و»فياض«، نشرها الذهبي تحت إسم »التحولات«.
عن الرواية العربية بشكل عام، وعن تجربته في »التحولات« الثلاث، وطغيان المكان وخصوصيته لديه زائداً مفهومه الخاص للزمان والتلاعب في »تحولاته« وامور اخرى كان معه هذا الحوار:
- ما المغزى من إدراج رواياتك الثلاث الأخيرة »حسيبة« و »فياض« و»هشام أو الدوران في المكان« تحت عنوان واحد هو »التحولات«، ماذا تقصد بهذه الكلمة؟
حين وضعت لها اسم »التحولات« كان في ذهني الكلمة الإغريقية اللاتينية »ميتامورفوزيس«، والتي تعني بالإضافة الى التحولات التناسخات، وأنا أنظر الى الحضارة العربية التي كفت عن العطاء الحضاري منذ قرابة ألف سنة، في هذه الألف سنة التي طرد العرب فيها من الحقل العام، طردهم المأمون من ديوان الكتابة وطردهم المعتصم من ديوان الجند، فعادوا مرة ثانية تجاراً وسقائين، في حين برز الى السطح الطورانيون الذين قدموا من عمق آسيا غير متأثرين، بل ورافضون التأثير بالحضارات الكلاسيكية التي صنعت في امتزاجها مع الحضارة العربية ذلك الشئ الرائع الذي سمّي في حينه بالحضارة العربية الإسلامية.
بعد أن احتل الترك واجهة الفعل فقضوا على المحاولات الأولى لصنع البرجوازية العربية وصنع التعددية الفكرية تلك التي كان الخلفاء العباسيون يحرصون على أن يجعلوا المتناظرين يتناظرون أمامهم في حرية تامة حتى لا يجرؤ المعتزلة ما يقول للأشعري: لنضع كتاب الله جانباً ولتبدأ الجدال، هذا الجدال الذي ضم بالإضافة الى الفرق الإسلامية جدالاً بين الأديان الإسلامية وغير الإسلامية والبوذية والمتعلمين والفلاسفة، كان عصراً يحاول أن يحكي عنه نفسه، لكن العصر التركي الذي بدأ بالسلاجقة وانتهي بآخر الخلفاء العثمانيين، فرض الحزب الواحد والحاكم الواحد والعقيدة الواحدة وألغي التعددية وأعاد المجتمع الى عصر المقاطعجية (وليس الإقطاع)، أولئك العسكريون الذين كانوا يوهبون الأراضي باقتنائها فيديرونها من العواصم من دون ارتباط بالأرض أو الفلاحين، على عكس الإقطاع الأوروبي، ولست أدري من الذي ترجم كلمة (فوضاليزم) الأوروبية الى الإقطاع الشرقي، والغرب لا صلة فيه بين النظامين.

حصاد
- وماذا كان حصاد هذه الألف سنة التي توقفت فيها الحضارة، كما أوردت؟
في هذه الفترة التي توقفت فيها الحضارة عن العطاء والإنجاز، توقفت الحضارات الكلاسيكية من إغريقية وسورية وبابلية وفارسية وقبطية، وتوقفت بنتهم جميعاً الحضارة العربية الإسلامية عن العطاء، تحولت هذه الأمة الى أمة لا تفعل سوى أن تنسخ نفسها ببلادة، ليس من إنجاز فكري، ويكفي للدلالة على هذا أن ابن خلدون الذي نطنطن له لم يؤثرفي حضارتنا على الإطلاق، ولولا عالم الاجتماع الفرنسي »لاكوست« الذي قدمه لنا ثانية لنتبناه ولنصرخ فرحين لقد بدأ جدنا عالم الاجتماع في مقدمته الشهيرة، ابن خلدون نفسه هذا العالم الكبير مر بمصر والتقي بالمقريزي، فاكتفي المقريزي بأن يقول عنه في »خططه«: »ومر بمصر مغربي تياه يدعى ولي الدين ابن خلدون« فكان هذا كل ما عرفه المقريزي عن ابن خلدون.
- ولكننا نعرف غير ذلك، أو ربما نقول عكس ذلك؟
طبعاً نحن نصرخ ونقول بأننا نقلنا فلسفة الإغريق الى أوروبا عبر ابن رشد، ولكن هل ترك ابن رشد مدرسة، هل ترك تلامذة أو سلسلة معرفية انتقلت الى الأجيال التالية؟ بالطبع لا، لقد كان جزيرة منعزلة في الزمان والمكان.
باختصار، حاولت في »التحولات« أن أقرأ كيف عاش هؤلاء الناس عبر هذه الألف سنة من دون تجدد، من دون إضافة، فكأنك حين صادفتهم في بداية القرن العشرين، صادفت أهل الكهف وقد خرجوا من دون أن يعرفوا بأن التاريخ قد مرت فيه شموس ألف سنة قبل أن يفيقوا.
- يبدو ذلك بوضوح أكثر من رواية »حسيبة« (التحولات -1) أليس كذلك؟
صحيح، ففي »حسيبة« حاولت أن اقرأ مدن الواحات الشامية وكيف رضيت بهذا النوم الطويل منتظرة مجئ المخلّص، ولا تنسي أن الشام من »اختراع« فكرة المسيح المنتظر، والمهدي المنتظر ذلك الذي سيأتي في اخر الزمان حاملاً الى الناس العدل والسلام اللذين لن يعيشهما جيل واحد من أجيال سكان مدن الواحات البائسة هذه، والتي تمتد من ديار بكر الى عسقلان، رأيت أن هؤلاء الناس لم يصنعوا ثورة واحدة في تاريخهم، بل كانوا دائماً يتأثرون وينفعلون بثورات الآخرىن، لم يعرفوا قصة حب واحدة كبيرة، ولا ننسي أن كل قصص الحب المتداولة في بلاد الشام، تتحدث عن آخرىن يعيشون في بلاد أخرى، عن (قيس وليلى)، وعن (يوسف وزليخة)، ولكن ليس من قصة حب واحدة شامية، فقصص الحب الكبيرة تعني المغامرة الكبيرة، أن تضع كل عمرك وكل أحلامك، مرة واحدة، على الطاولة وتقول »صولد«، فإما أن تربح الحب وكل شئ وإما أن تخسر الحب وكل شئ لكن »الدكانجي« لا يحسبها بهذه الطريقة، ولذلك ظل الحب والثورة والفرح اختصاصاً للآخرىن، ربما لم يعرف الشاميون الفرح منذ مقتل أدونيس، ومنذ أن وجدت الديانات السماوية والتي أجلّت الفرح وجعلته منوطاً بالعالم الآخر. ليس لدينا كرنفالات الريو دو جانيرو.. ليس لدينا موالد مصر.. ليس لدينا فسحة للانفلات من القيد.. من هذا كله وجدت رواية »التحولات«.

ثلاثة وجوه
- تقول رواية »التحولات«، وكأنك تتفق مع الرأي القائل بأن روايات »حسيبة« و»فياض« و »هشام«، هي ثلاثة أجزاء من رواية واحدة هي »التحولات«؟
هي ثلاثة وجوه لوجه واحد، بعد أن نشرت روايتي الأخيرة »هشام«، عقدت ندوة حول تجربتي في الرواية شاركني فيها الروائي المصري جمال الغيطاني، وقتها تفتقت أمامي فكرة، أو لنقل رؤية جديدة لهذه الروايات الثلاث والتي لم أفكر فيها من قبل، وهي أنني لاحظت البيت الشامي مسرح الروايات الثلاث كان مقسماً لدي الى مستويات ثلاثة، فهناك الفرنكة »الغرفة العلوية« والتي أقام فيها أصحاب المثل والذين لم يتخلوا عن مثلهم وهما (صياح وفياض)، وهناك مستوى البيت بباحته وغرفة معيشته وإيوانه، والذي عاش فيه »حسيبة وسعدية وزينة وحمدان«، إنهم الناس الذين يعيشون حياتهم العادية من دون مُثُل تطبق على ظهورهم وتمنعهم من الحياة إلا وفق مُثُلهم، وفي رواية »هشام« كان البطل الرئيسي فيها هو الكهف »بيت المونة«.
إذا ما نظرنا الى المستويات الثلاثة وقارناها بالمفهوم الفرويدي لتقسيم النفس الإنسانية، لاكتشفنا أنه من دون إرادة مسبقة جعلت »فياض وصياح« يعيشان في الجزء المسمي بـ »الأنا الأعلى« جزء القيم والمثل، بينما حسيبة وحمدان وبقية الشخوص في الجزء الوسط من النفس الإنسانية »الأنا العادية« بحسب فرويد، أما »هشام« وهو الذي عاد من الغرب مهزوماً، فقد انفتح على الهواة أو بحسب فرويد الـ (5) عالم الغرائز والوعي الغائب والمونولوجات الداخلية.. عالم الأشباح الذين يستخرجون الىه حاملين أحزان الأجداد وأحلامهم المحبطة التي جيروها للأحفاد طالبين منهم إنجاز ما لم يستطيعوا إنجازه. طبعاً حين كتبت رواياتي هذه، لم أكن أفكر بهذا التقسيم ولا بانعكاساتها على الشخصيات، ولكن حينما أنجزتها اكتشفت أنها كانت تفعل في من دون رغبة مني.
المكان - يتبدي المكان طاغياً في تحولاتكَ الأمر الذي لم يُؤلَف في الرواية السورية، ما تفسيرك لذلك؟
الملاحظ أن الشاميين الذي فرض علىهم التقسيم عبر ما سمي باتفاقية سايكس بيكو لم يقبلوا في أعماقهم بهذا التقسيم، والسوريون، وهم الأكثر شامية، رفضوا هذا التقسيم رفضاً كاملاً، وعبر خمسين سنة - هي تاريخ استقلال سورية - وحتى الآن، لم يوجد حزب سياسي سوري واحد قال أن سوريا هي وطني النهائي، فكل الأحزاب عربية كانت أو قومية سورية أو إسلامية أو شيوعية كانت دائماً (عينها لبرا)، الى وطن أكثر جمالاً وعدلاً وأكثر صدقية مع تاريخها، لذلك لاحظنا أن السوريين حاولوا باستماتة إقامة أي شكل من أشكال الوحدة مع كل الأقطار العربية البعيدة والقريبة، كانوا ينظرون الى سوريا باعتبارها وطناً معبراً، أو محطة الى طريق تحقيق الوطن الآخر، لذلك رأوا إذا ما كتبوا عن المكان، فكأن هذه الكتابة هي خيانة للحلم، فرأينا من يكتب يكتب عن بغداد، وعن مدىنة بلا هوية هرباً من الالتصاق الحقيقي بالمكان، مع الثمانينات، ومع التأكد والوصول الى قناعة بأن الحلم بعيد بدأوا ينظرون من حولهم، وبدأوا في اكتشاف المكان والحديث عن أسراره، فظهر »الوباء« لهاني الراهب، و »التحولات« لخيري الذهبي، و »أطياف العرش« لنبيل سليمان، لم نعد نخاف المكان وبدأنا نكتب عنه من دون أن تكون كتابتنا عنه خيانة للحلم.
- ولكن هنالك خصوصية في كتابتك عن المكان، عن البيت الشامي، الذي كان مفاجأة لقراء الرواية السورية، فكيف اكتشفته؟
الحقيقة أنني لم أكتشفه، بل كنت أحياه، فأنا عشت سنوات نضجي الثقافي والمعرفي في مصر، لذلك لم أتأثر كثيراً بالجو العام المسيطر على الحركة الثقافية في سوريا، فحين نشرت روايتي الأولي »ملكوت البسطاء« شكلت مفاجأة للقارئ السوري الذي لم يألف الكتابة عن المكان، وكانت رواية حداثية بمقاييس تلك الفترة ،1973 على كل المستويات، ولكني لم ألبث أن اختلطت بالوسط الثقافي السوري حتى أصبت بالمرض السوري في الكتابة: السجال السياسي والإيمان بأنك برواية واحدة ستغير مصير أمة، فكتبت روايات عدة حين أقرأها الآن لا احبها كثيراً!.
في منتصف الثمانينات وقفت مع نفسي أتساءل، وماذا بعد؟ ثم قررت أن اكمل مسيرتي الأولى وأن أعود الى خيري الذهبي مدىراً ظهري للمرض الثقافي السوري.. أدب الالتزام والسجال السياسي، فعدت الى دمشق، الى حي القنوات، الى البيت الشامي، وأخذت أكشف عن جماله الأستار، فأنت إن مررت في حارة من الحارات الشامية الملتوية الكابية، لن تعرف أن وراء هذه النوافذ الصادة والأبواب الشاحبة جناناً، لاتستطيع الوصول الىها إلا إذا سمح لك أصحاب هذه الجنان، فهذه الجنان »لي أنا« وليست للغير (!) لكن جرب مرة أن تخترق هذه الحواجز، حباً، وتدخل الى الدهليز المعتم لتصدمك الباحة المشرقة بالنور الصارخ والخضرة اليافعة والهجرة الدافقة والنوافير الهاشة واليمام الهادلة، فجأة تنتقل من قشرة الحارة الكابية الى لب الرمانة والزاهية، هذا التناقض ما بين القشرة واللبة هو ما سحرني وأيقظ في الطفولة التي عشتها في حي القنوات، فقررت الكتابة عنها مخلصاً للمكان غير خائف من اتهامي بخيانة الحلم، أو من التباهي بأنني أملك هذه الذاكرة الرائعة، فكانت رواية »التحولات« بكتبها الثلاث »حسيبة«، »فياض«، »هشام أو الدروان في المكان«
- هل تعتبر أن كتاباتك تنتمي الى الأدب الواقعي أم الفنتازي؟
من الغريب أن السرد العربي والذي كان يدور دائماً في فلك الفنتازيا عبر »ألف ليلة وليلة«، وعبر السير الشخصية وكتب العجائب والغرائب، هذا السرد الذي رتع فيه العرب لمئات السنين، ما أن دقت الحضارة الغربية أبوابنا في منتصف القرن قبل الماضي، وقرر العرب أن يترجموا شيئاً من فن القص الأوروبي حتى وجدوا أنفسهم يتخلون عن الفنتازي ويترجمون الأدب الواقعي والسجالي، فرأينا الطهطاوي وهو يترجم »مأساة تليماك«، وليس بحثاً عن جمالية الأدب، بل عن العبرة والدرس الذي يمكن استخلاصه من الأدب، إذ ترجمها ليحذر الخديوي من مغبة الطغيان وظلم الشعب حتى إذا ما كثر العارفون باللغات الأوروبية - الفرنسية تحديداً، حتى كثرت الترجمة عن الأدب الواقعي، وما أن اختلط العرب بالسوفيات وتأثروا بالاشتراكية حتى باشروا بترجمة الواقعية الاشتراكية والأدب الملتزم الى أن ظن بعضهم أن الرواية هي، فقط الرواية الواقعية، ناسين جذر الرواية العربية في الفنتازيا وناسين أدب الخيال العلمي الغربي وناسين أدب اليوتوبيا السوداء.. وكان علىنا أن ننتظر حتى نرى الغرب الذي قدم الىنا مرة ابن خلدون، ابن رشد، أن يقدم الىنا »ألف ليلة وليلة« مرة ثانية حتى يعرف مثقفونا قيمتها بعد أن أداورا ظهرهم لها طويلاً.
للحقيقة أنا تعلمت القراءة على يد »ألف ليلة وليلة« وعلى يد »أغاني« الأصفهاني وعلى يد السير الشخصية كما تعلمتها على يد موريس لويلان وشخصيته الشهيرة »أرسين لوبين«.
من هذا المزيج ما بين الفنتازيا العربية وفن المغامرة الأوروبية، نشأت نشأتي الأولى، وكانت على أن انتظر حتى أقف بين يدي ديستوفيسكي وبلزاك وفوكنر حتى ألتمس خطواتي الأولى لكتابة الرواية. أنا ابن كل هؤلاء العظماء، ابن ذلك الفنان العجيب صاحب »ألف ليلة وليلة« وابن الكاتب السوري الكبير والذي نتنكر له الآن لوقيانوس السيمسطائي، كما أنا ابن سرفاتنس وديستوفيسكي، من كل هذا المزيج ها نحن الآن كتّاب الرواية باللغة العربية نحاول أن نضيف شيئاً الى هذا الفن الذي احتل مكان معظم الفنون في اللغة العربية.
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل