الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * منذ اقدم الأزمنة خضع الوطن العربي الى هجرات بشرية كثيرة ومتنوعة وكثيفة * بقلم: د. سع

تم نشره في الأربعاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * منذ اقدم الأزمنة خضع الوطن العربي الى هجرات بشرية كثيرة ومتنوعة وكثيفة * بقلم: د. سع

 

 
هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
الواقع اللغوي في الوطن العربي
من الطبيعي ان يعكس الواقع اللغوي لسكان الوطن العربي عند الفتح الاسلامي ، وبصورة عامة ، الواقع الاثني لهؤلاء السكان في ذلك الوقت. فقد كانت الامم والشعوب والأقوام والقبائل التي سكنت الوطن العربي عند بداية الفتح الاسلامي تتكلم لغات مختلفة ، وكانت درجة الاختلاف بين هذه اللغات متباينة. ففي بعض الأحيان تكون درجة الاختلاف بين بعض هذه اللغات محدودة ، وذلك بسبب انتساب هذه اللغات الى اصول مشتركة. فعلى سبيل المثال ، فان درجة الاختلاف بين اللغة العربية وبين اللغة الآرامية وبين اللغة العبرية محدودة ، بسبب انتساب هذه اللغات الثلاث الى جذور سامية واحدة. واحيانا اخرى تكون درجة الاختلاف واسعة بسبب انتساب هذه اللغات الى اصول مختلفة. فعلى سبيل المثال ، فان الاختلاف بين اللغة العربية واللغة القبطية كبير بسبب انتساب اللغة العربية الى اصول لغوية سامية ، في حين ان اللغة القبطية تنتسب الى اصول لغوية حامية شرقية.
ويمكن تلمس آثار تنوع الواقع اللغوي لسكان الوطن العربي عند الفتح الاسلامي في لهجات بعض أقطار هذا الوطن ، لا بل يمكن تلمس هذه الاثار في لهجات اجزاء بعض اقطار الوطن العربي.
كذلك يمكن تلمس هذه الاثار في بعض المفردات اللغوية التي يقتصر استخدامها على بعض انحاء الوطن العربي. واخيراً وليس آخراً ، فان اللغة الامازيغية التي يستخدمها بعض سكان المغرب العربي ، واللغة الكردية التي يستخدمها سكان شمال العراق وشمال شرق سورية ، والقبطية التي ظل يستخدمها بعض سكان مصر حتى القرن السابع عشر ، مؤشر حي على تنوع الواقع اللغوي لسكان الوطن العربي عند الفتح الاسلامي.

انتشار اللغة المصرية والآرامية
وبسبب الحروب والهجرات البشرية حصل نوع من التداخل اللغوي بين اقاليم الوطن العربي وفي اطار كل اقليم. ونتيجة للغزو المصري لاكثر من مرة لبلاد الشام انتشرت اللغة المصرية القديمة في بعض اجزاء بلاد الشام ، وانتشرت بعض لغات بلاد الشام في مصر. نتيجة الهجرات البشرية من بلاد الشام الى مصر. يقول مصطفى الدباغ: «كانت المصرية القديمة منتشرة في جميع المدن الفلسطينية المشهورة ، وخاصة في بيسان ، كما كانت اللغة الكنعانية منتشرة في كثير من مدن مصر الشمالية. واللغة المصرية التي كان يتكلم بها المصريون القدماء قريبة جداً في اصول مفرداتها من لغات البربر وافريقيا الشرقية».. ويقول نقولا زيادة: «ان اللغة الارامية.. اصبحت في أزمنة متلاحقة وبسبب تطورها في الخط والكتابة.. اللغة الرسمية في المنطقة بأسرها بقطع النظر عن الدولة الحاكمة.. وقد وضع أدب كثير باللغة الآرامية ، لأنها كانت لغة التعبير الشعبي وغير الشعبي». ويقول يوسف بكار لقد: «تبنى اشور اللغة الارامية لغة رسمية. ومنذ ذلك الحين بقيت اللغة الآرامية مسيطرة في الشرق الاوسط كله حتى مجيىء العرب المسلمين». يقول ذوقان قرقوط: «ان الحكام المصريين كانوا يخاطبون امراء سورية باللغة الارامية ، مكتوبة بالخط المسماري. اي ان تلك اللغة هي اللغة الدبلوماسية المتعارف عليها في العالم المتحضر حينذاك». ويقول نقولا زيادة: «كان سكان البترا ، فضلا عن أهلها العرب اصلا ، يشملون فئات تتكلم الارامية واليونانية واللاتينية والعبرية». ويضيف احمد سوسه لقد «انتشرت اللغة الارامية انتشاراً واسعاً وأصبحت لغة اقطار بلاد الشام وبلاد فارس والشعوب المجاورة لها وامتدت الى وادي النيل وآسيا الصغرى وشمال الجزيرة العربية حتى حدود الحجاز ولقد كانت اللغة الرسمية والتجارية للامم الحية في القرن الاول قبل الميلاد في بابل وآشور وفارس ومصر وبلاد الشام ، وظلت اللغة السائدة في البلاد الى الفتح الاسلامي في القرن السابع. ويقول نقولا زيادة «ان اللغة العربية كانت اللغة الغالبة على الجزيرة وعلى المناطق التي سكنها العرب في ارض الرافدين وبلاد الشام ومصر في تلك الأزمنة السابقة للميلاد». ويقول محمد القبلي: «ان لغة سكان واحة سيوة ، أمن قديما ، هي الأمازيغية ، التي لا يزالون يتكلمون بها ، فلا يتعلم أبناؤهم العربية الا عند دخول المدرسة».
وعند الفتح الاسلامي ، واستمر الى فترة من الزمن «.. كان ديوان الشام بالرومية ، وديوان العراق بالفارسية وديوان مصر بالقبطية فنقلت دواوين هذه الأمصار الى العربية».
وعلى وجه الخصوص ، كان الواقع اللغوي في اقاليم الوطن العربي عند الفتح الاسلامي على النحو التالي :

اللغة العربية تسود في اقليم الجزيرة
بالنسبة لاقليم الجزيرة العربية كانت اللغة العربية وبلهجاتها المختلفة ، وبصورة عامة ، هي اللغة السائدة في جميع أرجاء هذا الاقليم عند بداية الفتح الاسلامي للوطن العربي. والى جانب اللغة العربية وجدت مجموعات محدودة جداً تتكلم الحبشية او الفارسية في جنوب غرب الجزيرة العربية ، كما وجدت مجموعات محدودة جداً تتكلم الفارسية عند شواطىء الجزيرة العربية على الخليج الفارسي. كذلك وجدت مجموعات محدودة تسكن في بعض حواضر الجزيرة العربية تتكلم العبرية. يقول نقولا زيادة: «ان الجزيرة كانت عربية اللغة حتى قبل المسيح ، .. اللغة التي أوحى بها القرآن الكريم لم تكن بنت فترة قصيرة ، في تطورها ونموها». يقول جواد علي: «كان للعرب قبل الاسلام لغات مثل المعينية والسبأية والثمودية والصفوية واللحيانية وأمثالها. وهذه اللغات تختلف عن لغة القرآن الكريم اختلافاً كبيراً ، حتى اذا ما قرأ أحدنا نصاً مدوناً بلغة من هذه اللغات عجز عن فهمه ، وظن انه من لغات البرابرة او الأعاجم. ان هذه اللغات هي لغات عربية ، وان اختلفت وتباينت. وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم الا واحدة من هذه اللغات او لهجة من هذه اللهجات». ويضيف جواد علي: ان «العرب.. كانوا يتكلمون بلهجات عديدة وبألسنة كانت في الجاهلية كثيرة».
ويقول برنارد لويس: «ان اليمن كانت تستخدم في بداية عهد النصرانية لغة سامية قريبة من اللغة الاثيوبية».
ويقول صبري مصطفى البيتي: «.. الى عصر الرسول الكريم ، لم تكن اللغة العربية منتشرة خارج حدود الجزيرة ، وكانت بلهجات متعددة تختلف عن العربية الفصحى التي تمثلها لغة القرآن الكريم ، والتي نزلت بلهجة شمال الجزيرة العربية».
لكن الواقع آنف الذكر للغة العربية في اقليم الجزيرة العربية لم يستمر ، وبسبب عوامل كثيرة. اذ تقاربت اللهجات والألسنة ، فلم يأت القرن السادس الا وهنالك لغة عربية تكاد تكون سائدة في جميع أرجاء هذا الاقليم. يقول عبدالمحسن عاطف سلام: «كانت القبائل العربية في الجزيرة - حول القرن السادس - قد استطاعت ان تصل الى لغة مشتركة في الحديث ، ولغة شعرية مشتركة وطريقة في كتابة الشعر مشتركة ، واستطاعت ان تتخلص من كثير من اللهجات القبلية ، واستطاعت ان تتحد في تراث مشترك متشابه ، وان تكون لها ثقافة مشتركة يتناقلها الرواة. وقد استطاعت كندة ان تسهم اسهاما فعالا في تطور هذه اللغة المشتركة وأدبها ، وأصبحت ذكرياتها واحداثها جزءا من التراث العربي المشترك. ولقد كانت هذه اللغة الجديدة وتراثها اول مغامرة كبرى مشتركة قام بها عرب الشمال ووسط الجزيرة. وقد وصلت هذه اللغة الى تمام نضجها القديم في القرن السادس».

الواقع اللغوي لاقليم الهلال الخصيب
كان الواقع اللغوي لاقليم الهلال الخصيب قبل الفتح الاسلامي متأثراً وبدرجة كبيرة بالاقوام التي هاجرت اليه واستقرت فيه. وأغلب هذه الاقوام سامية الجذور ، تعود باصولها الى اقليم الجزيرة العربية. كما انه متأثر ايضا بالاقوام التي هاجرت الى بلاد الشام او غزتها. يقول برنارد لويس: «اللغات التي كانت سائدة في سورية والعراق كانت لغات سامية موزعة الى عائلات لغوية مختلفة ، الأقدم منها العائلة الأكدية والتي تنتسب اليها اللغة الاشورية واللغة البابلية ، واللتان استخدمتا بصورة عامة في العراق. واللغة الثانية اللغة الكنعانية والتي تشمل العبرية التوراتية والفينيقية وامتدادها في شمال افريقيا القرطاجية ، ولغات اخرى «ويضيف برنارد لويس قائلا: «عند بداية العهد المسيحي جميع اللغات آنفة الذكر اختفت واستبدلت بمجموعة من لغات متقاربة ، تنتمي الى عائلة لغوية سامية تدعى الآرامية. ان اللغة الكنعانية والفينيقية ظلتا مستخدمتين في شواطىء المشرق ومستعمرات الشمال الافريقي. ولم تعد العبرية لغة جميع اليهود ، واستمرت كلغة للدين والادب والعلم. وماتت اللغة الاشورية والبابلية نهائيا».
ومع الزمن تطور استخدام اللغة الآرامية ، واصبحت اللغة الاكثر انتشاراً في اقليم الهلال الخصيب. يقول نقولا زيادة: ان «اللغة التي كانت قد انتشرت في ارض الرافدين وبلاد الشام بدءا من القرن الرابع قبل الميلاد وعلى مدى الزمن هي اللغة الارامية».
ويقول أسد الأشقر: «ان مجال الارامية... يمتد شمالا الى جبال الأمانوس وشرقا الى جبال زاغروس وغربا الى وادي النيل». ويقول برنارد لويس: «ان اللغة الارامية اصبحت لغة دولية ووسيلة اتصال للتجارة والدبلوماسية واستخدمت بكثافة ليس في الهلال الخصيب فقط بل في بلاد فارس ومصر وجنوب تركيا». ويقول احسان عباس: «تعني السريانية ذلك الفرع من اللغة الارامية الذي كان يستعمل في الكتابة والكلام لدى شعوب الشام وما بين النهرين والمناطق المجاورة. وكانت هذه المنطقة ابتداء من القرن الثامن الميلادي حتى انتشار الاسلام والمسيحية في الجملة».

انتشار الآرامية في اقليم الهلال
وبالاضافة الى اللغة الارامية كان في الهلال الخصيب من يستخدم اللغة العربية وهم القبائل العربية التي هاجرت الى الهلال الخصيب واستقرت فيه قبل الفتح الاسلامي. ويقول برنارد لويس: «ان اللغة العربية حلت محل اللغة الآرامية في الهلال الخصيب ، والتي لا تزال تستخدم في بعض الكنائس الشرقية وفي بعض القرى النائية». ويقول افضل اقبال: «ان اللغة التي كانت تتكلم بها القبائل العربية التي كانت تعيش في بلاد الشام قبل الفتح الاسلامي كانت مزيجاً من الآرامية والعربية». ويقول ميشيل مورني كان يتمركز الذين يستخدمون الآرامية في المناطق الزراعية في العراق على جانبي الأنهار والقنوات في السواد وعلى الضفاف العليا لدجلة وروافده. وكان الآراميون عنصراً رئيسياً في المدن الكبيرة والبلدات حيث اختلطوا مع العرب والفرس». ويقول: «كان الذين يتكلمون اللغة الآرامية بلهجاتها المختلفة اكبر مجموعة لغوية في العراق عند نهاية العهد الساساني وبداية العهد الاسلامي».
وفي شمال بلاد الرافدين كان يستخدم الأكراد في حياتهم الاعتيادية لغتهم الكردية. واللغة الكردية لغة غير سامية تنتمي الى اسرة اللغات الهندو - اوروبية والتي تضم ايضا اللغة الفارسية واللغة الافغانية واللغة الطاجيكية.

اللغة البيزنطية والفارسية
ولما كانت بلاد الشام تحت الحكم البيزنطي ، وبلاد ما بين النهرين تحت الحكم الساساني ، عند الفتح الاسلامي فقد كانت اللغة الاغريقية هي اللغة الرسمية في بلاد الشام ، ويستخدمها البيزنطيون الذين يقيمون فيها. يقول نقولا زيادة: «كانت اللغة البيزنطية لغة القانون والعلم والادب في بلاد الشام ، وقد كتب أبناء هذه البلاد أدبهم بهذه اللغة. ويضيف: «كانت اللغة البيزنطية لغة اهل الثقافة في مدن فينيقيا وفلسطين بما في ذلك القدس».
كما كانت اللغة الفارسية هي اللغة الرسمية في بلاد ما بين النهرين ويستخدمها الفرس الذين يقيمون فيها. لقد كانت اللغة الاغريقية في بلاد الشام اكثر انتشاراً واستعمالاً من اللغة الفارسية في بلاد ما بين النهرين ، ذلك ان الفرس لم يعملوا علي نشر لغتهم (اللغة الفارسية) كما انهم لم يعملوا على نشر ديانتهم (الديانة الزرادشتية).

الواقع اللغوي في اقليم وادي النيل
ان الواقع اللغوي لاقليم وادي النيل قبل الفتح الاسلامي يختلف عن الواقع اللغوي لاقليم الجزيرة العربية ، وعن الواقع اللغوي لاقليم الهلال الخصيب ، من حيث انه اقل تعقيداً بحكم الواقع الاثني الذي كان ، وبصورة عامة ، مستقراً وثابتاً. فمصر ، القسم الشمالي من هذا الاقليم ، كانت مأهولة ومنذ آلاف السنين بشعب هو الشعب القبطي الذي يتكلم لغة خاصة به (اللغة القبطية). ويعتقد بعض العلماء ان هذه اللغة خليط من اللغات البربرية والكوشية والسامية. ولم تتأثر اللغة القبطية كثيراً بلغات المجموعات البشرية التي غزت مصر او هاجرت اليها قبل الفتح الاسلامي. وبعد الفتح الاسلامي بدأت لغة المصريين تتغير من القبطية الى العربية حتى حلت محلها بصورة كاملة بعد فترة قصيرة جداً. يقول ابو سيف يوسف: «عندما فتح العرب مصر كانت القبطية لغة أهل البلاد الأصليين. ولكن لم ينقض القرن الرابع الهجري حتى كانت اللغة العربية قد ثبتت مواقعها لتصبح.. لغة المصريين كلهم مسلمين ومسيحيين». ويقول جمال حمدان: ان الهجرة العربية «.. هي التي غيرت لسان مصر القديمة وعربتها كليا ونهائياً.

مجموعة اقوام تسكن مصر
والى جانب اللغة القبطية ، اللغة الرئيسية التي كان يتكلم بها أغلبية سكان مصر ، كانت هنالك مجموعة من الاقوام تسكن مصر وتتكلم لغاتها. ففي سيناء وشرق وادي النيل وجدت قبائل عربية كانت تتكلم اللغة العربية. كما وجدت في مصر مجموعات من اليهود كانت تسكن في أغلب الأحيان المدن وتتكلم العبرية. وبحكم ان مصر كانت تحت حكم البيزنطيين قبل الفتح الاسلامي ، فقد كانت اللغة الاغريقية اللغة الرسمية لسلطة الحكم ، كما كان يتكلمها البيزنطيون الذين يعيشون في مصر. وعلاوة على كل ما سلف كانت اللغة الآرامية منتشرة في مصر وهي لغة التجارة. وكان يستخدمها ايضا السريان الذين كانوا يقيمون في بعض المدن المصرية.
وفي جنوب اقليم وادي النيل ، بلاد النوبة ، كان الناس يتكلمون اللغة النوبية ، وهي لغة لها صلة باللغة القبطية ، كما ان لها صلة باللغة الاثيوبية. وفي جنوب السودان كانت القبائل الزنجية تتكلم لغات ولهجات مختلفة الاصول.

الواقع اللغوي في المغرب العربي
ان صورة الواقع اللغوي لاقليم المغرب العربي قبل الفتح الاسلامي تنطبق انطباقاً يكاد يكون كاملا على الواقع اللغوي لاقليم وادي النيل من حيث حلول اللغة الأمازيغية محل اللغة القبطية. واللغة الأمازيغية لغة سامية - حامية ، ذات قرابة مع اللغة القبطية والحبشية والسودانية. كما ان لها قرابة مع اللغات اليمنية القديمة. وجاء في دائرة المعارف الاسلامية: ان «اللغة البربرية ، وهي فرع من اللغات الكوشية او الحامية التي تمت بالصلة الى اللغات السامية. ولا يزال يتحدث بها الى اليوم سكان المناطق بين واحة سيوة والمحيط الاطلسي ومن منبع نهر النيجر حتى البحر الابيض المتوسط». ويقول جاك ديسلر: «اللهجات العامية البربرية كانت قريبة من اللغات السامية بفضل تأثير قرطاجة في افريقيا الشمالية وطبعها بطابعها طيلة ألف عام ، وكانت اللهجات العامية البونية قد حافظت على وجودها في الأرياف حتى بلاد الفنداليين».

لغة البربر
وعموما فان «المعلومات قليلة عن اصل لغة البربر ومع ذلك هنالك ما يشير الى انها كانت لغة الليبيين الاولين وان لها علاقة بلغة المصريين القدماء. كانت اللغة البربرية بلهجاتها المتعددة هي اللغة الرئيسية التي يتكلمها سكان اقليم المغرب العربي عند بداية الفتوحات الاسلامية. والى جانب اللغة البربرية وجدت اللغة البيزنطية ، وهي لغة الدولة التي تحكم اقليم المغرب العربي ولغة اقلية من البيزنطيين الذين كانوا يعيشون في هذا الاقليم. والى جانب اللغة البربرية واللغة البيزنطية وجدت اقليات تتكلم اللغة اللاتينية واللغة الفينيقية واللغة العبرية.

الواقع الاثني في الوطن العربي
منذ اقدم الأزمنة ، وحتى وقت قريب ، خضع الوطن العربي ، ولعله اكثر من غيره من بقاع الارض ، الى هجرات بشرية كثيرة ومتنوعة وكثيفة في بعض الأحيان. وقد ساهمت عوامل عديدة في هذه الهجرات لعل من أهمهما ثلاثة: اولها الموقع الذي يحتله الوطن العربي في مركز العالم القديم ، وهذا الموقع جعله الجسم الذي يربط اجزاء هذا العالم وسكانه بعضهم ببعض. وثانيها نشأة الحضارات القديمة وتطورها على ارضه وبصورة خاصة حضارات وادي النيل وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام. اما ثالثها ، فيتعلق بالديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والاسلام التي نشأت على ارضه وانتشرت منه الى جميع أرجاء العالم.
لقد كانت الهجرات البشرية التي خضع لها الوطن العربي قبل الفتح الاسلامي على نوعين. النوع الاول وتمثل بالهجرات الى الوطن العربي من خارجه. ومن هذه الهجرات هجرة السومريين الى بلاد ما بين النهرين. والسومريون شعب غريب جاء من مكان ما في الشرق او الشمال الشرقي ليستقر في جنوب بلاد ما بين النهرين قبل نحو خمسة آلاف سنة. وهناك هجرة الحثيين الى بلاد الشام. وترك الاحتلال الفارسي لبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام ومصر واليمن بصماته الاثنية على هذه المناطق. ان هجرات الفندال والكلت واحتلال الرومان ثم البيزنطيين لاقليم المغرب العربي ترك بصماته الاثنية على هذه المناطق. كما هاجرت مجموعات بشرية من افريقيا السوداء وفي جميع مراحل التاريخ الى الوطن العربي.
والنوع الثاني من الهجرات التي خضع لها الوطن العربي قبل الفتح الاسلامي هو الهجرات داخل هذا الوطن ، وهذه الهجرات كانت كثيرة ومستمرة ولعل من أهمها على الاطلاق وأكثرها أثراً هي الهجرات من اقليم الجزيرة العربية الى اقليم الهلال الخصيب واقليم وادي النيل واقليم المغرب العربي. وقد بدأت هذه الهجرات في مرحلة مبكرة جداً من التاريخ وظلت مستمرة حتى وقت قريب.
ان الواقع الاثني لسكان كل اقليم من اقاليم الوطن العربي قبل الفتح الاسلامي هو محصلة تفاعل سكانه الاصليين مع الهجرات البشرية التي خضع لها من داخل هذا الوطن ومن خارجه. وكان الواقع الاثني لكل اقليم على النحو التالي :

اقليم الجزيرة العربية
كان اقليم الجزيرة العربية وبحكم امكانياته الاقتصادية المحدودة في الماضي ، طارداً للسكان منذ اقدم الأزمنة وحتى وقت قريب نسبياً. يقول نقولا زيادة: «ان البلاد الشاسعة التي تكسوها رمال الصحاري او حمادها كانت بين الزمن والزمن تنوء بحمل سكانها ، فتدفع بهم او يدفعون هم بأنفسهم الى الجوار - الى ارض الرافدين وبلاد الشام.. وحتى مصر». ويفسر هذا الواقع ، كون اقليم الجزيرة العربية منطقة طاردة للسكان ، ان أغلبية سكان الجزيرة العربية عند بداية الفتح الاسلامي كانت من العرب العاربة او من العرب المستعربة. وفي هذا الصدد يقول جورج انطونيوس: «كان يقطن شبه جزيرة العرب في الجاهلية شعبان احدهما كان معظمه من القبائل الرحل ، وكان مجال تنقله في البلاد الممتدة من نهر الفرات الى قلب شبه الجزيرة العربية حتى الحدود الجنوبية للحجاز ونجد. وكان معظم الشعب الاخر يحيا حياة مستقرة ، وقد استوطن في مرتفعات الجنوب وهي - بصورة عامة - تتمثل في بلاد اليمن وحضرموت. وكانت لفظة (عرب) تطلق على الشعب الاول وحده». وبجانب هذه الأغلبية الكبيرة وجدت في اقليم الجزيرة العربية مجموعات بشرية اخرى من همها الأحباش واليهود والفرس وبعض البيزنطيين.

الاحباش في مكة
وكان للأحباش وجود له وزنه في مكة المكرمة عندما بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام دعوته للاسلام. ولعل ارسال زعامة قريش زعيم الأحباش الحليس بن علقمة لمحاورة الرسول عليه السلام بعد صلح الحديبية مؤشر لهذا الوجود. وللوجود الحبشي في الجزيرة العربية جذور تاريخية قديمة. فقد احتل الاحباش الساحل الجنوبي الغربي من الجزيرة العربي ، وكانت لهم صلات تجارية مع مكة المكرمة. وعندما وطدوا حكمهم في اليمن وصلوا الى الحجاز ، وأقامت جالية حبشية في مكة المكرمة وكانت ديانتها المسيحية ، وقد دعي افرادها بالأحباش. ويقول هاشم حول وجود الاحباش في مكة المكرمة: «... بعد حملة الفيل بالذات ظهرت بمكة مستوطنات الأحباش... وكانوا يكونون قسماً من الجماعة المدنية التي تتمتع بالحقوق السياسية ، وان لعبت دورا ذا اهمية كبرى في الاوضاع الاقتصادية والعسكرية والثقافية». ويقول ايضا: «كان الاحابيش يقومون بحماية مكة وحفظ النظام بالمدينة ويصحبون القوافل المكية الكبيرة». ويقول: «وفي وقت الحرب كانت قلة تقوم بتعبئة جميع من بأرضها من الاحابيش الاحرار منهم وغير الاحرار». ويضيف: ولم تقتصر وحدات المقاتلين من الاثيوبيين على مكة وحدها قبل الاسلام بل وجدت ايضا لدى زعماء قبيلتي كنانة وخزاعة ولدى عدد كبير من افراد الحجاز» ويقول: «كالجالية الاثوبية في مكة المكرمة تكونت جالية مشابهة بواحة الحاير جنوب الرياض بنجد» ويقول: «وتنسب الى اصل اثيوبي قبائل بني نجاح في اليمن الذين أسسوا في القرن الثاني عشر سلطنة فيها».
ويقول الجبرتي عن صحابة رسول الله عليه السلام من الأحباش ان «الصحابة الاحرار من الحبوش الأخيار الذين كانوا يخدمون الرسول وأصحابه وأهل بيته فكثيرون جداً لا يمكن استيعابهم في هذا الاستطراد ضبطا وعددا ، وكذلك ابناء الحبشيات من قريش من الصحابة والتابعين واهل البيت الطاهرين». ويقول كوبيشانوف: «لقد ظل حرس الكعبة من الأحباش ، وظل في المدينة الحرس الاسود حرسا للمسجد ولقبر الرسول الى عهد المروانيين».

اليهود في الجزيرة العربية
وكان لليهود وجود في اقليم الجزيرة العربي. ويفسر هذا الوجود في هذا الاقليم بصورة رئيسية بالجوار الجغرافي. يقول جواد علي: «ولما كانت فلسطين امتدادا طبيعي للحجاز ، كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز ، واتصال سكان الحجاز بفلسطين ، وذهاب جاليات يهودية الى العربية الغربية ، للاتجار وللاقامة هناك ، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين واستيلائها عليها ، وهجرة اليهود الى الخارج. فكانت العربية الغربية لاتصالها بفلسطين من الاماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود اليها ، واقامتها فيها». ويقول: «.. ان يهود الحجاز كانوا قبائل وعشائر وبطونا ، منهم: بنو النضير ، وبنو قريظة ، وبنو قينقاع ، وبنو عكرمة ، وبنو محمر ، وبنو زعورا ، وبنو زيد ، وبنو بهدل ، وبنو عوق ، وبنو القصيص (العصيص) وبنو ثعلبة».. وعن معيشة اليهود في اقليم الجزيرة العربية يقول جواد علي: «عاش اليهود في جزيرة العرب معيشة اهلها ، فلبسوا لباسهم ، وتصاهروا معهم ، فتزوج اليهود عربيات ، وتزوج العرب يهوديات. ولعل كون يهود من اصل عربي ، هو الذي ساعد على تحطيم القيود التي تحول بين زواج اليهود بالعربيات وبالعكس. والفرق الوحيد الذي كان بين العرب واليهود عند ظهور الاسلام هو الاختلاف في الدين. وقد تمتع اليهود بحرية واسعة. لم يحصلوا عليها في أي بلد آخر من البلاد التي كانوا بها في ذلك العهد».
وعن يهود اليمن يقول جواد علي: «ان.. الاتجاه الغالب ان اكثر يهود اليمن من اصل عربي. ومرد قسم كبير منه جهلنا بأحوال يهود اليمن ، بالقياس الى معارفنا عن يهود الحجاز».
ونتج عن تماس الفرس لاقليم الجزيرة العربية من الشرق وبحكم سيطرتهم على جنوب هذا الاقليم انهم وجدوا في شرقه وجنوبه. يقول كوبيشانوف: «في الجنوب الغربي اختلط الفاتحون الفرس بالسكان الاصليين وكونوا طبقة حاكمة جديدة. وعشية الاسلام وفي العشرات الاولى من حياة الدولة الاسلامية حمل هؤلاء اسم بني الفرس». وجاء عند البلاذري: «كانت ارض البحرين من مملكة الفرس ، وكان بها خلق كثير من العرب من عبد القيس ، وبكر بن وائل ، وتميم ، مقيمين في باديتها.. فلما كانت سنة ثمان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن عبدالله بن عماد الحضري.. يدعو اهلها الى الاسلام او الجزية.. أسلم جميع العرب وبعض العجم. فأما اهل الارض من المجوس واليهود والنصارى فانهم صالحوا العلاء وكتب بينه وبينهم كتابا». ويقول بتلر: «... ان البحرين كانت تحت حكم الفرس وان اهلها كانوا كما وصفهم العارفون خليطا اكثره من افرس واليهود». وعلاوة على كل ما سلف ، وجد على سواحل اقليم الجزيرة العربية وفي موانئها ومدنها اكبر اختلاط لمجموعات اثنية ، بعضها معروف كالصوماليين والهنود والاحباش وغيرهم. لا بل وجدت دماء زنجية حتى في القرى النائية في وسط اقليم الجزيرة العربية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش