الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * الوطن العربي موطن الجذب الحضاري لمختلف الامم والشعوب والاقوام والقبائل * بقلم: د. سعيد التل الحلقة العاشرة

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * الوطن العربي موطن الجذب الحضاري لمختلف الامم والشعوب والاقوام والقبائل * بقلم: د. سعيد التل الحلقة العاشرة

 

 
هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
اقليم المغرب العربي
مثلما اعتبرت مصر جزيرة ، كذلك يمكن اعتبار اقليم المغرب العربي جزيرة محاطة بالمياه او بالرمال. فالحدود الشرقية لاقليم المغرب العربي هي الصحراء الليبية ، وحدوده الجنوبية هي الصحراء الافريقية الكبرى. وحدوده الغربية هي المحيط الاطلسي ، اما حدوده الشمالية فهي البحر الابيض المتوسط. وكما انعكس الواقع الجغرافي لمصر على الجذور الاثنية لسكانها ، كذلك انعكس الواقع الجغرافي لاقليم المغرب العربي على سكانه ، فجعل هذه الجذور تتسم وبصورة عامة بالثبات والاستقرار.
ان سكان اقليم المغرب العربي ، ومنذ زمن قديم جدا ، كانوا من القبائل التي عرفت بقبائل البربر. وقد اطلق الرومان هذا الاسم على سكان هذا الاقليم لانهم لا يحسنون اللغة اللاتينية. ومع ان هذه القبائل لا تحبذ ان يطلق عليها اسم البربر لما تحمله هذه الكلمة من مدلولات ، وتفضل ان يطلق عليها اسم قبائل الامازيغ او قبائل الاحرار ، فإن كلمة البربر هي الكلمة المتداولة في الادب التاريخي والسياسي المتعلق بهم. «وللبربر خصائصهم الجسمية من حيث الطول وطبيعة الشعر ولون العين وشكل الجمجمة ، ولهم عادات خاصة بهم ولغة مميزة بذاتها».
وينقسم البربر الى مجموعتين: بربر الحضر ، وهم الذين يسكنون المناطق الخصبة ويشتغلون بالزراعة والصناعة ، وبربر الصحراء وهم الذين يسكنون الصحراء ويعيشون على تربية الماشية. وينقسم البربر اثنيا الى مجموعتين ايضا ، الاولى: وتشكل اغلبيتهم ويتميزون باللون الاسمر والشعر الاسود والرأس المستدير والخدين البارزين والانف القصير والجبهة المقوسة ، وهي وبصورة عامة نفس صفات سكان جنوب اسبانيا وايطاليا وتونس نفسها. اما المجموعة الثانية: فيتميزون باللون الابيض والشعر الاشقر والعينين الزرقاوين واستطالة الرأس ودقة الانف ورقة الشفتين وتسطح الجبهة ، ولعلهم بقايا اختلاط الفنيقيين والرومان.
والبلاد التي يسكنها البربر وهي «... البلاد الممتدة بين مصر شرقا والمحيط الاتلانتيكي غربا والبحر المتوسط شمالا والصحراء الكبرى جنوبا. وهي تشمل طرابلس الغرب وتونس والجزائر ومراكش..».

اصول البربر
ليس هنالك رأي يحدد بصورة حاسمة اصول البربر في اقليم المغرب العربي. فمحمد الميلي يقول: ان «.. الابحاث الجادة.. على اختلافها لا تجزم برأي قاطع لفائدة اطروحة معينة من الاطروحات التي تعرضت لاصول سكان الشمال الافريقي. فهناك من لا يستبعد ان يكون التأثير قد جاء من المشرق الى المغرب ، دون ان يطعن في الاطروحة التي لا يستبعد ان يكون التأثير في عصور ما قبل التاريخ قد اخذ اتجاها معاكسا اي من الغرب الى الشرق». وهنالك ثلاثة آراء تتعلق بأصل البربر. الاول ويتبناه كثير من المؤرخين العرب ، ويقول ان قبائل البربر قبائل عربية هاجرت من اليمن. هذا الرأي له قيمته العلمية ولكن ، وبالوقت نفسه ، يجب ان يشار الى ان كثيرا من المؤرخين العرب ، ومن اجل بناء مجتمع اسلامي متماسك ، كانوا يرجعون جميع المسلمين كالبربر والفرس والاكراد وغيرهم الى اصول تعود الى الجزيرة العربية. والرأي الثاني يرجع اصول قبائل البربر الى جذور هندية اوروبية وفدت الى اقليم المغرب العربي من اسبانيا عبر مضيق جبل طارق. يقول محمد الميلي: «.. ظهرت منذ القرن التاسع عشر نظرية فرنسية تزعم ان البربر من اصل اوروبي». ويقول غوستاف لوبون: ان البربر في شمال افريقيا قد جاءوا من شمال اوروبا ، ويستند في ذلك على الاثار الحجرية. ويعتقد البعض ان قبائل البربر هم احفاد قبائل الفندال التي غزت شمال افريقيا في القرن الخامس الميلادي. ويدعم اصحاب هذا الرأي رأيهم بدراسات انثربولوجية اخذت بعين الاعتبار اللغة وشكل الجمجمة وبعض العادات والتقاليد البربرية. اما الرأي الثالث فيجمع بين الرأيين ويقول ان قبائل البربر هي خليط من قبائل عربية وفدت من اليمن وقبائل هندية اوروبية وفدت من اسبانيا. يقول محمد علي مادون ان «الشعب البربري او شعب امازيغ.. نزح الى شمال افريقيا بعضه من اوروبا ، وبعضه من اليمن عبر الحبشة ومصر وليبيا ، وانتشر في ربوع المغرب وجهة الصحراء واطراف مصر ، واستقر بكثير من الجزائر مثل جزر كناري في المحيط الاطلسي وجزر سردينيا وصقلية ونوصرة ومالطا..». ويقول ايضا: «هنالك عدة آراء تكونت نتيجة البحث في اصولهم: (1) الاصل الاوروبي (2) الاصل االسامي ويأخذ بالرأي الاخير معظم الباحثين (3) الاصل المزدوج حيث ينسبون الى سلالتين: هندية «من آسيا عبر اوروبا الى افريقيا» وسامية..». وقد انضمت الى الاغلبية البربرية في اقليم المغرب العربي قبل الفتح الاسلامي مجموعات محدودة من الناس ، بحكم الواقع الجغرافي لهذا الاقليم. فقد جاء في دائرة المعارف الاسلامية..» وامتزج البربر بغيرهم في ولاية افريقية وفي نوميديا.. ولكن البربر الذين كانوا يعيشون في الجبال الشاهقة والهضاب المرتفعة على حدود الصحراء وفي موريتانيا لم يتأثروا بغيرهم من الاجناس الا قليلا».
فلقد وفد الفنيقيون الى سواحل هذا الاقليم على البحر الابيض المتوسط ، واقاموا على هذا الساحل مراكز تجارية لهم ، واسسوا دولا. يقول محمد علي مادون: «اختلط الفنيقيون بالبربر على طول السواحل الافريقية الغربية وذلك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد». واختلط بعض قبائل البربر بقبائل الوندال عندما سيطرت هذه القبائل الاخيرة على جزء كبير من اقليم المغرب العربي بين سنة 439 وسنة 534.
وقد وفد الى اقليم المغرب العربي رومان وبيزنطيون خلال سيطرة الامبراطورية الرومانية ثم البيزنطية على ارض هذا الاقليم. ان الاثار الرومانية والبيزنطية في اقليم المغرب العربي تشهد على ان الوجود الروماني والبيزنطي كان ملموسا. كما وجدت في اقليم المغرب العربي مجموعات من اليهود ومجموعات من الناس تعود الى جذور اثنية افريقية.

المناخ كجاذب للهجرات والغزوات
يمتاز الوطن العربي اضافة الى موقعه الجغرافي الفريد ، الذي يحتل بموجبه قلب العالم القديم ، والذي كان وما يزال مهوى افئدة قادة العالم الذين تنافسوا منذ القدم في السيطرة على هذه البقعة المتميزة ، لتوسطها بين قاراته الثلاث ، يمتاز ايضا بمناخه المعتدل الجاذب للهجرات والغزوات البشرية منذ فجر التاريخ ، وهذا ما يفسر غناه الثقافي نتيجة تعاقب هذه الشعوب ذات الخلفيات المتباينة والتجارب الحضارية الثقافية على ترابه وامتزاجها.
لقد كان الوطن العربي قبيل الفتح الاسلامي موزعا من حيث السيطرة عليه بين امبراطوريتين عظيمتين هما: الامبراطورية البيزنطية ذات الثقافة الاغريقية والديانة المسيحية ، والتي كانت تتخذ من القسطنطينية قاعدة لها ، وبين الامبراطورية الساسانية ذات الثقافة الفارسية والديانة المجوسية ، والتي كانت تتخذ من الهضبة الايرانية قاعدة لها. وهذا الامر ينسحب على بقاع الوطن العربي كافة باستثناء وسط الجزيرة العربية ، لتأثر اطرافها بالحضارتين البيزنطية والساسانية عن طريق امارتي الغساسنة والمناذرة والبحرين واليمن. ان هذا التنوع الثقافي والحضاري الثري الذي امتاز به الوطن العربي برز تأثيره بصورة جلية وواضحة على واقع الوطن العربي الديني واللغوي والاثني.

الواقع الديني للوطن العربي
فبالنسبة للواقع الديني نجد ان سكان الوطن العربي قد انتشرت بينهم معظم الديانات الوثنية والمجوسية واليهودية والمسيحية ، اضافة الى الحنيفية دين ابراهيم عليه السلام في بعض اجزاء الجزيرة العربية ، خاصة بين عرب الشمال منهم. فنجد مثلا ان الجزيرة العربية كان يغلب على سكانها عبادة الاوثان ، واقلية من اصحاب كل من الديانات اليهودية والمسيحية والمجوسية.
فالوثنية كانت الاكثر انتشارا في الجزيرة العربية ، وكانت على اشكال متعددة ، فمنهم من عبد الاصنام ، ومنهم من عبد الحيوانات ، ومنهم من عبد الاشجار ، ومنهم من عبد الكواكب والنجوم والجن وغيرها.
اما المجوسية في الجزيرة العربية فكانت محدودة الانتشار ، ومعظم الذين كانوا يدينون بها هم من الفرس ، وان دخل بهذه الديانة عدد من العرب ، وكانت منتشرة في البحرين وعمان واليمن. و بالنسبة لليهودية فقد انتشرت ، عن طريق الهجرة والتجارة في كل من اليمن ووادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب ، وقد احتل اليهود مركزا هاما في الحياة الاقتصادية للجزيرة العربية. اما بالنسبة للمسيحية ، فقد انتشرت في بعض اجزاء الجزيرة العربية عن طريق التبشير وبخاصة في اليمن وبعض المناطق الاخرى كنجران ودومة الجندل.
لقد كان يغلب على سكان اقليم الهلال الخصيب ، وبلاد الشام بالذات اتباع الديانة المسيحية ، خاصة بعد اعلان قسطنطين الكبير ان المسيحية هي الدين الرسمي للدولة ، وهذا لا ينفي وجود الديانة اليهودية ايضا. اما في اقليم ما بين النهرين فقد وجد بالاضافة الى الديانتين اليهودية والمسيحية الديانة المجوسية بشكل بارز.
وفي اقليم وادي النيل سيطرت المسيحية في شماله والوثنية في جنوبه ، بينما سيطرت الوثنية على سكان اقليم المغرب العربي عند البربر ، وان دخلت كل من اليهودية والمسيحية الى هذا الاقليم في وقت لاحق.

الواقع اللغوي نتاج للواقع الاثني
واذا ما انتقلنا الى الواقع اللغوي لسكان الوطن العربي ، فاننا نجد انه يعكس الواقع الاثني للسكان ، فكما ان الوطن العربي قد سكنته امم وشعوب واقوام وقبائل كثيرة فإن من البديهي ان تتعدد اللغات واللهجات فيه ، وان كانت درجة الاختلاف بينها في احيان كثيرة اختلافات محدودة ، وذلك يعود الى انتساب هذه اللغات الى اصول مشتركة ، كما هو الحال بين اللغات العربية والعبرية والآرامية ، في حين اننا نجد ان الاختلاف كبير بين كل من اللغة العربية والقبطية والامازيغية والكردية لانتساب كل منها الى اصول مختلفة.
ولا بد من الاشارة هنا الى انه حصل نوع من التداخل بين هذه اللغات بسبب الحروب والهجرات البشرية التي تعاقبت على اجزاء الوطن العربي. فاللغة العربية بلهجاتها المختلفة كانت هي السائدة في الجزيرة العربية ، في حين وجد الى جانبها مجموعات محدودة جدا تتكلم الفارسية خاصة على شواطىء الجزيرة العربية ، وكذلك العبرية والحبشية.
اما الواقع اللغوي لاقليم الهلال الخصيب فقد انتشرت فيه مجموعة من اللغات السامية والاكادية والاشورية والبابلية والكنعانية والتي تشمل العبرانية والفينيقية ، ومع تطور الزمن اصبحت اللغة الآرامية هي اللغة الاكثر انتشارا في هذا الاقليم ، والتي اخذت تحل محلها بالتدريج اللغة العربية عن طريق القبائل العربية التي هاجرت من الجزيرة العربية. اما بلاد ما بين النهرين فكانت اللغة الكردية مسيطرة في الشمال والفارسية في الشرق ، في حين كانت الاغريقية هي الاكثر انتشارا واستعمالا في بلاد الشام.
اما اقليم وادي النيل فكان اقل تعقيدا لانتماء سكانه - خاصة في الشمال منه - الى العنصر القبطي الذي يتكلم افراده اللغة القبطية ، وان كانت اللغة الرسمية هي الاغريقية لغة الحاكم البيزنطي ، اما جنوب وادي النيل فكان سكانه يتكلمون اللغة النوبية التي لها صلة باللغتين القبطية والاثيوبية.
وفي اقليم المغرب العربي كانت الامازيغية هي السائدة والمسيطرة لانها لغة السكان الاصليين قبائل البربر.

الوطن العربي موطن الجذب الحضاري
وبالنسبة للواقع الاثني فإن الوطن العربي هو موطن الجذب الحضاري لمختلف الامم والشعوب والاقوام والقبائل ، لموقعه الجغرافي الفريد ولمناخه المعتدل ولكونه مهد الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والاسلام ، ونتيجة لهذه العوامل مجتمعة وتضافرها فقد تعايشت على ثراه مختلف الامم والشعوب والاقوام والقبائل التي هاجرت اليه او غزته كالسومريين الذين استقروا في بلاد ما بين النهرين ، والحثيين الذين استقروا في بلاد الشام ، والفرس الذين انتشروا في بلاد الشام ومصر واليمن والفندال والكلت والرومان الذين استقروا في اقليم المغرب العربي ، وقد اختلط بهؤلاء الموجات البشرية التي هاجرت من الجزيرة العربية الى كافة ارجاء الوطن العربي عبر مراحل التاريخ المختلفة.

الواقع الاثني للجزيرة العربية
فالواقع الاثني للجزيرة العربية يكاد يقتصر على العرب العاربة منها او المستعربة ، لان هذا الاقليم ظل الى وقت قريب - بحكم امكانياته الاقتصادية المحدودة - طاردا للسكان ولكن هذا لا ينفي وجود بعض الاحباش واليهود والفرس والبيزنطيين ولكن بنسبة قليلة.
اما اقليم الهلال الخصيب بجناحيه الشرقي «بلاد ما بين النهرين» او الغربي «بلاد الشام» فقد كان جاذبا للسكان لما يتمتع به من مناخ متميز وثروات اقتصادية قيمة ، وبالتالي فقد امتزجت في هذا الاقليم الشعوب والامم المختلفة كالسامية القادمة من الجزيرة مع السومريين القادمين من الشمال مع الشعوب القادمة من الغرب والتي اطلق عليها الشعوب البحرية ، وكل من هذه الشعوب والامم قد اسس له دولة واقام حضارة مثل الاموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين والانباط والرومان والبيزنطيين والكلدانيين والآشوريين والفرس وغيرهم.
ويشبه هذا الحال اقليم وادي النيل الذي يمتاز باعتدال مناخه وكثرة مياهه ، فنجد ان قدماء المصريين قد استوطنوا هذا الاقليم وهم على الاغلب ينتمون الى مجموعة الحاميين الشرقيين ، وهم ما يطلق عليهم اسم الاقباط ، اضافة الى العرب الذين قدموا من الجزيرة العربية والآشوريين والفرس والرمان والبيزنطيين الذين احتلوا مصر وحكموها ، ولكن طبيعة مصر وسكانها كانت تصهر اثنيا جميع هذه الاجناس في بوتقة واحدة ، اما بالنسبة لسكان الجنوب وهم النوبيون فقد تعرضوا ايضا الى عدد من الهجرات سواء من الشمال او من الجزيرة العربية.
واما سكان اقليم المغرب العربي فهم من قبائل البربر ، وهم اما بربر الحضر ، او بربر الصحراء ، ويرجع معظم الباحثين خاصة العرب منهم اصل البربر الى قبائل عربية كانت قد هاجرت من اليمن ، وهذا بالطبع لا ينفي ان يكون قد اختلط بسكان هذا الاقليم - خاصة سكان السواحل منهم مجموعات محدودة من الناس بحكم الموقع الجغرافي لهذا الاقليم.

واقع سكان الوطن العربي بعد الفتح الاسلامي
حدث تغير وتطور كبيران وعميقان على واقع سكان الوطن العربي بعد الفتح الاسلامي ، وشمل هذا التغير والتطور ليس الجانب الديني لهؤلاء السكان فحسب ، بل كان جانبا من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية ، كما شمل هذا التغير والتطور الجانب الاثني ، ومع اهمية التعرف على التطور والتغير في كل جانب من هذه الجوانب ، الا ان طبيعة هذه الدراسة واهدافها سوف تقتصر ، كما في الفصل السابق على الجوانب الاساسية التي تتصف بالثبات والاستمرار وهي الجوانب المتعلقة بالواقع الديني والواقع اللغوي والواقع الاثني ، وبعبارة اخرى سيبحث هذا الفصل الواقع الديني واللغوي والاثني لسكان الوطن العربي بعد الفتح الاسلامي.

الواقع الديني
تغير الواقع الديني لسكان الوطن العربي تغيرا يكان يكون كاملا ، بعد الفتح الاسلامي وخلال فترة قصيرة جدا نسبيا ، فعندما بدأ الرسول عليه السلام الدعوة للاسلام ، وكما ذكرنا في الفصل السابق ، كان اغلب سكان اقليم الجزيرة العربية يدينون بالوثنية مع وجود جيوب محدودة مسيحية ويهودية ومجوسية ، وكان الجناح الغربي من اقليم الهلال الخصيب ، وهو بلاد الشام ، مسيحيا مع وجود جيوب يهودية ووثنية ، اما الجناح الشرقي من هذا الاقليم وهو بلاد ما بين النهرين فكان مجوسيا مع وجود جيوب مسيحية ويهودية ، وكان شمال اقليم وادي النيل ، مصر ، مسيحيا ، اما جنوب هذا الاقليم السودان فكان وثنيا مع وجود مسيحي ، وكان اقليم المغرب العربي وثنيا مع وجود مسيحي محسوس على سواحله.
بدأ التحول الى الاسلام بسيطا مع بداية الدعوة للاسلام ، وازداد تسارعه مع سرعة انتشار الفتح الاسلامي ، وبعد فترة وجيزة على بداية الدعوة كانت الاغلبية الساحقة من سكان الوطن العربي قد تحولت الى الاسلام ، يقول برنارد لويس: «منذ تأسيس الدولة الاسلامية في منتصف القرن السابع اصبح الاسلام الديانة المسيطرة في الشرق الاوسط ، في البداية كان الاسلام ديانة اقليمية من القائمين والمقيمين والحكام ، في حين اغلبية المواطنين في اراضي الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية سابقا ظلوا ملتزمين بديانتهم السابقة وبمرور الوقت ، ونحن لا نعرف بدقة متى وكيف تم ، اصبح المسلمون الاغلبية في جميع انحاء المنطقة وحتى الآن». توضح سلوى بالحاج صالح اسباب هذا الامر وتقول: « بات من البين الجلي ان نهاية المسيحية العربية في دار الاسلام بالمشرق في القرن الرابع الهجري تعود الى اسباب كثيرة اهمها تواصل «تأسلم» المسيحيين العرب عن ارادة حرة طيلة الفترة العباسية الاولى ، وسياسة بعض الخلفاء العباسيين الدينية.. وما نتج عنها من قضاء على بعض الجماعات المسيحية العربية ، اضافة الى الصراعات القبلية بين ربيعة وقيس بالجزيرة الفراتية ودورها في تشتت اهم مجموعة عربية مسيحية ، وهي نصارى تغلب وتفرقهم وخروجهم من بيئتهم المسيحية وعودتهم الى الجزيرة العربية». وتضيف سلوى بالحاج صالح وتقول: «ومثلت «الأسلمة» ابرز ملامح هذه التحولات ، فقد استجاب المسيحيون العرب للدعوة الاسلامية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، واسلم عدد كبير منهم في فترة الفتوحات والخلافة الراشدة ، ولئن تواصلت اسلمتهم بشكل بطيء في العصر الاموي حين دانت بالاسلام اعداد من نصارى نجران العرب وكلب وتغلب ، فقد اصبح نسق الدخول في الاسلام اسرع في الفترة العباسية الاولى التي شهدت زوال اخر الجماعات المسيحية العربية ، ولعل تغير وضع العنصر العربي في الدولة العباسية وتحوله من العنصر المفضل والرئيسي في المجتمع الاسلامي في الفترة الاموية الى عنصر مهمش في المجتمع العباسي كان سببا في اعتناق المسيحيين العرب الاسلام». ويقول برنارد لويس: «في الهلال الخصيب ومخصر ، ومع تناقص عدد المسيحيين فان الكنيسة المسيحية ظلت تزدهر ، اما شمال افريقيا فالامر عكس ذلك فقد ماتت المسيحية ، ، اما الزردشتية فبعدم وجود دعم لها فقد هربت الى الهند».

انتشار الاسلام في الجزيرة
وبالنسبة لاقليم الجزيرة العربية ، فبعد فتح مكة المكرمة تسارع انتشار الاسلام فيها ، وبصورة عامة يمكن القول انه وبنهاية عهد الخلفاء الراشدين اصبح الاسلام هو الديانة الوحيدة في هذا الاقليم. تقول سلوى بالحاج صالح: «فمنذ خلافة ابي بكر الصديق تلقت القبائل المسيحية هجمات عنيفة من قبل المسلمين ، تمثلت في مرحلة اولى في اخضاع مسيحيي شمال الجزيرة نهائيا سنة ه12ـ وخصوصا قبيلة كلب التي تعتبر اقوى واكبر قبائل المنطقة في ذلك الوقت ، وتمثلت في مرحلة ثانية في طرد مسيحيي نجران من الجزيرة من قبل عمر بن الخطاب سنة ه13ـ. وهنا تتعين الاشارة الى ان هذا الحدث قد يكون سببا في التعجيل بأسلمة بقية المسيحيين الموجودين باليمن والمناطق والقريبة منها كحضرموت ، حيث تسكن بعض بطون كندة المسيحية ، ومما يؤيد اعتقادنا هذا غياب اي اثر في المصادر عن المسيحية الحميرية والكندية بجنوب الجزيرة بعد عهد عمر ، وبالمقابل نلاحظ الحضور المكثف للحميريين في جيش المسلمين منذ بدء فتح الشام. كما اننا نجد حمير وبني الجون الكنديين ضمن سكان الكوفة في فترة خلافة عمر بن الخطاب ، وتتمثل اهم النتائج على المستوى المعتقدي في التحاق كل مسيحيي عُمان بالاسلام تلقائيا في عهد عثمان بن عفان ، الا ان هذه الاسلمة الشاملة لسكان عُمان لا تعني في الواقع زوال المسيحية من قبيلة بني ناجية ، لاننا سوف نجد مسيحيين منهم بمنطقة ساحل فارس في عهد علي بن ابي طالب ، ولا نشك في انا وجودهم فيها مرتبطة بهجرتهم من عُمان في فترة سابقة لخلافة عثمان بن عفان».
ويقول عبدالمحسن عاطف سلام: «لا يوجد في الجزيرة العربية الآن مسيحيون على الاطلاق ، ويرجع هذا الى عهد عمر بن الخطاب الذي قرر ان لا يكون في الجزيرة العربية من غير المسلمين احد ، ومن ثم اقطع المسيحيين واليهود - وكان عددهم قليلا في الجزيرة - ارضا في جنوب سورية خرجوا اليها من الجزيرة ، ولا يوجد في البلاد الغربية مثل ليبيا وتونس والجزائر ومراكز مسيحيون الآن بين افراد الشعب ، ولكن ذلك لا يرجع الى تدخل من جانب الدولة في اي عصر من العصور».

انتشار الاسلام في اقليم الهلال الخصيب
وبالنسبة لانتشار الاسلام بعد الفتح الاسلامي في اقليم الهلال الخصيب فالامر يختلف عن انتشاره في اقليم الجزيرة العربية من حيث حجم هذا الانتشار وسرعته ، لقد تحولت نسبة كبيرة جدا من سكان اقليم الهلال الخصيب الى الاسلام ، وظلت مجموعات فيه تدين بالمسيحية واليهودية والمجوسية. يقول المقدسي: «ان في بلاد الشام يهود ونصارى ، وان اكثر الاطباء والكتبة من النصارى». ويقول: «ان في بلاد الشام يهود ونصارى» ، تقول سلوى بلحاج صالح: «تمكن الخليفة المهدي من تحويل كل نصارى تنوخ المقيمين بجهة حلب الى الاسلام». وتضيف «وحصل في عهد المهدي ايضا دخول بني سليح ، المقيمين بحاضرة قنسرين في الاسلام»وجاء في الطبري انه «لم يبق غربي دجلة الى ارض العرب سوادي ، الا امن واغتبط بملك الاسلام».. ولقد ظل للنصارى وجود كبير في بلاد الشام وفي هذا الصدد يقول المقدسي: «ان الوليد بن عبدالملك» وقف وكشف له على امر جليل وذلك انه رأى الشام بلد النصارى ورأى لهم فيها بيعا حسنة قد افتن زخارفها وانتشر ذكرها كالقمامة وبيعة لد والرها فاتخذ للمسلمين مسجدا اشغلهم به عنهم وجعله احد عجائب الدنيا» ويقول ان «بيت المقدس.. قليلة العلماء كثيرة النصارى.. قد غلب عليها النصارى واليهود».
وبالنسبة لاقليم وادي النيل ، فبعد فتح مصر يمكن القول انه بدأ فيها انتشار الاسلام في هذا الاقليم ، في البداية كان انتشار الاسلام بطيئا ثم تسارع الا انه اخذ عدة قرون ، ويقول جمال حمدان: «اذا كان الفتح قد تم بضربة واحدة ، فقد تطلب التحول الديني نحوا من قرنين الى ثلاثة او اربعة والمقدر انه اكتمل على عصر المماليك» ويقول عبدالعزيز الدوري: «انتشر الاسلام في مصر ببطء في البداية ، ولكن الربع الاخير من القرن الاول الهجري شهد تسارعا في انتشار الاسلام. ورغم اعادة فرض الجزية على المسلمين الجدد ، فان التيار اتسع بشكل ملحوظ منذ ايام عمر بن عبدالعزيز الذي امر باعفاء من يسلم من الجزية ، وتأكد هذا الاتجاه بمجيء العباسيين». ويقول ابو سيف يوسف: «على مدى القرون الاربعة او الخمسة الاولى للهجرة كانت غالبية المصريين «القبط» قد تحولت الى الاسلام» ويضيف قائفا ان: «الثابت تاريخيا ان كثيرين من قبط مصر قد دخلوا الاسلام طوعا او عن اقتناع» ، ويستدرك قائلا: «ثمة قطاع من الاقباط تحول الى الاسلام بدافع الرغبة في تحقيق المساواة بينهم وبين المسلمين وذلك بما يرفع عنهم وطأة التمييز في بعض المجالات السياسية والاجتماعي». ويقول: «بعد ان تحولت اكثرية المصريين الى الاسلام اصبح القبط يشكلون اقلية عددية بالمقارنة مع تعداد المسلمين» ويقول جمال حمدان: «ان معظم المسلمين المصريين او الكثير منهم اليوم انما هم معظم القبط المصريين الذين اسلموا بالامس ، بمثل ما ان اقباط اليوم هم بقية قبط الامس الذين استمروا علي عقيدتهم السابقة».

في المغرب العربي
وبالنسبة لانتشار الاسلام في اقليم المغرب العربي بعد الفتح الاسلامي فليس هنالك ، وكما جاء في دائرة المعارف الاسلامية ، معلومات مفصلة حول دخول البربر في الاسلام ولكن ، وكما جاء في هذه الدائرة ، فان هنالك معلومة اكيدة ان البربر قد ارتدوا عن الاسلام اثنتي عشرة مرة ، وهنا يجب ان يذكر مرة ثانية ان ارتداد البربر عن الاسلام لم يكن دافعه رفض الاسلام ، وانما شموخ البربر واعتزازهم بأنفسهم ورفضهم لسيطرة الاغراب عليهم. وينقل المعلم بطرس البستاني عن محمد بن ابي زيد: «ان البربر ارتدوا 12 مرة من طرابلس الى طنجة ، ولم يستقر اسلامهم حتى أجاز موسى بن نصير ومولاه طارق الى الاندلس بعد ان دوخ المغرب واجاز معه كثيرا من رجالات البربر وامرهم برسم الجهاد فاستقروا هنالك من لدن الفتح فحينئذ استقر الاسلام في المغرب واذعن البربر لحكمه ورسخت فيهم كلمة الاسلام وتناسوا الردة» وجاء في دائرة المعارف الاسلامية انه «لم يسد الاسلام نهائيا الا في القرن الثاني عشر الميلادي. وكان في ذلك القرن نفسه تلاشي اخر المسيحيين من اهل البلاد».
ويقول فيليب حتي: «ان تعريب البربر لغة وجعلهم يعتنقون الاسلام معجزة من حيث الوقت الذي تم فيه ذلك» ويقول برنارد لويس «ان البربر بعد مقاومتهم العنيفة للعرب الفاتحين انضموا اليهم في فتح اسبانيا ، وهم بعد ذلك احتلوا وحولوا الى الاسلام سكان جنوب الصحراء السود».
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش