الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شعرية اللغة السردية في القصة القصيرة

تم نشره في الجمعة 25 تموز / يوليو 2008. 02:00 مـساءً
شعرية اللغة السردية في القصة القصيرة د. إبراهيم خليل

 

 
من المعروف أن القصة القصيرة هي أقرب فنون النثر إلى الشعر خلافا للرواية مثلا أو المقالة أو السيرة الذاتية أو السيرة غير الذاتية والمذكرات وأدب الرحلات والانطباعات الخاصة . فهي من الفنون القولية التي لا تقوم - في الواقع - على خصائص تجنيس مستقلة تجعلها مختلفة عن غيرها من الفنون. وهذا ما يجعل وضع تعريف نوعي لها من الأمور الصعبة جدا ، إن لم يكن من المستحيلة. فلو استعرض القارئ عددا كبيرا من القصص القصيرة لكتاب من أجيال مختلفة ، ومن أزمان وعصور متباعدة ، لوجد في كل قصة عملا يختلف عن غيره من الأعمال ، وما بينه وبين باقي القصص من الأمور المشتركة لا يتعدى كونه سرداً ، وأن فيه حدثا يحكى ويروى ، وأن فيه أشخاصا يفعلون أفعالا ، أو يتذكرون أو يتكلمون ، ويعترفون اعترافات تمثل مجريات القصة الفعلية. وقد يجد قصصا لا تتوافر فيها مثل هاتيك العناصر المشتركة.

وما يقربها من الشعر طواعيتها للتعبير عن الذات خلافا للمسرحية ، واعتمادها على التركيز والتكثيف والاكتفاء من الشيء بالإشارة إليه بعيدا عن التطويل ، والتفصيل ، الذي ربما كان من سمات الرواية. وجنوح الكاتب فيها إلى اللغة الأدبية الأنيقة عوضا عن اللغة المعبرة عن الحياة اليومية العادية ، مثلما هي الحال في السرد الروائي. فالقصة الواحدة ومجموعة القصص يمكن أن تسودها روح التجانس اللغوي ، إذ لا ضرورة فيها لإبداء التنوع الأسلوبي والكلامي لمحاكاة خطاب الناس مختلفي الميول والمشارب في حياتهم العامة.وقد تعتمد القصة القصيرة جدا على الإيهام بامتزاج الحقيقة بالأحلام والكوابيس ، وقد تعتمد المفارقة مثلما تعتمدها القصيدة فيعزف الكاتب على وتر التناقض الظاهري بين تلك الأشياء التي تتشكل منها أجواء القصة .

الوشم

ومن يقرأ قصص هند أبو الشعر ، ولا سيما التي تضمنتها مجموعتها الأخيرة" الوشم" يتضح له أن هذه القصص تقتربُ بالمؤلفة من لغة الشعر. فعلى صعيد البناء ثمة مفارقاتّ كثيرة تذكرنا بوضعية بنائية استقلت بها القصيدة القصيرة.

ففي قصة لها بعنوان (اليقظة) يخبرنا الراوي بلقاء يحدث بين رجل - فنان - وامرأة . وكان الفنان قد أنجز لتوه رَسْما(بورتريه) للمرأة التي يحلم بها منذ زمن. ولاحتْ له المرأة نفسها فجأة أمام اللوحات وهي تتجول في المعرض الذي تم افتتاحه في المركز الثقافي. أما الحوار الذي يدور بينهما فهو من جانب واحد هو الفنان الذي يحدثها وتستمع إليه ويصر إصراراً شديداً على ضرورة أن تكون له ، فهو الذي رسم اللوحة بعد أن تسربت بطيفها في عروقه ، وسطعت مثل نجمة لامعة في أحلامه. ولن يقوى على فراقها لحظةً بعد الآن.ثم تقرر المرأة التي لم تعرف الفنان من قبل الهروب ، وهو يهددها بالقتل إن هي تركته ، وأنه سيلحق بها إلى أي مكان في العالم . وحين ركض خلفها ، وهو ينادي بأعلى صوته ، فوجئ حارس المركز ، الذي راح يؤكد له بأن أحدا لم يزر القاعة التي ظلت طوال اليوم خاوية ، والأضواء بقيتْ مطفأة.

هذه القصة يندمج فيها الوهم أو الحلم بالواقع .

فالفنان رأى السيدة في الحلم ، ولكنه ظن ما رآه واقعا ، فتصرف على أساس أن السيدة ذات الثوب الأزرق انبثقت أخيرا ، وأن عليه ألا يدعها تفلت من يده ، لكن الحارس أيقظ الرجل الحالم في موقف يثير التهكم والسخرية من الفنان الذي ظل وحيدا سحابة نهاره بين لوحاته التي لم يشاهدها أحد ذلك اليوم.

وفي قصة لها أخرى بعنوان( الساعات ) يداهم البطلة الوقت وهي تتهيأ للقاء بصديقها بعد الدوام . كانت تريد لقاءه بأبهى زينة وأجمل حلة ، غير أنّ ما بقي عليها هو اختيار الساعة المناسبة . وفي تلك اللحظة تكتشف أنّ لديها ست ساعات تتلألأ بوميضها الفضي. فتتذكر الزمن الذي يلاحقها مثلما يلاحق الآخرين .. ودقات الساعة تتوالى في إيقاع سريع لاهثْ فحيثما التفتت وجدت أمامها ساعة تذكـّرها بإيقاع الزمن المتسارع.. في غرفة النوم.. في الصالة.. وفي السيارة ، ويتحول جل ما حولها إلى ضجيج لا يُسمع منه سوى دقات الساعة تدوّي في تتابع سريع جداً . وعندما رأت ، وهي في طريقها إلى العمل ، واجهة أحد المحلات الخاصة ببيع الساعات تتوقف لا شعوريا أمام الواجهة التي تصطف فيها مئات الساعات الفضية اللون ، ثم تبادر البائع المندهش :

- أريد ساعة . أريدها حالا . أرجوك.

فالقصة مثلما هو بيّنّ وواضح تقوم على موقف لا يخلو من تناقض ظاهري ، فالبطلة التي تكاد تنفجر غيظا عندما ترى جل ما حولها يذكرها بالزمن ومروره السريع ، وبأنها لم تعد تسمع سوى نبض الوقت اللاهث ، متجسداً في دقات آلة الضبط (الساعة) مع ذلك ، وبدلا من أن تحطم الساعة أو تلقي بها في صندوق للقمامة ، وبدلا من أن تقلع نهائيا عن النظر في الساعة التي تلتف حول معصمها الرقيق ، تتعجّل البائع لتحصل على ساعة جديدة.فكأننا بالكاتبة تريد أن تتهكم من طبائع الناس الذين يلومون الزمن كثيرا كلما حزب الأمر ، ويشكونه مر الشكوى ، ويعبرون عن الحسرة كلما تذكروا ما مرّ بهم من وقت دون أن يشعروا بمروره ، إلا أنهم ما فتئوا يرقبون أي شيء يمكن أن يجدوا فيه معيارا للزمن بما في ذلك الأجندة ، والساعة .والبطلة في قصة الساعات لا تعدو أن تكون واحدة من هؤلاء الذين يتسم موقفهم من الزمن بالتناقض العجيب ، والتنافر الغريب.

وقصة( الرهان ) تعتمد هي الأخرى على تصوير تناقض الإنسان في أداء لا يخلو من تهكم وسخرية على الرغم من مأساوية الموقف.

ففيها تصور الكاتبة هند أبو الشعر مشهداً لسباق يراهن فيه المشاركون على خيول ، فالمتكلم يراهن على فرس هي العنود ، وذلك شخص يراهن على حصان يسمى الرعد ، وثالث يراهن على جواد يقال له العاصفة. في حين أن شخصاً واحد لا يراهن على أي من تلك الخيول ، ويسمعه الراوي ، وهو يقول ، مؤكداً:

- كلها خاسرة. رهانّ لا معنى له.

واللافت للنظر أن الحضور يستديرون نحوه ، هاتفين بغضب : خائن ، خائن ، اذهبْ إلى الجحيم. ثم يخرجونه من المضمار . فيما السباق يمضي ، والكل يركض ، العنود ، والرعد ، والعاصفة ، والحناجر تركض في موازاة تلك الخيول ، والعرق يتصبّبُ من الجباه ، والبعض يسقط معفرا بالغبار ، ومع ذلك لا أحدَ يربح ، ولا أحدَ يخسر ، والرهان لا ينتهي.

يتضح التضاد الظاهري من اتهام المشتركين في السباق صاحب الرأي المختلف بالخيانة العظمى ، وإخراجهم له من المضمار ، هذا مع أنهم يقررون أن هذا السباق كغيره لا يأتي بأي نتيجة ولا يتوقف. فعبر هذا التناقض ، الذي لا يخلو من مفارقة ساخرة ، توجه الكاتبة النقد إلى الكثير من ممارسات المجتمع ، فهو يصرُّ على الشيء على الرغم من يقينه بأنه لا قيمة له ، ولا فائدة.

إنقاذ

ومن أبرز المفارقات الساخرة في قصص هند هذه القصة الموسومة بعنوان( إنقاذ). ولا ريب في أن من يقرأ هذه القصة سيقول لنفسه أين هو الإنقاذ فيها؟ فالنتيجة التي انتهت إليها من تروي الحكاية القصيرة جدا هو أنها بدلا من أن تلقى السلامة على يدي المنقذ المخلص يتهيأ هذا المنقذ لكي يجهز عليها ، ويُصفيها تصْفيةً جسدية بفأس ، الحقّ الذي لا شك فيه ولا ريب أنها لامعة ونظيفة وحادة ، ولا تترك ألما عند الاستعمال.والقصة لا تختلف عن الكابوس ، فالراوي ، أو الراوية ، يتهيأ لها أن قامتها الطويلة ستمثل مشكلة لمن يدفنونها حين تموت ، فالتابوت لن يتسع ، وكذلك القبر.لذا يلجأ القوم إلى حلّ يذكرنا بسرير سربروس . وهو أن يجتثوا من قامتها المديدة الجزء الزائد عن امتداد التابوت أو القبر باستخدام فأس لامعة ونظيفة. وفي الأثناء يتهيأ للسارد أو الساردة أن المنقذ يقترب منها قائلاً لا تخافي يا عزيزتي. يقول هذا وهو يمد يده بالفأس الحادة مثل مقصلة تتهيأ لتنقضّ عليها من جهة الرأس . في هذه الحال يتضح التناقض ، فمن أين يأتي الإنقاذ؟ أهو من إبعاد شبح (المزعجة) و( الملعونة) أم من اليد الفولاذية التي تداعب الرأس؟ أم من الفأس الجديدة التي يوحي لمعانها بأنها أحدّ من الشفرة؟

والقصص التي تقوم لديها على المفارقة كثيرة ، منها بطاقات تأتي من بعيد التي تجمع بين شقيقين هما حسن ، وهالة ، التي تكبره بعشر سنوات ، ومع ذلك يحاول أن يقنعها بأن الكلمة في البيت هي كلمته ، ولذا يطلب منها التوقف عن العمل لأن زميلها الذي يشترك في دورة باليابان يرسل إليها بطاقات بريدية شأنها في ذلك شأن زملائها الآخرين في المؤسسة . وعندما تذكره بأن راتبها الذي تتقاضاه هو الذي ينفق على البيت يتراجع فيما يشبه العدول عن الشخصية الآمرة إلى شخصية أخرى تذعن للظروف .وفي قصة لها أخرى بعنوان(مظلة)( يجتمع إحساس المرأة التي تنتظر الباص منفردة تحت المطر بالحاجة إلى من يشاطرها الشعور نفسه: شعور الوحدة ، والشاب الذي يحمل المظلة هو الآخر يعاني الإحساس بالوحدة فينضم إليها وتقترب منهما الروحان ويجتمع وحيد بوحيدة للحظة من الزمن : أنفاس عطرة ، وصوت رخيم عذب وحنين نزق وكلام عن المطر. هو يقول إنه لا يحب المطر لأنه يجعل الشوارع تهدر كالنهر المجنون ، أما هي فتحبه لأنه يغسل الأعماق الغائرة.

ومثلما نشأت اللقيا بينهما على عجل وفي لحظة أضيق من سم الخياط ، افترقا في لحظة أشد ضيقاً"عندما فتح فمه كان ضجيج الباص العام يصمّ الروح ، ويقتل وجيب القلب." لننظر كيف تغير الرجل :"سارعت إلى الباص تاركة الفرح ينسلّ من فؤاده على إيقاع الشعور بفقدان المرأة. ظل المطر يغسل شواطئ أعماقه الغائرة ، ويفيض مبللاً عروقه الجافة ، ويهز شغاف الروح".

فالتضاد هنا ليس في موقف الرجل والمرأة من المطر إنما التضاد في التحول المفاجئ لدى الرجل نفسه من المطر ، فقد بدأ يدرك أن روحه تشفّ ، وتغدو نقية ، بفضل الأمطار التي تغسل شواطئ الروح.

لغة الذات

ومما يقرّبُ قصص هند هذه من الشعر اعتماد الكاتبة على الراوي المتكلم الذي هو الشخص الرئيس في القصة فيأتي السرد ذاتيا في الغالب . ففي قصة الذاكرة نقرأ" تجمد الدم في عروقي ، التصق لساني بفكي الأعلى"وفي قصة السفر نقرأ:"وضعت الحقيبة على الرصيف ووقفتُ أنتظر ."وفي أسلاك شائكة"أحنّ إلى الجانب الآخر من هذا السهل الأخضر ، أتطلع عبر الأسلاك الشائكة إلى شقائق النعمان."وفي يمامة الروح نقرأ"نافذتي تنفتح بسخاء على عالم واسع لا نهاية لامتداده . لا شيء بيني وبين المدى ." وفي قصة الهاتف"ارتعشت شفاه أقربهم إلي . وتجاهلوني ."

وكثرة استخدام الكاتبة للسارد الذاتي أضفى على القصص طابع البوح ، وأتاح لها تكرير المشهد السردي وهو من الوسائط التي يلجأ إليها القاص في العادة لإضفاء السلاسة والإيقاع النثري على القصة: ففي (الساعات) تتكرر اللقطة التي تصف ارتباط الساعة بالمرور اللاهث للزمن:"حملتْ حقيبتها. كان صوت دقات الساعة المتتالية يلاحقها تك.. تك.. تك.. ست ساعات .. يا للقسوة، ست ساعات تعد الزمن وتلاحقها. تذكرت أنّ في غرفة نومها ساعة ، وفي الصالة ساعة ، وفي في السيارة ساعة ، وفي ساحة الجامعة ساعة ، شعرت بالخجل يتملكها وهي تتذكر أن هناك من لا يملكون ساعة واحدة ."

ويتكرر هذا المشهد في صورة أخرى"تك. تك. تك. اختلطت بموسيقى خطواتها . ارتعشت. أهذا هو لحن الرجوع الأخير ؟ اندفعت بسرعة . قررت أن تغلق باب الحديقة . وأن تصفقه بقوة لتغيّر من صوت لحن الرجوع الأخير . فتحت باب السيارة . ألقت بحقيبتها على المقعد الأمامي المجاور . جابهتها الساعة المثبتة أمامه. تك. تك. تك . اللعنة . متى ستتوقف عن حساب الزمن".

العبارة القصيرة:

إلى جانب هذا التكرار ، وهو من السمات اللاصقة بالأسلوب الشعري ، ولغته تحديداً ، نجد الكاتبة في قصصها هذه تتوخى تواتر العبارة القصيرة في نسق ينم على سرعة السارد في تتبع الخبر. فمن قصة الجسر نجد النموذج الآتي الذي تتواتر فيه الجمل القصيرة في إيقاع سريع لاهث"الجسر وحده يلوح من بعيد . يقترب. امرأتك تقترب. الجسر يقترب . الطريق الإسفلتية جهنم تتلوى مثل أفعى. الأفعى تتلوى. تقترب. تقترب. الجسر أخيراً. الجسر، ها هو. السرعة.. دمك يصرخ . وجه امرأتك يلاحقك .. عيناها تطلان من المرآة. زاد الحصار أكثر .. أكثر.. تصرخ. الغبار يتسرب .. المسافات تهرول".

فمع استبعاد حروف الربط والعطف يبدو تتابع الجمل في إيقاع سريع لاهث يضفي على النثر فيها بعض النغمة الموسيقية التي تقربها من القصيدة .وفي المشهد الوصفي الذي يتكرر في قصة (ذات صيف) نجد الكاتبة تعتمد هذا التواتر في العبارة القصيرة ، وهو تواترّ لافت للنظر بلا ريب"الأصوات تتداخل. هو. المرأة الخائفة. أمواج العيون تلاحقها.تغسلها . الزبد يعلو. النوارس تهاجر. الشواطئ تكبر . الأمواج ترتد .. ترتد .. تسرع الخطى بجنون أكثر .. أكثر." وفي قصة أخرى هي (الطريق) نقرأ"أتطلع حولي . والغروب يتلاشى. والغيم يركض . يركض الخوف أيضا في مسامات جلدي. أرتعش. الليل يجيء. تتراقص أمام ناظريّ أشياء تشبه الأشباح. اللعنة. اللعنة. ماذا لو اصطدمت بجسم ما فجأة؟ جسم يقطع الطريق محتميا بالمطر. ماذا سيحدث لو سمعتُ صراخاً يقطع المسافات الخالية؟ سأقتل نفسي إذن".

فانتازيا الصورة

ومع أن القصة القصيرة كغيرها من الفنون النثرية نادرا ما تعتمد التعبير بالصور شأن الشعر ، نجد الكاتبة في مجموعة الوشم خاصة تلجأ لا إلى الصورة حسب بل إلى صورة تخالف المألوف والسائد في التعبير ، مقتربة بذلك من الخيال الشعري الذي لا يقيم وزنا لمبدأ المحاكاة المرآوية للواقع.وهي في ذلك تقترب مما يعرف بقصص الخوارق . ففي قصة (الذاكرة) التي سبق التنويه إليها في غير هذا الموضع تروي لنا البطلة التي لاقت حتفها على أيدي ذوي البساطير الجاثمة فوق الخاصرة ما ندّ عنها من صراخ ينفلت من الذاكرة. وتلقي نظرة أخيرة على جمجمتها المتناثرة . وتتابع الحضور وهم يتسابقون لحمل الجثة ، والأصوات الجنائزية التي تلهج في ندبها وربما قصائد الرثاء التي لا تخلو من صدق . وفي هذه الأجواء ينحرف مسار القصة فإذا هي بعد أن تتمدد في كل اتجاه : وردة حمراء نديّة تنبثق من الرصيف ، مليئة بالأشواك الحادة لكنها وردة حمراء يعزّ مثيلها. وهذه الصورة بلا ريب : الوردة الحمراء المتألقة في موقع الجثة المتمددة إيحاء رمزي بأن الحياة تنبثق من الموت إذا لم يكن من النوع المجاني.

ومن النماذج التي تتحقق فيها شعرية الصورة قصة سالومي ، وهي قصة تلجأ فيها الكاتبة لتوظيف الأسطورة مثلما يقال في نقد الشعر .فبعد أن تروي لنا الساردة حكاية الليلة التي رقصت فيها سالومي أمام الملك هيرودوت الذي عرض عليها مكافأة أن يلبي لها ما تطلب حتى ولو كان رأس يوحنا المعمدان نجدها تطلب فيما يشبه المفارقة التي تكسر توقع القارئ رأس الأم الحبيبة"مولاي . أريد رأس أمي الحبيبة في طبق فضي" وبعد أن لبي طلب سالومي الغرائبي نجد الساردة تروي :"لا أحد يعرف ما الذي حدث في الباحة المترفة المضاءة بضوء قمر صيفي حنون . ويقال بأن يوحنا المعمدان توقف عند باب السجن .. ركع وصلى للرب صلاة لم يسمع الكون أعمق منها ولا أحلى. وأن حمامة ناصعة البياض جاءته من صوب القمر يغمرها الضياء الفضي الساكن ، وطارت بشفافية فوق رأسه . وارتفعت إلى السماء البعيدة ، ويقال إن سالومي اختفت وأن الموسيقى توقفت وأن طبقاً فضياً تنزّ منه الدماء صرخ قائلا : أعدوا طريق الرب .. وهيئوا سبيله. وزهرة برية نارية اللون نبتت مكان خطى سالومي. وهي - أي الزهرة - تتمايل بحركات جميلة كلما أضاء القمر في ليل صيفي حنون."

إلى ذلك لا يخلو نسيج القصص من ابتداع علاقات تركيبية بين الألفاظ تقوم على الانزياح : نارية اللون ، قمر صيفي حنون ، صرخة تفلت من الذاكرة ، يد فولاذية ، تسربت بطيفها في عروقه. سطعت مثل نجمة لامعة في أحلام ، الغيم يركض في مسامات جلدي. الطريق الإسفلتي جهنم يتلوى مثل أفعى.صراخ يقطع المسافات الطويلة.الفرح ينسل من فؤاده. يصم الروح. يقتل وجيب القلب . المسافات تهرول . نافذتي تنفتح بسخاء على عالم واسع لا نهاية لامتداده .لا شيء بيني وبين المدى.شغاف الروح . المطر يغسل منا الأعماق الغائرة. الشوارع تهدر بجنون. ومن يتتبع مثل هذه الاستعمالات في القصص سيجد الكثير مما لا يستطاع ضبطه ، وحصره. وهو ينمُّ على حقيقة أنّ الكاتبة تتعمّد أن يكون للغتها السردية هنا طابع الشعر وفضاؤه المجازي.



ہ ناقد واكاديمي وكاتب أردني

Date : 25-07-2008

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل