الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العلم لا التراث أداة التقدم : خطاب العلم في عصر النهضة العربية

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2008. 03:00 مـساءً
العلم لا التراث أداة التقدم : خطاب العلم في عصر النهضة العربية زهير توفيق

 

 
في أعقاب حملة نابليون بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر ، انشغل المشرق العربي بأسرار القوة والتفوق ، واكتشف تأخره التاريخي مقارنة مع أوروبا ، كما اكتشف مقدار الهوة الحضارية التي ما تزال تتسع بفعل التقدم العلمي بين الشرق والغرب ، وقد هزت هذه الحقائق ثقته بنفسه كعنصر متفوق على الآخر ، ولم تعد هويته الفريدة ومرتكزاتها التاريخية قادرة على التعرف على ذاتها في عالم متغير يصنعه الآخر.

وكانت استجاباته ذات طبيعة مزدوجة قاصرة عن التعامل الفعّال مع مظاهر التقدم الغربي ، وأساسه الموضوعي العلم والعقلانية ، وما تزال استجابات الذات العربية انتقائية عاجزة عن تمثل التقدم الأوروبي ومقاربته كما هو في ذاته ، لكنه (التقدم العلمي) اكتسب أهمية بالغة في الخطاب النهضوي ، واعترفت بأهميته وجدواه وفائدته الموضوعية جميع التيارات الفكرية العلمانية والسلفية ، وأصبح العلم لا التراث أداة التقدم وبناء المستقبل ، وفقد الماضي قيمته الوظيفية والحضارية أمام التقدم الغربي ومظاهره العلمية. وقد أغفل مفكرو عصر النهضة العربية - في الأغلب الأعم - المراحل والأسس والمقدمات الحضارية التي قطعتها أوروبا حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في سياق التراكم والإنجاز ، ولم تكن تلك البنية منقطعة معزولة عن سياقاتها الأخرى: كالتنوير ، والعقلانية ، والثورة الصناعية ، والعلمانية ، وكلها مراحل أساسية ، وشروط أولية لانطلاقة علمية متحررة من أثقال الماضي والحاضر ، للتأثير في الواقع وتغييره.

وبسبب تجاهل أو إغفال هذه الاستمرارية والشروط ، فقد تحول التمثل والاقتباس إلى دعوة نخبوية لم تتجذّر في الواقع العربي ، ولم تتحول إلى تيار عارم ، أو رأي عام ، رغم الحماس والإحساس بالدور الحاسم للعلم في التقدم والنهضة. وأكثر من ذلك فقد خلط المشرق العربي ما بين الأسباب والنتائج ، وغيّب القاعدة المادية التي أهّلت العلم لأن يؤدي دوره الثوري ، الذي أداه في الحياة الاجتماعية الأوروبية ، من خلال انخراط العلماء والمفكرين الغربيين في المعارك الحضارية التي خاضتها مجتمعاتهم ، بعكس العلم العربي في العصور الوسطى ، الذي بقي معزولا عن الحياة السياسية والواقع ، كما غيّب دور المؤسسات السياسية والمجتمع المدني ، الذي جعل العلم رافعة التقدم ، وضمانة استمراره ، من خلال ربط العلم بالحاجات والإنتاج المادي.

ويمكننا التأريخ لخطاب العلم في الفكر العربي الحديث بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر ، الذي شهد حراكاً فكرياً وعلمياً ، تمثل بعودة البعثات العلمية المصرية التي أرسلها محمد علي باشا للدراسة في فرنسا ، وأغلبها بعثات لدراسة العلوم البحتة والتطبيقية ، ورافق ذلك تأسيس الجمعيات ، والمجلات العلمية التي تعنى بالاكتشافات والنظريات العلمية الجديدة ، كمجلة "المقتطف" ، التي استقطبت أعلام الفكر العربي ، وخاصة تياره الليبرالي منذ تأسيسها سنة 1876 ، وشهدت صفحاتها سجالاً فكرياً حول العلم ، والنظريات الحديثة ، وأثرها الاجتماعي.

و لم يتأسس هذا العلم كمنظومة عقائدية (أيديولوجيا علموية) إلا في نهاية القرن التاسع عشر ، على يد الطبيب اللبناني والمفكر النهضوي شبلي الشميّل ، الذي تبنى نظرية داروين في النشوء والارتقاء ، رمز التقدم والمستقبل ، وآمن بالتطور كمبدأ وآلية تتحكم في المجتمعات ، والطبيعة ، والكون ، واعتمد على شروحات بوخنر ، وترجمها للعربية ، وأضاف إليها فيما بعد نصاً مطولاً بعنوان "الحقيقة" ، وجعل من هذه النظرية مبدأ تفسيرياً ومعياراً للحقيقة الكلية ، وأصبحت النظرية سلاحاً أيديولوجياً لمناهضة الجمود ، والتأخر ، والأديان ، ووضع العلوم الإنسانية ، والخرافات ، والأديان في سلة واحدة يجب التخلص منها لعدم جدواها ، والتمسك بالمردود الفعلي المادي للعلم الطبيعي ، كما دعا لبناء المعامل ، والمختبرات ، والمؤسسات العلمية ، لتحقيق التقدم ، وراهن على قدرة العلم على تحقيق السعادة ، والحرية للإنسان. وواصل خطاب العلم الراديكالي تقدمه وتطوره على يد سلامة موسى ، ويعقوب صروف ، وفؤاد صروف ، وإسماعيل مظهر ، وفرح أنطون ، الذي اعتبر العلم أداة التقدم والإصلاح ، وأعلن رداً على الشيخ محمد عبده "إن القول بأن الالتفاف حول الدين يمكن الأمم الإسلامية من إحراز مستوى الغرب الحضاري ذاته - وهو المستوى الذي وصل إليه بالتقدم العلمي - هو ببساطة تجاهل طريقة تطور الحضارات وفشل في فهم الطبيعة الإنسانية ، أن الفهم السليم للتاريخ وللمجتمع ولأساليب إصلاحه ، لا يمكنه أن يستمد إلا من العلم ، أما الفكر الديني فانه لا يجلب للمسألة إلا التشويش ، وان اعتبار الوحدة الدينية كما فعل الأفغاني أساس التقدم الاجتماعي أفضى إلى ضعف وانحلال متزايدين".

وبهذا الوضوح: أفصح خطاب العلم عن ذاته ، وعن أهدافه الراديكالية ، بإقصاء الدين ، أهم العوامل المحركة للحياة الاجتماعية في الشرق ، ومصدر الثقافة ، والقيم الحضارية ، وأساس الهوية ، لإفساح المجال لعقيدة مغايرة تماماً ، قادرة حسب هذا الخطاب على تحقيق النهضة والتقدم ، وأصبحت علاقة العلم بالإيمان نقطة الخلاف الأساسية بين العلمانيين والسلفيين ، ومن أبرز رواد النهضة وبناة الخطاب العلمي: د. علي مصطفى مشرّفه ، عالم الفيزياء والرياضيات المصري ، من خلال انجازاته العلمية البحتة في الرياضيات والهندسة والفيزياء ، ومساهماته الفكرية لتبسيط العلم ، وجعله ثقافة شعبية ، والتأكيد على دور العلم في التقدم الأوروبي ، فكتب "مطالعات علمية" سنة ، 1934 و"نحن والعلم" سنة 1945 ، و"العلم والحياة" سنة ,1946 واعتبر أن النهضة الأوروبية الحديثة ثمرة من ثمار النهضة العلمية ، ورفض فكرة الاعتماد على الغير ، أو حرق المراحل ، وحبذا كما يقول: "البدء من حيث بدأ غيرنا وان نسلك السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى القوة والرفاهية المادية وهذا السبيل يبدأ بالفكر ويبنى بالبحث والتطبيق العلمي".

أما معيار الحقيقة لديه فهو العلم ، والذي يحدد ما يستحق أن نستعيره أو نرفضه من الغرب ، واعتمد على العلم لفرز التراث الحي الذي يستحق الاستمرار والحياة ، ويعتبر د. مشرفه صاحب ما اصطلح على تسميته بـ "نظرية الاصطدام" في الفكر العلمي النهضوي ، وهي رؤية مستوحاة من علم الفيزياء لتطبيقها على المجتمع المصري ، وجوهرها أن هذا المجتمع الذي يعاني صراعاً فكرياً بين التراث والحداثة ، يحاول أن يتوازن بصياغة موقف فكري واضح من المدنية الأوروبية ، والتراث العربي. وشبّه المدنية الأوروبية القوية المتقدمة بالجسم المتحرك الذي يتجه ويصطدم بالجسم الساكن ، ويقصد مصر. واعتماداً على قوانين الفيزياء فإن نتائج هذا الاصطدام ستكون لمصلحة مصر مهما كانت النتائج ، وبغض النظر عن المماثلة الميكانيكية فإن د. مشرفه كان من أهم المدركين لأهمية العلم في بناء المستقبل وتحقيق التقدم.

وساهم خطاب العلم في عصر النهضة بزعزعة الثوابت المطلقة ، والقيم التقليدية المنافية للعقل والمنطق ، وهي الثوابت التي توارثها العقل العربي من العصور الوسطى ، فقيّدته وأقعدته عن الإبداع ، وخلق سجالاً فكرياً وعلمياً حول العلم والتطور ، ودور العلم والتعليم في تحقيق الإصلاح والنهضة ، وأسس رواد النهضة العلمية الجمعيات ، والصحف ، والمنتديات ، وألقيت فيها المحاضرات حول فضائل العلم والتصنيع ، وكيفية نقل المجتمع العربي من مرحلة الرعي والزراعة ، إلى الصناعة وليدة العلم والعقلانية.

ولكن هذا الخطاب بقي أسير معوقاته المعرفية ، التي أعاقت التيار الليبرالي ، ومنعته من التجذّر والرسوخ في الأرض العربية ، وهزمته أمام السلفية ، والأصولية ، والتغريب ، وبقي هامشياً فكرياً ومادياً ، ولم يتوفر له الحامل الاجتماعي القادر على تحويله إلى واقع ومؤسسات للأسباب التالية:

1. هشاشة الطبقات الوسطى العربية وبنيتها المتذبذبة ، التي لم تقطع علاقاتها المادية والفكرية مع الطبقات الإقطاعية المناهضة للعلم والتنوير ، فأغلبها تحدّر من أصول وفئات طبقية أعادت إنتاج ذاتها ، وتكيفت مع التغيرات الحديثة الجارية حينذاك في الشرق العربي ، ولذلك فقد بقي العلم ، والتنوير ، والحداثة العقلانية ، مشاريع مؤجلة تحتاج لعوامل موضوعية ، وحوامل اجتماعية ، لترجمتها إلى واقع ملموس.

2. ولم يتبين رواد النهضة العربية قوة العلم الثورية في تغيير البني العقلية والإنتاجية ، ولذلك لم يكتشفوا التلازم الضروري ما بين العلم والعقلانية إلا فيما ندر ، ونظراً لهيمنة الدين في الحياة الاجتماعية ، فقد حوّل المفكرون النهضويون العلم إلى منظومة عقائدية علموية بديلة ، تستهدف إزاحة الدين من الوعي الاجتماعي ، وعزله ، والحلول مكانه ، بدلاً من علمنة الخطاب الديني ، وتحقيق الإصلاح الديني بما يمتلكه العلم من الصدق المنطقي والتجريبي ، بل إنهم استعدوا الدين والمتدينين من حيث المبدأ ، وأصبحت قضية عزل أو إقصاء الدين من الحياة الاجتماعية شغلهم الشاغل ، ولم يتبيّنوا مستوى تغلغله في النسيج الثقافي ، والقيمي ، والاجتماعي العربي ، حيث يتماهى الدين مع الحياة الروحية للفرد العربي ، على جميع المستويات ، ولهذا فشلت وستفشل معارك العلمنة والإلحاد في تحقيق غاياتها وتأثيراتها في الجماهير التقليدية.

3. لم يتحول خطاب العلم الكلاسيكي إلى تيار شعبي عام ، فبقي خطاباً نخبوياً ، يملي أفكاره على الجماهير التي يعتبرها موضوع التنوير بالعلم ، وليست أداة فعالة ، وذاتاً قادرةعلى الفعل المستقل النابع من الذات الإنسانية العاقلة ، ولم ير إمكانيات تحولها ومستقبلها وطاقتها التغييرية إذا أحسن تدريبها وتعليمها. 4. تحول خطاب العلم العربي إلى خطاب رومانسي مثالي ، أعلى من دور العلماء في العملية التاريخية ، واختزل عوامل التقدم والنهضة بحفنة من العلماء والاختراعات ، وعكس خطابهم (رواد النهضة) تصورهم لحركة التاريخ والتقدم متعلقاً بحركة النخبة والانتلجنسيا العلمية.

5. اقتصرت المنهجية العلمية على المقايسة والمماثلة ، لاستخلاص قوانين للتطور الاجتماعي من خلال تطبيق مبادئ الداروينية على التاريخ والمجتمع وهي نظرة مادية ميكانيكية أو بلغة ماركسية مادية مبتذلة. 6. تأثر خطاب العلم الكلاسيكي بالمدرسة الوضعية المنطقية ، التي أفقرت مفهوم العلم ، ووظيفة الفلسفة العلمية ، بتحليل المفاهيم دون الاهتمام بالأبعاد التاريخية والاجتماعية ، وإصرارها على أن العلم مجرد وصف للتجربة ، بغض النظر عن المضمون ، والتعامل مع القوانين العلمية كعبارات ، واعتبار مهمة العلم مجرد وصف لهذا العالم وليست تفسيراً أو تحليلاً.

- كاتب أردني







Date : 11-04-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش