الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ماما روما» للمخرج الإيطالي بازوليني

تم نشره في السبت 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 مـساءً
«ماما روما» للمخرج الإيطالي بازوليني أحمد طمليه

 

 
يأخذنا المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني في فيلمه "ماما روما" إلى ضواحي مدينة روما ، ليرصد لنا واحدة من اعمق القصص التي تناولت إحساس الأمومة حين يصطدم بواقع بليد ، وقد اختار المخرج أن يضع الأم التي يسميها الجميع "ماما روما" لحيويتها المتدفقة (قامت بدورها الفنانة المتألقة آنا مانياني) في حضيض الرذيلة ، وذلك حين قدمها غانية تعمل ليلاً في شوارع روما تبيع المتع للمترفين. غير أن هذا التقديم جاء كخلفية للفيلم ، حيث لم يتوقف المخرج أمام حياة الليل ، فمن أول مشهد يقدم لنا "ماما روما" وهي تشارك في حفل زفاف الرجل الذي كان يدير أعمالها كغانية.

تبدأ أحداث الفيلم بعد حفلة الزواج تلك ، حيث تؤشر الأحداث أنه قد أصبح لدى ماما روما ابن في سن المراهقة ، وكل حلم الأم أن يعيش ابنها حياة صحية نظيفة ، بعيدة عن حياة الليل والحضيض والرذيلة. تتمنى أن يكسب ابنها أجره من عرق جبينه لعل ذلك يغفر لها إحساسها بالذنب إزاء الحياة التي غاصت بها في زهرة شبابها.



هذه هي حبكة الفيلم : الأم تكسب عيشها من بيع الخضار على عربة متنقلة تجول بها الشوارع ، والأبن المراهق (ايتوري) يقضي أوقاته في الحواري ، بينما تسود وجهه ملامح محايدة ، حتى انك لا تعرف ما الذي يدور برأسه بالضبط ، غير أن له حضورا خفيا يجعله قياديا بين رفاقه ، فهو الذي يمشي في مقدمتهم ، ويختال في الشوارع ، وهو الوحيد من بينهم الذي تمكن من إغواء إحدى الفتيات الفقيرات في الحي وممارسة الحب معها.

تصدم الأم عندما تعرف بعلاقة ابنها مع تلك الفتاة ، فها هو الأبن قد كبر واصبح يبحث عن امرأة والله يعلم عن ماذا سوف يبحث فيما بعد ، فتشتري له دراجة نارية ، وتطلب من إحدى بائعات الهوى ، وهي صديقه لها ، أن تحاول إغواء ابنها لينسى حب تلك الفتاة ، خاصة أنه بدا متيماً بها وصار يطلب من أمه المزيد من النقود ليشتري لها الهدايا.

تواصل الأم قلقها على الابن الذي بدأت عيناه تتفتحان على الحياة ، فتقرر أن تجد له عملا شريفاً يكسب منه رزقه ، وبالفعل تتمكن من إيجاد فرصة عمل له كنادل في مطعم الحي بعد أن قامت بابتزاز صاحب المطعم وتهديده بالفضيحة بالتعاون مع مومس صديقة لاقناعه بتشغيل ابنها. ويقدم لنا المخرج هنا واحداً من أرق المشاهد وأكثرها إثارة وذلك عندما تذهب الأم بصحبة رفيقتها لمشاهدة ابنها وهو يعمل في المطعم ، فتقف على مقربة في انتظار رؤيته ، فيظهر الأبن وهو يحمل الصحون إلى الموائد ، وحين يرى أمه تراقبه يبدأ بالاستعراض والمبالغة بحركاته فلا تجد الأم إزاء ما شاهدت إلا أن تجهش بالبكاء وهي ترى حلمها قد تحقق على أرض الواقع ، وترى جزءاً منها يسير بخطى نظيفة بعيدة عن الرذيلة.

يحدث الانقلاب في الفيلم عندما يظهر الرجل الذي كان يدير أعمالها في حياتها ، فجأة ، ويطلب منها مبلغا من المال أو أن تعود لمواصلة عمل الليل ، مهدداً إياها بإبلاغ ابنها عن ماضيها في حال رفضها ذلك. في هذا الأثناء يكون الأبن قد أخذته الشوارع وبدا أن طموحه أكبر من أن يقبل بالفتات سواء الذي تقدمه الوظيفة ، أو الذي يأخذه من أمه ، فيجنح مع رفاقه إلى السرقة ، ويتورط في ذلك شيئا فشيئا إلى أن يمسك متلبساً في إحدى المرات ، فيقاد إلى الشرطة ويودع في السجن. وهنا يقدم المخرج مشهداً يمكن القول إنه هو الفيلم ، أو أن الفيلم كله قام عليه ، وذلك ، حين يظهر الأبن مقيداً من يديه وقدميه مصلوباً على سريره ويصرخ مناجياً أمه طالبا الرحمة دون مجيب.

ينتهي الفيلم بمشهد الابن مصلوباً على سريره دون حراك ، فينقل خبر وفاته إلى الأم التي تكون في هذا الأثناء في السوق ، وبمجرد أن تسمع بالخبر تركض باتجاه شقتها فيلحق بها الجيران ، تدخل الشقة ، تتجه نحو ملابس ابنها ، تحضنها ، ثم تتجه نحو النافذة ، فترى أحياء روما الثرية ، يمسك بها الجيران خشية أن ترمي بنفسها ، غير أنها تواصل النظر إلى مدينة روما من الجهة الأخرى ، وكأنها تحملها مسؤولية ما جرى لها ، وينتهي الفيلم بمشهد عام للمدينة وقد غدت طرفاً في مجريات الفيلم ، وفيما آلت إليه نهاية الفيلم.

عرض الفيلم ، للمرة الأولى ، أثناء مهرجان البندقية السينمائي في العام ,1962 ثم عرض بعد ذلك بشهر على نطاق واسع في صالات السينما في روما. وقد أثار في حينه ردود فعل غاضبة ، بسبب من مضمونه ، والطروحات الأخلاقية الواردة فيه ، من قبل بعض الأوساط المحافظة لدرجة تم فيها الاعتداء الجسدي على المخرج للاعتقاد الذي تولد لدى البعض بأن المخرج يكثر من استخدام الرموز الدينية وأنه يقصد المسيح بمشهد الابن مصلوبا على سريره. وقد توقف عرض الفيلم (33) عاماً حتى أعيد عرضه عام 1990 في الصالات الأمريكية وأعيد له الاعتبار كواحد من أهم الأفلام الواقعية السينمائية في بداياتها.

الفيلم ، على بساطة قصته مليء بالرموز والدلالات ، والمشاهد المفرحة التي تبدو أشبه بالرقص على الجراح ، كمشهد الأم وابنها وهما يرقصان رقصة التانغو التقليدية في الشقة الجديدة ، والمشهد الليلي الذي يظهر ماما روما وهي تسير في الشارع وتكلم نفسها بصوت عال ومرح ، وتتحدث عن معنى الحب والصداقة وقسوة القدر ، فيما يقترب منها على التوالي رجال عابرون ونساء شوارع ، يخاطبها جميعهم بلقبها: ماما روما ، ويعلقون على حديثها المستمر ثم يبتعدون واحداً واحداً.

وقد أسهم اسم الفيلم بإسقاط أزمة الأم على مدينة روما برمتها التي بدت في ذلك الأثناء تحتفي بحفنة من أبنائها المنعمين بحياة الرفاهية ، فيما السواد الأعظم من أبنائها يعيشون في الضواحي وحواف المدينة ، يلتقطون فتات رزقهم ، فيما تنتشر بينهم الرذيلة والسرقة وحياة الليل.

الفيلم فيه ادانة صارخة لواقع روما ، آنذاك ، حيث الفقر والعوز واستفحال الطبقية ، وقد نجح المخرج في تصوير كل ذلك برشاقة وإبداع جاعلا من حكايته موضعاً للجدال والنزاع. وهذا ليس بغريب على المخرج بازوليني فهو ينتمي إلى الجيل الذي ظهر بعد الواقعية الجديدة ، وظل مسكونا بهموم الناس في ضواحي المدينة والأحياء الفقيرة ، جاعللا موهبته الإبداعية أسلوباً جديداً في تقديم سينما تصل في نقدها للواقع إلى حد إثارة الإشكالات والجدل حولها. فبازوليني قبل أن يكون مخرجاً سينمائيا هو شاعر وقصصي وفيلسوف ماركسي ، ولم يتجه إلى السينما إلا عام 1945 ، علماً بأنه من مواليد بولونيا عام 1922 ، ومما يدلل على إشكالية شخصيته موته مقتولاً عام 1975 على يد ثلاثة رجال خرجوا فجأة في الظلام وانهالوا عليه وهم يصيحون "الشيوعي القذر" وذلك حسب رواية أحد شهود العيان.

الفيلم ، على أية ، حال ليس بريئاً من إيحاءات المخرج وخاصة وفاة الابن مصلوباً ، فقد صبغ الكثير من أفلامه بالصوفية ، وبالنزعة الدينية ، ففي أول أفلامه"القواد"إنتاج عام 1961 ، تقصى حياة رجل يحاول أن يطهر نفسه بعد أن انغمس إلى أدنى درك أخلاقي ، إذ عمل قواداً يورد العاهرات ، فنراه في أحد مشاهد الفيلم يتوسل إلى حفار القبور لكي يدفنه عندما يموت في بقعة تقع عليها أشعة الشمس لعل ذلك يطهره ، ويذيب عنه ما اقترفه من ذنوب ، ويضعه تحت الشمس ، بعد أن انغمس طويلا في حياة الليل. وسواء في فيلم "ماما روما" أو في فيلم "القواد" فإن المخرج في الحالتين يثير قضايا المنحرفين في الأوساط الشعبية في روما ، يكشف عن تفاصيل حياتهم ومعاناتهم ، ولكنه يبقي اللعنة تلاحقهم ليس لذنب اقترفوه ، بل لواقع جافاهم ولخرافات ملأت رؤوس العامة ، وإذا كان الفيلم الأول قد مرّ دون ضجة ، فإن فيلم "ماما روما" كان أكثر تأثيراً إذ مس هذه المرّة الأمومة التي تعد أرقى وانظف الأحاسيس الإنسانية.

ولا يمكن أن نختم الحديث دون الوقوف أمام شخصيه أنا مانياني بالفيلم ، فقد جسدت دوراً اعتبر من وجهة نظر الكثير من النقاد المعادل الأنثوي لشخصية زوربا بطل رواية زوربا للكاتب اليوناني كازنتاكيس ، وذلك لتميزها بضحكتها العالية وحيويتها الشديدة ، وقوتها الملحوظة ، وقد بدت في تواصلها وتفاعلها مع المحيطين أمّا للجميع ، فليس غريباً أن ينادى عليها بلقب "ماما روما" ، حتى إن المشاهد الذي يتتبع اندفاعها للحياة وقوة شخصيتها ، ينسى أنها كانت غانية ، فمثل هذه الشخصية لا يمكن أن تكون مجانية ، ولا يمكن أن تكون متاحة لمن يدفع أكثر ، ويتعزز نفي ماضيها لدى المشاهد من خلال أدائها المتقن لدور الأم التي لا ترى في الحياة أفقاً أرحب من رؤية ابنها صالحاً يكسب رزقه من عرق جبينه ، غير أنها تصدم بالواقع ، فها هو كل شيء يأتي بعكس ما تمنت ، وكأن قدرهـا أن تبقـى مسحوقة تحت أنين الوجع .. ويا له من وجع .. إنه قلب الأم.

ہ ناقد سينمائي وكاتب من أسرة الدستور



Date : 08-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش