الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

3 مفارقات في احتجاجات الاردنية.

حسين الرواشدة

الاثنين 14 آذار / مارس 2016.
عدد المقالات: 2296

الحكمة التي غابت عن ادارة الجامعة الاردنية حين قررت رفع اسعار الرسوم جسدّها واستحضرها الطلبة حين قرروا الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم الدراسية بعيدا عن السياسة ، هذه بالطبع مفارقة تستحق النظر، فبينما كنا ننتظر ان يبادر مجلس امناء الجامعة الى اعتماد منطق الحوار والتفاهم امتثالا للحكمة التي يفترض ان يعلمّها الاساتذة الكبار لتلاميذهم ، تفاجأنا على امتداد اكثر من اسبوعين بمواقف اقل ما يمكن ان يقال عنها انها “مرتبكة” ، ثم تفاجأنا بتلاميذ صغار يعطوننا دروسا في الحكمة ، اولها تمسكهم بحقوقهم وحقوق زملائهم القادمين الى مقاعد الجامعة بالتعليم والمساواة ، وثانيها اصرارهم على ابقاء اعتصاماتهم في مربع “التعليم “ لا في مربع “السياسة” ومنع توظيفها لحساب اية جهة ، ثم مخاطيتهم للحاكم الاداري لتأكيد “سلمية” اعتصاماتهم والتزامها بالقانون وحرم الجامعة ايضا.

لم تكن -بالطبع -هذه المفارقة الوحيدة ، فقد شاءت الاقدار ( هل هي الاقدار فقط..؟) ان يكون رئيس مجلس امناء الجامعة التي قررت رفع الرسوم هو ذاته رئيس جامعة اليرموك التي شهدت اوسع موجة من الاحتجاجات لاسباب مشابهة قبل اكثر من ثلاثين عاما ، كنت آنذاك طالبا في نهاية السنة الثالثة وشهدت الاحداث بكافة تفاصيلها ، ثم تمكنت لاحقا من الحصول على محاضر التحقيق التي سجلتها اللجنة التي شكلت للتحقق مما حدث ، وحين اعدت قراءتها قبل ايام تفاجأت بمسألتين :  الاولى هي اننا لا نتعلم من اخطائنا ، لا على صعيد الموضوع ولا على صعيد الاشخاص ، والثانية هي ان ارتدادات ما يحدث في حرم الجامعة غالبا ما ينعكس على المجتمع ويؤثر فيه ، فاحداث اليرموك في عام 85 انتهت بصورة او باخرى الى احداث معان عام 89 ، لا اريد ان اخوض في التفاصيل والمقاربات ، لكننا للاسف لم ننتبه آنذاك وها نحن الان نصر على عدم الانتباه.

آخر ما يخطر الى بالي ان اقلّب المواجع ، لكنني ايضا مضطر للاشارة الى قضيتين : الاولى اننا ما نزال نتعامل مع الناس وقضاياهم بمنطق “الاستعلاء” والاستهانة ، واحيانا الاستقواء، فرفع الرسوم على الطلبة - تحت اي مبرر او عنوان - قرار لا تنقصه الحكمة فقط وانما يعبّر عن روح استعلائية منحازة لطبقة غنية على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل،وهو قرار غير انساني ولا اخلاقي ولا يتناسب مع حالة مجتمعتنا ولا مع رسالة التعليم ولا مع العدالة ، وبالتالي فانه مرفوض وكان يفترض بالمسؤول عنه ان لا يفكر فيه اصلا ، وان يبحث عن خيارات اخرى ( وهي موجودة) لانقاذ الجامعة واصلاح ما تعانيه من مشكلات ادارية ومالية وتعليمية ( وما اكثرها ) ،اما القضية الثانية فهي ان ردود الادارة  الجامعية على احتجاجات الطلبة ومطالبهم اتسمت بالغرور واللامبالاة ولم تعبّر عن روح الجامعة ( اية جامعة) ولا عن رسالتها ومسؤوليتها تجاه طلبتها ، كما انها عكست - مع الاسف - ما اصاب جامعاتنا وتعليمنا من تراجع في منظومة القيم والمهنية والالتزام بهموم مجتمعاتها ، لدرجة اصبحنا فيها امام ظاهرة جديدة عنوانها “التجارة” وآلياتها الدفع والجباية ، وهدفها احتكار التعليم في طبقة ثرية تستطيع ان تشتري المقاعد والساعات التعليمية والتخصصات العلمية العليا ، وهذه ليست “نكبة “ للتعليم فقط وانما لمنظومة الاخلاق في مجتمعنا ، ولمستقبلنا الذي ستقرره وتحدده مجموعات “البزنس” ، فيما سيجد المبدعون الفقراء انفسهم محرومين منه ، او حراسا على ابوابه فقط؟

هنا تأتي المفارقة الثالثة وهي ان خطر “تسعير” التعليم وخصخصته  وتحويله الى بازار للجباية لم يستدعي للاسف انتباه المجتمع بقواه واحزابه ونقاباته ومجلس نوابه( دعك من الحكومة ) وانما استدعى غضب الطلبة فقط ، ليس فقط لانهم المستهدفون منه ، وانما لانهم كانوا اقدر منا واذكى ايضا على فهم الرسالة ، واستنباط اهدافها ومدلولاتها ، واستشعار ما تشكله من خطر على الاجيال القادمة ، واذا كان هؤلاء الطلبة (ابناؤنا)  يستحقون بالتالي ان نرفع لهم قبعاتنا احتراما فانهم يستحقون قبل ذلك ان  نعترف بانهم  اعادوا الينا الامل بمستقبلنا ، وطمأنونا على انهم ما زالوا يمثلون ضميرنا العام رغم ما يحلو للبعض من الصاق الاتهامات بهم او الانتقاص من قدرتهم على انتزاع حقوقهم التي هي حقوق المجتمع كله ، حتى لو لم يجدوا من يقف معهم او يساندهم .

ربما يعتقد البعض ان العناد والاصرار على رفع الرسوم هو “انتصار” لهم ، او على الاقل افحام الطلبة( ومن خلالهم المجتمع) ومحاولة لتلقينهم دروسا في الطاعة والامتثال ، وهذا اسوأما يمكن ان نفكر فيه عند التعامل مع احتجاجات الطلبة ورسائلهم ، ومع قضايانا العامة ايضا ، ومع انني لم افقد الامل بعد بوجود حكماء بيننا قادرون على كسر هذه القاعدة واعادة موازين الحوار والتفاهم الى مكانها الصحيح الا انني ما زلت اخشى ان يأخذنا البعض باصرارهم على المكاسرة والمعاندة واحساسهم بنشوة الانتصار المغشوش الى عناوين اخرى لا تخدم بلدنا ولا تنسجم مع ظروفنا الصعبة وحاجة مجتمعنا الى الوئام والتماسك والاستفرار .

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش