الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حكاية 4 ـ 1 جرام وما فعله فـي مجموعة من الروايات

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
حكاية 4 ـ 1 جرام وما فعله فـي مجموعة من الروايات عزت القمحاوي

 

 
احتاجت الطبعة الأولى من رواية "عمارة يعقوبيان" 2002 عاماً كاملاُ لكي توزع ألف نسخة ، وهي الكمية نفسها التي اعتادت دار ميريت طبعها من الروايات. فقد ظلت يعقوبيان حبيسة الأرفف في الدار المشهورة بنشر الأدب الطليعي وتجارب الشباب على اختلافها وتنوعها ، بينما كانت الرواية تحتاج إلى دار نشر أقل نخبوية لكي تنطلق. وقد كانت هذه الدار هي مكتبة مدبولي التي انطلقت منها الرواية في طبعات كبيرة متعددة ، ثم كان النجاح الكبير الذي لاقته ترجماتها والفيلم السينمائي الضخم الذي جمع نجوماً قلما يجتمعون: فبدت ظاهرة وحدها ، أثارت قلق البعض ، بينما رأى البعض الآخر في هذا النجاح الذي حققته رواية التشويق نجاحاً للفن الروائي بشكل عام ، وأن انتشارها يدفع بعادة القراءة إلى الأمام.

انشغل الكثيرون بتحليل أسباب نجاح الرواية التي صدرت في التوقيت نفسه مع روايات أخرى تعتمد الغوص في أعماق المجتمع وكشف العوالم الخفية فيه ، مثل رواية "لصوص متقاعدون" لحمدي أبو جليل.

كان السؤال الدائم: لماذا يعقوبيان بالذات؟ البعض أرجع شهرة الرواية إلى ما تضمنته من إشارات سياسية ضد رموز النظام المصري ( الناقد فاروق عبدالقادر وصفها بـ "رواية تلسين سياسي" ) والبعض أشار إلى تعاطف الكاتب مع التيار الإسلامي ، والبعض إلى براعته في الدعاية ، وأرجع البعض الأمر إلى ضربة حظ ، حيث استفادة الرواية ـ خصوصاً من زاوية تحويلها إلى فيلم ـ من الصراع السياسي في قمة السلطة المصرية بين حرس قديم وحرس جديد (والرواية تشير إلى بعض الرموز البغيضة في الحرس القديم). علاء الأسواني كاتب الرواية تمسك في حواراته ولقاءاته بالجمهور ، أن كل ما فعله كان تمزيق شرنقة الغموض التي ضربت لغة وعوالم الرواية ، وأن الفن وجماليات الرواية كانت أول وآخر ما يعنيه وليس السياسة.

ومن دون أن يقف أحد على السبب ظلت الرواية وحيدة على عرش "الأعلى مبيعاً" عدة سنوات ، ولدت خلالها عناوين حققت اختراقاً محدوداً مقارنة برواية الأسواني ، مثل "أن تكون عباس العبد" لأحمد العايدي.

وقد تحولت أمثال هذه الرواية الآن إلى كلاسيكيات ، بينما بدأت ملامح تيار جديد تترسخ ، تيار يحقق التخارج الضروري بين الكتاب الأدبي ، والكتاب الأكثر مبيعاً.

من أشهر روايات هذا التيار رواية "4 ـ 1 جرام" لعصام يوسف التي حققت ثلاث طبعات في ثلاثة أشهر أو أقل ، على الرغم من حجمها الضخم (سبعمائة صفحة).

تحمل الرواية شعار الدار المصرية اللبنانية مع شعار شركة "مونتانا ستوديوز" المملوكة للكاتب. على الغلاف بخط واضح يحمل الكتاب صفة :"رواية واقعية" وفي الصفحة الأولى هناك إضافة أخرى للعنوان ( 4 ـ 1 جرام وماذا فعل في مجموعة أصدقاء..).

وهناك مقدمات قبل النص وخواتيم بعده تؤكد كلها على واقعية الرواية التي يشار أيضاً إلى أنها معدة على شكل سيناريو سينمائي. في البداية يقدم الكاتب روايته بمقدمة بعنوان (وصية صديق) يقول فيها :"صاحب هذا الكتاب هو: صلاح.. من أعز أصدقائي ، وضع في عنقي منذ 15 عاماً إلا قليلاً ، مسئولية هائلة.. عندما روى لي حياته بأدق تفاصيلها". وعقب النص ينهي بلقاء بين المؤلف والصديق أطلعه فيه على انتهائه من إنجاز الرواية ، وفي أول الرواية وآخرها شكر لجماعة تطوعية لعلاج المدمنين لا نعرف ان كان هذا اسمها الحقيقي (زمالة المدمنين المجهولين).

أما السرد فيأتي على لسان الراوي صلاح ويبدأ هكذا: "جئت للحياة في فترة يطلق عليها الزمن الجميل.. عائلتي معروف عنها أنها عائلة عريقة ، مثقفة ، متحضرة ، مستواها المادي مرتفع إلى حد ما". وتمضي الرواية لتحكي بأبسط الطرق الممكنة حكاية صلاح مع أصدقائه من سكان الحي الراقي منذ فترة الصبا وبداية التهرب من المدرسة الإلزامية وتدخين السجائر حتى إدمان الحشيش فالهروين ، وما بينهما من التسكع بالدراجات النارية والعلاقات مع الفتيات ، ومغافلة الأسرة وسرقة ما تجده اليد في طريقها من بنكنوت أو ذهب لتغطية النفقات المتزايدة. كل هذا بأسلوب بسيط يتخلله السيم الخاص بين شباب هذه الطبقة: أسماء التدليل (أحمد ميدو وحسين زوني وصلاح صاصو) والمصطلحات (سيجارة الحشيش جوينت ودور الورق بولة كوتشينة ..الخ).

التعريف المختصر الذي تبدأ به الرواية ، لا يفيد فقط في التعريف بأجوائها ومستوى أبطالها الاجتماعي فحسب ، بل في التعريف بظاهرة الروايات الأكثر مبيعاً وتفسير غموضها ، فقد وجدت هذه الكتابة لتلبي حاجة طبقة الأغنياء الجدد التي امتلكت كل شيء وتريد إكمال الصورة بحلية الثقافة. ومن الواضح أن مشكلة هذه الطبقة ليست مع الروايات الطليعية ، أو الفنية المركبة فقط ، بل في انها لا تجد صورتها في تلك الروايات. ما تبحث عنه هذه الطبقة ليس سهولة السرد وجاذبيته فقط ، بل أن ترى صورتها هي في مرآة الرواية ، لا صورة العشوائيات أو فقراء قاع المدينة ، فهذه الطبقة تركت للفقراء العاصمة برثاثتها لتقيم بين المدن المسورة حول القاهرة والمنتجعات الشاطئية ، وليس من المنطقي أن تفر من الفقراء وعشوائياتهم في الواقع وتبحث عنهم في الكتب.

ويبدو أن تقديم طبقة النخبة الاجتماعية هو الوصفة المضمونة للمزاحمة في سوق "الأكثر مبيعاً" حيث القارئ المولع برؤية عائلات من الطبقة الراقية: الأب في مغامراته والأم نشطة في مجال الجمعيات الخيرية ، والابن يمكن أن ينتقل للإقامة الكاملة مع زميله ، ويتواصل مع أسرته بين فترة وأخرى بالتليفون أو عبر ورقة يتركها بحاجاته أو باعتذار عن تحطيم السيارة ، وحيث العقوبات البسيطة التي لا تصمد يوماً أو بعض يوم. ولا يحتاج من يقدم هذا العالم بعد ذلك إلى استعارة خطاب عن الفن وجماليات الرواية وتعاليها على النفعية المباشرة ، بل إن مؤلف "4 ـ 1 جرام" يحدد هدف روايته بدقة:"عزيزي القارئ.. هدف هذه الرواية هو نقل الرسالة للمدمن الذي مازال يتعاطى.. وأتمنى من الله أن يساعد هذا الكتاب في شرح حجم المأساة ، دون أي مبالغة ، كي نستطيع جميعاً مساندة ملايين المدمنين المرضى في الوصول إلى الحقيقة".

خطاب مضاد لتاريخ الرواية ، نستطيع أن نشم فيه رائحة خطاب البرازيلي باولو كويليو ، وطريقته في الوصول إلى الهدف بأقصر الطرق ، وسوف تستمر هذه الكتابات المضادة للرواية في التشويش على الكتابات الفنية إلى حين تنضج الساحة الأدبية وتتحدد المسارات ، بحيث تتعايش النصوص التي تبحث عن التاريخ إلى جوار النصوص التي تحتل جغرافيا التوزيع الواسعة.

ہ روائي وقاص مصري

Date : 23-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش