الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قاص من سلالة بورخيس

تم نشره في السبت 3 أيار / مايو 2008. 02:00 مـساءً
قاص من سلالة بورخيس

 

 
عبد الغني فوزي

الإدهاش هو السمة المميزة للإبداع الحقيقي ، فكلما امتلك النص نصيبا من الطرافة والجدة مشفوعين بصوغ أدبي بليغ ، تتراص فيه الكلمات بحرفية وإتقان ، استطاع هذا النص شد الانتباه ، وانتزع - بالتالي - شهادة اعتراف من طرف المتلقي بأن صاحبه ، أي صاحب النص ، قد أبدع فأجاد. هذا ما جال بخاطري ، وأنا أتلقى نصوص المجموعة القصصية"عندما يطير الفلاسفة"باكورة القاص محمد أيت حنا الصادرة عن منشورات أجراس .. ومبعث ذلك في نظري النهج الذي ارتضاه القاص لنفسه في كتابة قصص المجموعة ، تلك التي لا يمكن أن تمر على القارئ مرورا عاديا ، فمنذ النصوص الأولى ، يجد المتلقي نفسه ضحية استفزاز لذائقته الأدبية ، فلا مناص حينئذ من الغوص عميقا في ذاكرته القرائية ، بحثا عن مرجعية مفترضة لهذه النصوص المائزة .. وهذا بالضبط ما أناخ بكلكله علي ، وأنا أتصفح قصص المجموعة ، التي جاءت في ثمانين صفحة من الحجم المتوسط ، ضامة في حضنها اثنتي عشرة قصة. ولعل أول ملاحظة تثير القارئ تتمثل في مرجعيات النصوص باعتبار أن لكل كاتب مرجعيته أو مرجعياته ، فلكل منا أسلافه من الكتاب الذين قد يتم الإعلان عنهم حينا ، لكنهم يظلون مستترين في ثنايا المكتوب ولا وعيه حينا آخر .. هذا علاوة على أن نصوص المجموعة تغري بذلك البحث و تحث عليه . ولما كانت كل كتابة هي - من حيث العمق - تربطها علاقة تناص مع كتابات أخرى سابقة لها ، فإن المتلقي لكتابة محمد آيت حنا ، سرعان ما ينبثق إليه من ملفوظ النصوص ومسكوتها ، الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس ، بكل ما يمثله هذا الهرم في ذاكرة القصة العالمية. ومرد هذا الإقرار سمات معينة تميز كتابة آيت حنا ، منها ما يتعلق بالتيمات وأخرى تتعلق بالأسلوب ، وهذا ما يجعل شبح بورخيس يطارد القارئ من أول النصوص حتى آخرها. لقد تميز بورخيس بكتابته المميزة له دون غيره ، والتي تتخذ من المكتوب السابق لها مرجعا لها ، فهي كتابة مثقفة ، لا تني تنقب في التراث الإنساني عن الطريف والغريب ، والعادي أحيانا ، لتتخذ منه تيمة لها ، فتعيد تشكيله بوعي حداثي عصري ، باحثة فيه عن عناصر لم يتم التطرق إليها من قبل ، لتسلط عليها الأضواء حينا أو تفسرها بشكل مختلف أحيانا أخرى .. هدفها خلق الدهشة لدى المتلقي ، كما حدث حينما استثمر بورخيس قضية خطأ ابن رشد في ترجمة التراجيديا و الكوميديا بالهجاء والمدح. وقد سارت نصوص مجموعة "عندما يطير الفلاسفة "على نفس المنوال ، خاصة في قصص بعينها مثل قصة الآخروقصة الفيلسوف الطائر وقصة ما تفعله بك الجيوكاندا وقصة ذات الوشاح الأحمر.. ففي هذه القصص و غيرها يستحضر الكاتب الحادث الأصلى أو النص الأصلي محاولا إعادة قراءته انطلاقا من مرجعيته الخاصة ونظرته للحياة والكتابة ، فيستغل ذلك من أجل عرض تصوراته التي غالبا ما يطبعها التجريد في قصص المجموعة ، وهذا في رأيي يحد من توهج بعض النصوص رغم قيمتها العليا ، إذ لا سبيل للقص سوى الاشتغال في الملموس ، والتجسيد . ويتجلى تأثير بورخيس كما سلف التنويه إلى ذلك في الأساليب كذلك ، فمن عكف على قراءة بورخيس يسهل عليه تمييز أسلوبه من بين كم من الكتابات .. ويتميز أسلوبه بغلبة الطابع المنطقي التحليلي ، والتقشف في التعبير أو ما يطلق عليه بالإقتصاد ، هذا فضلا عن الابتعاد كليا عن المحسنات البلاغية التقليدية ، واعتماده على أسلوب يميل إلى الأسلوب الصحفي التقريري... وقصص "عندما يطير الفلاسفة"تضرب في نفس الأرض ، وتتوسل في تعاطيها مع السرد بذات الأسلوب ، الذي يميل نحو منطقية التحليل والتضمين والاستدلال والاستنتاج .. لنكتشف في آخر المطاف - أقصد بعد قراءة المجموعة القصصية - كاتبا مثقفا واسع الاطلاع ، يؤثث قصصه بإشراقات ذهنية مقتبسة أو وليدة التحليل المنطقي المتبع في نسج قصص المجموعة.. أخيرا و بعد هذ الوقفة العجلى عند مجموعة"عندما يطير الفلاسفة" التي تستحق كل الاهتمام ، و لكي يأخذ القارئ فكرة واضحة عن نمط الكتابة عند القاص محمد آيت حنا ، سأورد هذا المقطع من قصة الفيلسوف الطائر ص 40 يقول السارد" فجأة أشرقت في باله تلك الفكرة ـ الحل ، لقد اكتشف أنه هو نفسه العنصر الثالث ، البعد الثالث في العلاقة ، إنه هو خالق المفهوم ، وهو الذي يمنحه القدرة على الطيران ، بل إنه هو الذي يحمله ويحلق به قاطعاً الأقاليم وطاويا المسافات : إن الفلاسفة طيور بالمعنى الحقيقي للكلمة ، وليس ذلك قطعا على سبيل المجاز". عندما يطير الفلاسفة - محمد آيت حنا - منشورات أجراس الطبعة الأولى . الدارالبيضاء 2007

Date : 03-05-2008

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل