الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في قصيدتها «الروض المستباح» تنبأت فدوى طوقان باحتلال بلدها فلسطين

تم نشره في الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 مـساءً
في قصيدتها «الروض المستباح» تنبأت فدوى طوقان باحتلال بلدها فلسطين زياد عوده ہ

 

 
لقد ادركت فدوى طوقان في مطلع شبابها ، الخطر الكبير الذي كان يحيط ببلدها ، قبل ان يقع فريسة في ايدي الاعداء حيث قامت بنظم عدة قصائد ، تُعبر عن واقع الحال الاليم الذي ادى الى ضياع فلسطين اثر مؤامرة دنيئة ساهمت فيها بريطانيا ، التي اخذت على عاتقها مباشرة انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، على لسان وزير خارجيتها بلفور ، بعد ان قامت باحتلال فلسطين احتلالا كاملا ، لتقوم بالعمل على الاعداد لتنفيذ الوعد ، وتهيأت لليهود السبل لسلب فلسطين ، واقامة دولة يهودية فيها ، وذلك على اشلاء الشعب الفلسطيني الذي عانى الكثير بسبب هذه المؤامرة الدنيئة التي عصفت بكل شيء رائع وجميل في وطنه.

وبدأ ذلك منذ ان دخلت بريطانيا فلسطين في نهاية عام 1917 ، وكان وعد بلفور قد صدر قبل احتلالها لفلسطين بشهور قليلة في نفس العام مما يؤكد على النية المبيته من وراء هذا الاحتلال.. ومن المفارقات العجيبة ان فدوى طوقان ولدي في عام 1917 عام المؤامرة الكبرى على بلدها.. وقد تنبه الشعب العربي الفلسطيني ، الي حجم المؤامرة ، وانتفض يستنكر ذلك بالاحتجاجات والمظاهرات والثورات المسلحة احيانا اخرى.. وكان للشعراء والكتاب والمفكرين دورهم في توعية الناس للخطر القادم ، وفي الهاب المشاعر ضد قوى الشر والظلام.. ومنهم الشعراء ابراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود وعبدالكريم الكرمي «ابو سلمى» وغيرهم ممن كان شعرهم يصب في رفض الاحتلال.. وقد سارت فدوى على خطاهم وهي التي اكتوت بمأساة شعبها ووطنها منذ ولادتها الى حين رحيلها عن هذه الدنيا اواخر عام 2003م. توفيت بتاريخ 12 ـ 12 ـ 2003 في مسقط رأسها مدينة نابلس.

ولعل قصيدتها «الروض المستباح» التي نظمتها في اوائل عام م1947 ، وتم نشرها في «مجلة الكتاب» المصرية في شهر فبراير م1947 اي قبل احتلال فلسطين بعام واحد وكان يرأس تحريرها آنذاك الاستاذ عادل الغضبان.

وقد نشرتها في مجموعتها الشعرية الاولى الموسومة «وحدي مع الايام» التي اصدرتها سنة م1957 دون الاشارة الى تاريخ نظم القصيدة ، حيث لاحظت ان معظم قصائدها المنشورة في مجموعتها الشعرية بلا تاريخ ، وهو امر يُربك الباحث والقارىء على السواء.

وهذه القصيدة التي كتبت باسلوب رمزي ، وعنوانها يرمز الى فلسطين بلدها ، التي استباحها الغرباء الاعداء ، فكانت الشاعرة موفقة فيما رمزت اليه حيث نضج اسلوبها الشعري ، وفتح امامها آفاقاً واسعة ، جعلها تُبدع فيما تقول ، وكانت حين نظمتها في الثلاثين من العمر.

والقصيدة جاءت في اربعين بيتا ، توزعت على عشر رباعيات ، عبرت عن واقع الحال الاليم الذي احاط بفلسطين ، بعد احداث دامية ارهقت الشعب العربي الفلسطيني ، الذي انهك من كثرة الضحايا والمصائب التي وقعت على رأسه ، وجعلته في حالة مأساوية بسبب ظلم الاعداء ، وقسوة الاخوة الذين تخلوا عنه في اصعب واحلك الاوقات.

وهذا ترك انطباعات مؤلمة في نفس الشاعرة التي تنبأت بالمأساة مبكرا ، ففي مقدمة القصيدة وفي الرباعية الاولى قالت متسائلة:

اين الغناء العذب يا طائري

تسبق فيه كل شاد طروب

واين افراح الصبا الزاخر

باللهو ، ام اين المراح الدؤوب

مالك تلقي نظرة الحائر

يريد يستجلي خفايا الغيوب؟

وما الذي في قلبك الشاعر

قل لي ، فان البث يشفي القلوب

وكما هو واضح من هذه الابيات التي تُخاطب بها ابن بلدها ، الذي كان يتحرك بالامس بحرية ، وكان صوته ينطلق قويا فخما يفوق اصوات العصافير والشجر..

وها هو يصمت حائرا ، لا يكاد يُصدق ما يجري حوله ، والشاعرة تحثه على ان يبث شكواه ، ففي البث ما يشفي القلوب.

واللافت للنظر في هذه القصيدة ، ان الشاعرة حرصت على ان تُقفل المقطع الاول من البيت بكلمات متجانسة ، او لنقل وضعت للمقطع الاول قافية واحدة على امتداد ابيات القصيدة.

وكما مرّ معنا في الرباعية الاولى من القصيدة مثل: طائري ، الزاخر ، الحائر ، الشاعر.

مما زاد من جمال القصيدة ، رغم اجوائها الحزينة ، وهذا يدل على رغبة الشاعرة بالتجديد ، وتقديم ما يمكن من ابداعها الذي تطور عبر السنين تطورا ملحوظا لتكون شاعرة العرب الاولى ، في القرن العشرين ، وهو لقب تستحقه بما قدمت من شعر راق وجميل.

والقصيدة تكاد تكون واضحة ومفهومة ، وقد اشارت في المقطع الثاني الى الاجواء الجميلة التي كانت تُحيط بابن فلسطين الذي كان يعيش سعيدا ناعم البال فوق ربوع وطنه الرائع.. وجاء من يهدده بالطرد منها رغما عنه.. حيث تقول:

ما ترى حولك همس الورق

يسكبه في اذن الجدول

كأنه نجوى محب سرق

هنيهة من غفلة العذل

والزهر الرفاف اما عبق

عبيره يسري مع الشمال

وهذه الدنيا ، وهذا الألق

فمتع النفس ولا تهمل

وتستمر الشاعرة في الرباعية الثالثة في وصف واقع الحال وهي تصف الطبيعة الغناء في بلد الخصب والجمال:

بين الفراشات وزهر الربيع

هيمنة الصب ، اذا يعتب

ويح الفرشات ، هواها خدوع

تلهو بهذا ، وبذا تلعب

كم توهم الزهر هيام الولوع

وقلبها يا طائري قلب

فيها الى التبديل طبع نزوع

والطبع غلاب فما يغلب

صور رومانسية رائعة ، تبدع فدوى في سكبها بلغة شعرية راقية كتبت لها المجد والخلود.

وتقول في الرباعية الرابعة مسترسلة في الوصف:

وهذه الوردة ذات الرواء

كم تشتهي لحنك في حبها

بلبلها اليوم اليها افاء

وأرسل العطر الى قلبها

وفيّ لها ، تلقى الوفاء

أجمل ما تهداه من صحبها

غنّ ومتّعها بهذا الصفاء

او ، لا ، فلن تنجو من عتبها

وفي المقطع الخامس تختلف النغمة ، حيث تقول متعجبة لما يجري من امور غريبة ، وهي تُسجل صورة مأساوية لما حصل من تغيير على واقع الحال حيث تُتابع قائلة:

واعجبي، صمتك رهيب

يا طائري ، ضمّن معنى الحذر

ترمي بلحظ الصقر نحو الدروب

كأنما أنذرت منها بشر

ما تأتلي ترقب كالمستريب

أشعر من حوليه وشك الخطر

أقعى ، على أهبته للوثوب ،

في كبرياء تتحدى القدر،

وفي المقطع السادس تقوم الشاعرة بتشبيه العدو بطير غريب ، يطير متهجم الوجه ، وقح ، يحوم فوق الروض. يحاول ان يسيطر على كل شيء ، وقد اقتحم باب الروض ، اقتحام الغاصب المعتدي ، وجاس في الروض طليق الجناح ، غير آبه بأصحابه الشرعيين حيث ترسم لنا الشاعرة هذه اللوحة عبر المقطع السادس حيث تقول واصفة ذلك البوم رمز الشؤم والخراب ، وقد ارتج قلبها من الخوف وقد آلمها ذلك المنظر البشع..

ماذا ارى؟ هذاك (بومّ) غريب

منطلق ، حبهم المحيا ، وقاح

يحوم في الروضة حوماً مريب

غدوة متّهم.. والرواح

يطلّ من عينيه قلب جديب

لكنه أرعن ، فيه جماح

اقتحم الباب اقتحام الغصوب

وجاس في الروض طليق الجناح،

وفي المقطع السابع ، تتضح صورة المعتدي ، وتصفه على حقيقته الشريرة:

عيناه إذ رأرأتا جمرتان

قد شبّتا ، ما تطمعان الكرى

عن وكرك المطول لا تحسران

تطلعاً يا طائري منكراً..

أشرع منقاراً كحد السنان

مضاؤه ، ملتوياً أحمرا

ومخلباً يصرع قلب الامان

يا ضيعة الوكر وقد أشهرا

وتتساءل الشاعرة في المقطع الثامن عن علاقة المدعي الدخيل في الروض وهو يستبيح كل شيء ، دون ان يردعه رادع في رده عن تنفيذ جريمته النكراء باحتلال الروض.. الوطن ذلك الروض الذي تحول الى ارض قاحلة بوجود الغرباء:

ما شأن ذيّاك الدعي الدخيل

في الروض ، والروض حماك الحبيب

وكيف يغدو مستباحا ذليل

او غرضاً يرمي بسهم غريب

اغضيت عن روضك دهراً طويل

يا طائري ، مغرىً بحلم كذوب

واليوم تصحو عن خيال جميل

مضى مع السحرة ، غبّ الهبوب،

وفي الرباعية التاسعة تهيب الشاعرة بابن بلدها ان ينهض قويا ليرد المعتدي:

أنفض جناحيك من الرقدة

يا طائري ، أخشى عليك المصير

لا تمكن (البوم) من الروضة

ارى لذاك (البوم) شأنا خطير

أضب اليوم للوكر على شرّة

فيما أراه ، وأذى مستطير

عليك بالحذر ، فكم غفلة

يؤخذ منها المرء أخذاً نكير

ورغم هذا ، ففي نهاية القصيدة تعد العدو بان طائرها سيرده بقوة مهما كانت الظروف:

ويلك ، لا تأمن غريب الديار

فخلفه من مثله معشر

يا طائري ، ان وراء البحار

مثل عديد الدّ لو تنظر

تربّصوا في لهفة وانتظار

ودبروا للامر ما دبروا..

تحفزهم تلك الاماني الكبار

وأنت انت المطمع الاكبر

ولكن الظروف المؤسفة التي مرت بالشعب الفلسطيني جردته من وطنه وارضه، وها هو يعاني في منفاه ، ينتظر عسى ان يعود الى روضته السليبة،

وهكذا تنبأت فدوى باحتلال بلدها ، رغم انها شرحت واقع الحال ، الا ان قلبها كان يحدثها بان طائرها سوف يُهزم ، لتكالب قوى الشر والطغيان عليه ، فقد كان قلبها دليلها ، وما اكثر شعراء فلسطين الذين رثوا وطنهم ، قبل الاحتلال وعلى رأسهم شقيقها الشاعر ابراهيم طوقان والشاعر عبدالرحيم محمود وهذا يحتاج الى موضوع آخر،



ہ كاتب اردني



Date : 05-12-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش