الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اطلالة على الأدب النسوي الفارسي في «سبع نساء .. سبع قصص»

تم نشره في السبت 30 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
اطلالة على الأدب النسوي الفارسي في «سبع نساء .. سبع قصص»

 

 
سـامية العطعوط

لا يمكن الحديث عن الأدب الفارسي الحديث ، دون الإشارة إلى فطاحل الشعراء الذين أغنوا التراث الفارسي بأدبهم وإنتاجهم وإبداعاتهم ، ووصلوا به إلى مصّاف الأدب العالمي لما تميّز به أدبهم وإبداعهم من لغة راقية وصور جميلة مدهشة تُعْلي شأن الإنسان وتُثري روحه. نذكر منهم الفردوسي وجلال الدين الرومي والخيّام وسعدي الشيرازي وغيرهم.

ولعلّ المفارقة في أشعارهم أن لغتهم الشعرية امتازت بالسرد القصصي. فملحمة الفردوس المعروفة بالشاهنامة ألهمت عشرات الكتّاب لتأليف القصص والمسرحيات ، لكثرة ما احتشدت فيها من قصص مثيرة وحكايات حافلة بالعبر والمواعظ. كذلك ضمّ ديوان (المثنوي) لجلال الدين الرومي أكثر من 250 قصة ضمن 25 ألف بيت ، بلغة دقيقة صافية ، تمتاز بروعة الصور البيانية. وقد حُظي الشعر في الثقافة الفارسية أو الإيرانية بمكانة مرموقة لدى الناس.

وبمناسبة الاحتفال بالرومي ، عمل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت على إلقاء الضوء على الأدب الإيراني النسوي الحديث ، باصدار كتاب (سبع قصص لسبع نساء) في شباط عام ,2007

ويشير الأستاذ سمير أرشدي مترجم الكتاب (القصص) في مقدمته ، إلى أن الأدب الفارسي حديث العهد بالأنماط القصصية الغربية ، حيث يُعتبر محمد علي جمال زاده رائد هذا المجال. أما المؤسّس الحقيقي لهذا النمط الأدبي في الفارسية فهو صادق هدايت 1903( - 1591)الذي ساهمت روايته القصيرة (البومة العمياء) في ذيوع صيته كأبرز شخصية تشاؤمية متميزة في تاريخ الأدب الفارسي المعاصر.

ويعرض لنا المترجم تطوّر الأدب الفارسي في القرن العشرين ، ويورد أهم الكتّاب الذين أثّروا فيه. أما المساهمة النسوية فيه ، فيمكن ارجاع أساسها إلى القرن التاسع عشر ، وإلى بدايات القرن العشرين مع (سيمين دانشور) التي كتبت الرواية الايرانية الحديثة بنظرة أنثوية. ويختار المترجم سبع قصص لسبع كاتبات إيرانيات (فريدة خردمند ، مهين دانشور ، منصورة شريفزاده ، ناهد طباطباي ، طاهرة علوي ، بوران فرّخ زاد وخرزانة كرم بور) ، ظهرن خلال النصف الثاني من القرن العشرين ليعرض لنا تجربة الكتابة النسائية الحديثة ، حيث بدأت القاصة الإيرانية تعتلي مكانة مرموقة ومهمة في الأدب.

يُلاحظ أن معظم القصص السبع تقارب في عوالمها القصص العربية ، نظراً لتمازج الثقافتين (العربية والفارسية) وتشابه العادات والتقاليد ، إضافة إلى ميزات أخرى نذكرها لاحقاً.

القصة الأولى بعنوان (عشيقة الليل) لفريدة خردمند

في قصة (عشيقة الليل) لفريدة خردمند ، تتحدث الكاتبة عن امرأة تزور رجلاً في الخمسين من عمره ، وهي تصغره بعشرة أعوام ، دون أن تحدد لنا العلاقة التي تربط بينهما. يحفل عالم القصة بمفردات من الطبيعة كالحيوانات مثل القطة السوداء والسلحفاة والنباتات. تترك الكاتبة حرية تأويل النصّ للقارىء. فالقصة مفتوحة على كل الاحتمالات ، لكن مزهرية (عشيقة الليل) الذابلة ، تشير إلى ما اعترى العلاقة بين الرجل والمرأة من فتور...،

القصة الثانية بعنوان (عشاء ليلة العيد) لمهين دانشور

تدور أحداث القصة الثانية عن حياة شخص في يومين ، هما اليوم الأخير من العام الفارسي (ليلة رأس السنة الفارسية - النيروز) التي تكون في 20 ـ آذار في بداية الربيع ، واليوم الذي يليه.

تعتمد القاصة في قصتها على التراث الفارسي ومعتقدات الناس فيما يخص رأس السنة والعام الجديد. وتصف كيف يحتفلون ويحاولون انجاز أعمالهم قبل انتهاء السنة ، ويصنعون الحلوى ويعدون الطعام اللذيذ ، وينظفون بيوتهم ، بانتظار زيارة الموتى لهم في هذا اليوم ، لذلك يكثرون من إعداد الطعام والكعك الذي يحبه أقاربهم من الأموات.

تسرد الكاتبة أحداث القصة التي تبدو واقعية ظاهراً ، لنكتشف فيما بعد ، أن الراوي هو واحد من الأموات الذين يزورون الأحياء في تلك الليلة.

القصة الثالثة بعنوان (صورة فورية) للكاتبة منصورة شريف زاده

ترى الكاتبة منصورة أن أية صورة مرئية أو جملة أو حركة ، يمكن ان تشكّل نواة لقصة. فمثلاً قصة (صورة فورية) كُتبتْ بعد أن رأت طبيبة مريضة متوسطة العمر تعيش بالقرب من بيتها ، وفي مرة أخرى ، رأت زوج الطبية وهو جالس في سيارته مع امرأة شابة. فكتبت قصتها عن زوجين انتهت العلاقة بينهما ، وتحولت إلى برود وجفاء بعد أن تخلّى عنها وتزوج من أخرى. ولكن الزوجين اضُطرا للالتقاء لإرسال صورة ما لابنتهما الوحيدة المسافرة ، التي لا تعلم شيئاً عن الموضوع.. وتمثّل الصورة هنا وهم الحياة السعيدة وزيفها..

القصة الرابعة بعنوان (يجب أن نكون كالصخر) تأليف ناهيد طباطبايي

تتناول الكاتبة في قصتها حياة امرأة موظفة ، على لسان الراوية بضمير المتكلم ، التي تسرد لنا حياتها الوظيفية ومعاناتها من الموظفين والمدراء وكل من حولها. الشخصية طريفة ومعقدة التركيب.. فهي تتحدث بلسان المظلوم الذي وقع عليه كل الاضطهاد ، علماً بأنها هي التي تسيء لجميع من حولها ، وتتسبب بالأذى لهم.

أما القصة الخامسة بعنوان (فقدان شخص متوسط) للكاتبة طاهرة علوي ، فهي تسرد حكاية ضياع امرأة متوسطة في أحلامها المتوسطة ، بحسب تعبير الكاتبة نفسها في مقدّمتها. إذن هي قصة امرأة تكره الحالة الوسطى التي تعيش فيها ، وتحاول أن تغيرها ، فهي تحلم بتغيير ما يُخرجها من حالة الرتابة. كما تشعر الراوية (البطلة) بعقدة نقص تجاه المثقفين ، الذين يعيشون خارج الرتابة التي تشعر بها. ونجدها تتصل في كل يوم ، بشخص وضع إعلاناً في صحيفة يومية ، يبحث فيه عن زوجته. تكتشف الراوية أنها تشبهها ، بل هي نفسها. ومن ثم لتنفتح القصة على عدة احتمالات. ولكن حين تعاود الراوية الاتصال بالرجل ، نكتشف بأنه قد سافر للخارج منذ سنوات.. إنه الوهم الذي تعيشه في كل يوم ، بعيداً عن واقع غير موجود..،،

في القصة السادسة بعنوان (قفص الأوهام الرمادي) للكاتبة بوران فرخ زاده ، تتناول الكاتبة حياة وأفكار رجل ما ، يهرب من الحب ومن أي نوع كان من أنواع الارتباط. تصف الكاتبة أعماق الرجل وسلوكه كشخصية ذات أطوار غريبة ، وبالأصح كشخصية معقدة فقدت كل اتصال لها مع العالم الخارجي.. ماتت قطته وهو طفل ، فانسحب من العالم بهدوء.

أما القصة السابعة بعنوان (القلعة) تأليف فرزانه كرم بور ، فهي عن عقيد متقاعد ، يعيش في بيته وحيداً. لا يزور أحداً ولا يستقبل فيه أحداً. بيته محاطّ بسياج طويل مغطّى بأنواع اللبلاب والنباتات الشوكية ، مما يجعل البيت يشبه القلعة... وتوحي لنا القاصة بأن العقيد رفع الأسوار عالية بينه وبين الخارج ، أسوار البيت من جهة ، والأسوار المجازية بينه وبين الآخرين. إذ لم يكن له أية صلة بالعالم الخارجي. فقد عاش وحيداً ومات وحيداً.

وتشترك القصص السبع ، في وجود تشابه في الموضوعات التي تطرحها وفي تركيب الشخصيات محور القصة ، وفي مادة القصص نفسها ، أو لُحمتها. فهناك أكثر من قصة تطرح حياة الإنسان في العصر الحديث ، حيث تنسحب العلاقات الإنسانية من حياة الشخوص ، لصالح الوحدة والإغراق في الذات ، بل والشعور بالخوف وعدم الثقة بالآخر. وهي ثيمة بارزة في عدد من القصص.

كذلك تبدو الطبيعة بمختلف مفرداتها ، حاضرة بقوة في معظم القصص ، بدءا من عناصرها الأساسية كالتراب والماء ، وليس انتهاء بالنباتات والأزهار والشجر والحيوانات الأليفة ، التي تشكّل للأبطال المأزومين ، بديلاً عن علاقاتهم الإجتماعية بالبشر. ولعلّ المفارقة هنا ، أن القطة والسلحفاة ، كانتا حاضرتين في قصتين منهما..

وأخيراً ، تبدو القاصات في قصصهن ، تنزعن نحو تناول أزمة الإنسان المعاصر والعلاقات الاجتماعية الشائكة التي يعيشها ، ورغبته في رفع الجدران وبينه وبين الآخرين ، وعدم قدرته على التواصل ، وذلك دون تركيز القاصات على قضايا المرأة الإيرانية بشكل مباشر ، ومعاناتها في مجتمع يحاصر حرية المرأة بوضوح. ولكن ، ويبقى للكتاب أهميته في تعريفنا بالسرد القصصي الحديث في إيران وخاصة النسوي ، عبر هذه النماذج القصصية لكاتبات معاصرات.

- كاتبة وقاصة أردنية



Date : 30-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش