الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حاتم علي: الدراما العربية في مأزق ومخرجها اللجوء للرواية العربية

تم نشره في السبت 23 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
حاتم علي: الدراما العربية في مأزق ومخرجها اللجوء للرواية العربية

 

 
حاوره: مهند صلاحات

حقق المخرج السوري السوري حاتم علي وعبر تجربته في الدراما التلفزيونية نقلة نوعية هامة في مجال الإخراج والإنتاج التلفزيوني العربي ، فقد شكلت ثلاثية الأندلس إنتقالة جذرية في العمل التاريخي العربي ، من حيث أنسنة عناصر الحدث التاريخي وإخراجه عن قالب التوثيق ، وإعادة قراءة التاريخ برؤية محايدة معاصرة تبعد عن نظرة الأبيض والأسود في النظر لشخوص التاريخ ، كما استطاع عمل مثل "الزير سالم" ، أن يعيد قراءة قصة شعبية تناقلها الناس لسنوات ، من إبراز أبعادها الحقيقية التي هي صراع البداوة مع المدنية ، ونفي رواية أن حرباً استمرت اربعين عاماً يقف خلفها فقط صراع على ناقة.

وفي مجال الاعمال المعاصرة بقيت كذلك تلك اللمسة الهامة حاضرة ، فعمله الاجتماعي "الفصول الأربعة" قد أحدث تغييراً في مجرى سير الدراما العربية والسورية ، وكما حقق هذه النقلة في أعمال خاصة مثل الأعمال البدوية ، وأرتقى بها من مستواها كأعمال من المستوى الثاني لأعمال من المستوى الأول حين أخرج مؤخراً عمله الشهير الذي سيعرض في رمضان القادم على فضائية دبي "صراع على الرمال".

ينطلق حاتم في حديثه هذا عن عمله الجديد الذي أعلن عنه مؤخراً ، "زمن الخيول البيضاء" للروائي والشاعر إبراهيم نصر الله ، عن رواية وصفت بأنها إلياذة الشعب الفلسطيني ، أو رواية ملحمية كما يصفها حاتم علي نفسه ، لتعدد محاورها ، وشخوصها ، وفتراتها الزمنية.

في البداية كان السؤال حول هذا التقارب بين عملين دراميين لحاتم علي ، أحدهما سبق إنتاجه وهو التغريبة الفلسطينية ، وآخر سيجري إنتاجه اليوم ، وهذا التشابك من حيث المكان والشخوص والحدث بينهما ، وكيف سيعالج حاتم علي هذا الموضوع ، يقول حاتم:

الشيء المشترك بين التجربتين بأن كلاهما يحاولان الاقتراب من هذه القضية في أبعادها الإنسانية الحقيقية ، بعيداً عن الشعارات ، ولغة الشعارات التي أوقعنا بها الإعلام العربي ، والأمم المتحدة والجامعة العربية ، القضية الفلسطينية في أحد ابعادها هي أيضاً كذلك وقعت في فخ الشعارات السياسية ، لكنها في النهاية قضية شعب تم اقتلاعه من أرضه وتهجيره ، ليستكمل جزء كبير من حياته في الشتات ، اهمالنا لهذا البعد الانساني ، حولنا لأكثر المحامين اخفاقا في الدفاع عن أكثر القضايا عدالة ، بينما عدونا استطاع الأخر ، أو عدونا استطاع أن يحول الهولوكوست على سبيل المثال إلى قضية لها بعد انساني ، واستطاع من خلالها ان يضغط على الضمير العالمي ، الانساني ، ليبرر فيما بعد اغتنصابه لحقوق الاخرين.

يتشابه العملان كثيراً من حيث القضية والناس والزمن ، ويفترقان في كثير من المسائل ، "زمن الخيول البيضاء" سينطلق من رواية ملحمية ، والمقصود بهذا التعبير ، رواية ترتكز على خطوط درامية كثيرة ، عبر خطوط درامية كثيرة ، مراحل زمنية ممتدة ، وعلى جغرافيا واسعة ، وبذلك تكون تأريخ لهؤلاء الناس وقصصهم وطموحاتهم وأمالهم ويومياتهم وأحلامهم ، فهي اعادة خلق مجتمع كامل عبر مجموعة من الحكايات الممتعة ، في النهاية قد تصبح مرجعية لكثير من المهتمين والباحثين في هذه الفترة الزمنية من التاريخ الفلسطيني بتفصيلاته الهامة.

الاعتماد على رواية في عمل درامي ، أظن أنه أمر صعب ، لكنه في الوقت نفسه يشكل اضافة للدراما التلفزيونية ، خاصة ان هذه الدراما في الفترات الاخيرة وقعت بالعديد من المشكلات والمطبات الكثيرة ، مثل تكرار المواضيع ، والتبسيط الذي افقدها في عديد من الأحيان أهميتها وعمقها.

تحويل هذا العالم الروائي ، لن يكون صعبا فقط وانما مكلفا من الناحية الانتاجية ، بناء قرى بتفاصيلها وشوارعها ، القدس وحواريها وشوارعها وعماراتها ، المستعمرات وتفاصيلها ، وصول المستوطنين عبر البواخر في الموانئ ، المعارك المختلفة ، وخاصة أن العمل يمر بثلاث فترات زمنية متتالية ، بدءاً من الوجود العثماني ، مروراً بالاستعمار بالانجليزي ، وصولا للاستيطان الصهوني ، اظن أن خلق كل هذا العالم ببيئته الجغرافيا ، والاكسسوار والديكور ، سيكون واحدا من الاختيارات الكثيرة التي ستطرحها هذه الزوايا.

الاختلاف والتوافق بين زمن الخيول والتغريبة الفلسطينية؟

- هنالك اختلاف جوهري من حيث الزمن ، فالتغريبة الفلسطينية للكاتب وليد سيف ، ولدت أحداثها منذ نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 ، واستمرت حتى ولادة الكفاح المسلح والعمل الفدائي ، بينما "زمن الخيول البيضاء" لإبراهيم نصر الله ، فإنها تبدأ من أواخر الدولة العثمانية ، وإرهاصات تلك المرحلة ، وتناقش قضايا وتفاصيل تمتد فيها حتى النكبة ، بالتالي فالفترة الزمنية مختلفة تماماً كون زمن الخيول تنتهي من حيث بدأت التغريبة.

وبطبيعة الحال فإن هنالك فكرة تاريخية مشتركة بين العملين ، لكن بنائهما الدرامي ، وشخوصهما ، وأحداثهما مختلفة ، رغم التقاطع في بعض التفاصيل مثل تشكل المشروع الصهيوني ، إلا أن المراحل التاريخية بإختلافها تجعل هنالك الكثير من حيث تفاصيل البيئة ، والخوض في العادات والتقاليد ، وتناول التراث وغيره.



يحاول حاتم علي دوماً في أعماله التاريخية أن يؤنسن شخوص عمله الدرامي ، ويخرجهم من قالب الأبيض والأسود في الحكم على الأخر ، فنحن الأبيض وهو الأسود ، فكيف سيتعامل مع هذه المسألة حاتم علي في زمن الخيول البيضاء؟



- ليس مسائل الفصل هذه أو مسائل الحكم وتقسيم الناس فقط في الحكم على الاخر ، حتى عندما يتعلق الأمر بموضوعات تمسنا شخصياً ، أنا أظن أن تقسيم الناس الى اخيار واشرار ، الى لونين حاسمين كالأبيض والأسود ، هو أمر فيه الكثير من التبسيط ، في الحياة الأمور أكثر تعقيدا من ذلك ، والشخصية الدرامية أيضا أكثر غنىً من ذلك ، فانت قد تتعاطف مع شخص ما في موقف وتاخذ منه موقف او تختلف معه في موقف اخر ، القدرة على امتلاك الشجاعة في النظر للحياة ، وأيضا إلى التاريخ هو امر تحتاجه الدراما ليس فقط من وجهة نظر تاريخية وانما من وجهة نظر تقنية ، لأن هذه واحدة من مشكلاتنا كعرب ، نميل دائما الى تقديس التاريخ ولا نمتلك الشجاعة بالنظر اليه نظرة انتقادية ، وأنا أعتقد أن أهم مشكلاتنا اليوم تكمن في الماضي ، من هنا أساسا تستمد الاعمال التاريخية مشروعيتها ، فليس من مهماتها سرد الوقائع التاريخية ، وانما أيضاً طرح الأسئلة الراهنية والمعاصرة ، والقضايا المعاصرة ، وهذا يتطلب إعادة النظر للتاريخ من زوايا جديدة مختلفة ، وان نترك شخصياتنا تدافع عن نفسها دون اطلاق احكام ايدولوجية أو أخلاقية مسبقة عليها ، وفي هذا انصاف للتاريخ وغنى للدراما.



حاتم علي الذي ينتمي إلى المدرسة الواقعية ، إلى أي مدى يمكن أن تؤثر واقعية التعامل مع العمل الدرامي بواقعية بإبعاده عن قالبه التوثيقي؟



- العمل يسعى إلى إعادة بناء فترة تاريخية بكل تفاصيلها ، من اكسسوار وديكور ، لباس ، بيئة ، اعمار .. الخ ، ضمن بحث جمالي يستند إلى وثيقة التاريخية ، كل ذلك بهدف تحقيق أكبر قدر من المصداقية ، وكل ذلك يأتي أصلا لخدمة الدراما ، بالتالي توازن هذه العلاقة ما بين الدراما وما بين البيئة التي تطور عبرها هذه الخطوط الدرامية ، هو في النهاية الذي يكسب العمل ليس فقط بعداً جماليا وإنما أيضا يكسبه هذه القدرة على الإستحواذ على انتباه المشاهد.

العمل لن يكون توثيقياً بحتاً ، ولن يميل لمصلحة التوثيق على مصلحة الدراما ، بل يسعى لصناعة دراما حقيقية تتحدث عن أناس بعينهم ينتمون لزمان ومكان محددين.



هل تعتقد أن هذا الكم من الغنتاج الدرامي يوقع الدراما العربية بمأزق؟ ما هو هذا المأزق ، وكيف يمكن الخروج منه؟



- من ناحية الشكل ، الدراما العربية الآن في مأزق حقيقي ، وإحدى الحلول للخروج من هذا المأزق هو اللجوء للرواية ، كفكرة للعمل الدرامي. فالعمل التلفزيوني هو في النهاية رواية مرئية ، لأن الأعمال العربية اليوم بحاجة لشيء تستند عليه ، يخرجها من تكرار مواضيعها ، وفقر المواضيع التي تتناولها ، وسطحية تناولها للقضايا ، لذلك فإني أرى أن الرواية العربية تشكل هذا الداعم القوي الذي يمكن للعمل الدرامي أن يستند عليه بقوة ، كون الرواية العربية تشكل خزان وبنك يستطيع أن يمد هذه الأعمال الدرامية بالحياة المتجددة ، وينقذها من حالتها.

تناولت القضية الفلسطينية في عملين دراميين ، يفصل بينهما مدة لا بأس بها ، فبرأيك هل هنالك تقصير عربي تجاه تناول القضية الفلسطينية فنياً؟

- لا أظن أن الدراما العربية استطاعت تحقيق الانصاف الحقيقي للقضية الفلسطينية ، فالدراما المصرية نادراً ما تطرقت لهذه القضية بشكل مستقل ، بل كانت في الغالب جزء من أعمال ، في حين كانت الدراما السورية أكثر جرأة في تناول هذا الموضوع ، فبدأت بعز الدين القسام وعائد إلى حيفا ، التغريبة الفلسطينية ، الاجتياح.

لكن حتى هذه الأعمال كانت أقل مما كان يجب ، وبطبيعة الحال فإن الفنان ، مخرجاً أو ممثلاً أو غيره ، لا يتحمل وحده وزر هذا التقصير ، وإنما يشاركه المنتجون والفضائيات.

ولكني بذات الوقت أظن أن ذلك يعود لاسباب كثيرة ، أهمها أن مثل هذه الاعمال لا تجد تشجيعا من الناحية التسويقية ، وهذا عائد اعتقد من ناحية الحساسية والتخوف لبعض المحطات من هذا الموضوع الشائك الذي قد يثير بعض الاشكالات السياسية ، وفي أحسن الاحوال ، الاعتقاد الخاطئ بأن مثل هذا الموضوع قد لا يكون مادة جذابة في شهر رمضان ، رغم أن الواقع اثبت احيانا عكس ذلك ، خاصة على سبيل المثال التغريبة الفلسطينية ، التي رغم جدية موضوعها إلا أنها استطاعت أن تكون مادة جذابة استقطبت شريحة كبيرة من المشاهدين ليس فقط الفلسطينيين ، وإنما العرب ، بالتالي اعتقد ان المسألة لا علاقة لها بالموضوع ، وانما الطريقة التي تعالج فيها ، كيف يمكن ان نصنع مادة فنية جذابة عن موضوع شائك وصعب ، تحقيق هذه المعادلة برأيي هو الموضوع الاساس.

نحن كمخرجون وكتّاب ومنتجون ، مطالبون بدعم مثل هذه الأعمال وتوجيه الأنظار إليها ، والوقوف عليها بشكلها الجاد ، وإبعادها عن التسطيح والأدلجة.



إذا هل هنالك تخوف من خوض هذا العمل؟



- لقد كان طموحا ولا يزال أن أقدم أعمالاً عن القضية الفلسطينية ، على الرغم مما تحمله هذه الأعمال من مغامرة برأس المال ، قبل أن تكون مغامرة على مستوى العمل.

فهنالك مغامرة خطيرة على مستوى التسويق ، كون الكثير من الفضائيات العربية تتردد بالقيام في عرض الأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية على شاشاتها.

فالحديث عن مشروع خاص لمخرج ، فيه الكثير من التفاؤل ، لكن حتى هذا التفاؤل يبقى مشوباً بالكثير من الحذر ، كون هذه الأعمال تحتاج لجهات إنتاجية لديها القدرة على تبني هذا المشروع.



ماذا عن ماهية المشروع الذي يحلم به حاتم علي حتى الآن ولم ينفذه؟



- المشروع الجيد ليس رهن الشخص ، وإنما رهن الشركات ، وحجم الإنتاج ، ونوعيته ، ورهن النص المكتوب كذلك ، لكن مشروعي الجيد كحاتم علي هو طموحي ذاته.

اعتبر بعض النقاد أن المسلسل البدوي صراع على الرمال استطاع أن يحقق نقلة هامة في مجال الإنتاج بالنسبة لهذا اللون من الدراما ما رأيك بذلك؟

لا أحب المبالغة في الأمور ، وخاصة بالدراما ، فأنا شخص بقيت دوماً واقعياً في رؤيتي للأشياء ، ومن تلك الواقعية أنطلق في عملي. "صراع على الرمال" وُفرت له الإمكانيات الجيدة ، وعادة ما كان يتم التعامل مع هذه الأعمال ، أو هذا اللون من الدراما ، وهي الدراما البدوية ، على أنها أعمال من النخب الثاني ، وكانت تُقدم بطريقة متواضعة ومكررة من ناحية الإنتاج ، لكن في هذا العمل حاولت التخلص من هذه المشاكل ، وكل ما حدث أنني تعاملت في هذا المسلسل كما أتعامل دوماً مع بقية أعمالي ، وارتقيت بهذا اللون من الدراما لمستوى أعمال من الدرجة الأولى.

كاتب وصحفي

Salahatm@hotmail.com



Date : 23-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش