الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صانع أسطورة الفلسطينيين

تم نشره في الجمعة 15 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
صانع أسطورة الفلسطينيين فخري صالح

 

 
يمثل شعر محمود درويش قمة نضج القصيدة العربية في الزمان الحديث ، وبلوغ هذه القصيدة أفق الشعريات العالمية ، فهو المطلع على التيارات الشرعية الكبرى في لغات عديدة ، أصبح واحدا من شعراء العالم الكبار الذين حولوا مسار الكتابة الشعرية.

لقد ظل محمود مشدودا ، في مراحل تطور تجربته ونضجها ، إلى حالة المخاض التي مر بها الشعر العربي منذ نهاية الأربعينيات ، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت شعرنا المعاصر إلى ما تحقق على يدي درويش وأقرانه من الشعراء العرب الكبار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ولم تكن خيارات الشاعر الشكلية ، والأفق التعبيري الذي تروده تجربته ، لتنفصل عما فجره الشعراء الرواد في جسد القصيدة العربية ، إذ كان الشاعر يلتقط ما يتناهى إليه من حركة التغير في الشكل وعلاقته بالمعنى في القصائد القليلة التي كانت تصل إلى يديه في تلك الفترة الزمنية الضاغطة المعقدة من حياة الفلسطينيين الذين ظلوا في فلسطين بعد التشريد الأول عام ,1948 ونحن نعثر في قصائده الأولى على صدى تلك التأثيرات ، سواء على صعيد الشكل أو على صعيد المنحى التعبيري والمجازات والاستعارات ، والصور الشعرية بعامة ، التي درج استعمالها في تلك المرحلة من مراحل تطور الشعر العربي في بدايات النصف الأول من القرن العشرين. لكن اللافت في قصائد الشاعر الأولى هو تلك القدرة على تطويع هذه التأثيرات للتعبير عن التراجيديا الفلسطينية التي طمح شعر درويش إلى إعادة تركيب عناصرها ليبلغ بها مصاف التراجيديات الكبرى في التاريخ.

هكذا تطورت تجربة الشاعر من خلال احتكاكها بالتجارب الشعرية العربية في البدايات ، واستطاع درويش أن يهضم التطويرات الشكلية والخيارات التعبيرية لهذه التجارب ويعيد صياغتها بما يخدم قصيدته وطموحه للتعبير عن مأساته الوطنية والمقاومة الفلسطينية الطالعة في تلك المرحلة التي صعد فيها نجمه كشاعر بارز من شعراء جيل المقاومة. بهذا المعنى يمكن النظر إلى مجموعات درويش الأولى بوصفها تمارين في الكتابة الشعرية التي ستأتي لاحقا في "أحبك أو لا أحبك" (1972) و"محاولة رقم 7" (1974) وهما المجموعتان الشعريتان اللتان توجتا محمود درويش واحدا من الشعراء العرب الكبار. لقد استطاع الشاعر في عدد من قصائد هاتين المجموعتين الشعريتين أن يحقق طموحه في جَدْل التعبير عن التراجيديا الفلسطينية مع التطوير الشكلي للقصيدة العربية المعاصرة ، وذلك عبر ابتداع صور مركبة يندغم فيها الحسي بالتجريدي ، وتنشأ ظلال المعنى فيها من التقاء التجربة الحارة النازفة بجسد الكلام ، وبالإيقاع المتفجر المتصاعد في قصائد تشبه الأعمال الموسيقية السيمفونية بحوار الآلات المتعددة فيها. يصدق هذا الوصف على قصائد مثل: "سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا" و"الخروج من ساحل المتوسط" في "محاولة رقم 7".

في هذه المرحلة من شعر درويش يمكن القول إن الشاعر يوظف مخزونه الإيقاعي ــ الصوري المتدفق للتعبير عن الشروط المعقدة للتجربة الفلسطينية في تلك المرحلة التاريخية. إنه يكتب شعرا يزاوج فيه بين الغنائية والدراما التي تتصاعد في قصيدة مثل "سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا". وهو ، من ثمّ ، يفتح عالمه الشعري على الملحمي والحواري ممسرحا قصيدته التي تغادر صوتها الغنائي لتحتفل بما يدور في أعماق الشخصيات التي تحكي أو يُحكى عنها في القصائد. ففي الوقت الذي كانت فيه قصيدة درويش تصدر ، في أعماله الأولى ، عن صوت فردي يعيد تسمية العالم والأشياء من حوله ، فإنه يتجه في مرحلة "سرحان..." ، و"محاولة رقم 7"بعامة ، إلى كتابة قصيدة تحتشد فيها الذوات المتكلمة. ويمكن العثور على بذور هذا التحول في عدد من قصائد الشاعر السابقة: "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" ، و"أزهار الدم" (آخر الليل )1967 ، "العصافير تموت في الجليل" ، و" ريتا أحبيني" (العصافير تموت في الجليل )1970 ، و" كتابة على ضوء بندقية" ( حبيبتي تنهض من نومها 1970). لكن القصائد المذكورة تتضمن صوتين ، على الأغلب ، أحدهما صوت الشاعر الذي يعيد تأليف كلام الآخرين ويمرر هذا الكلام عبر مصفاة صوته ، فيما يعمل درويش في مرحلة "سرحان..." على حشد الأصوات في قصيدته نازعا إلى إعطاء الأصوات بعض حريتها في التعبير عن رؤيتها للأشياء والعالم. وهكذا يتمازج السرد والحوار والوصف والغناء ، وتتعدد الأصوات التي تروي الحكاية مما يخلص قصيدة درويش من غنائيتها المفترضة. وعلينا أن ننتبه في هذا السياق إلى أن النقد العربي قد اخطأ عندما صنف قصائد الشاعر بأنها غنائية خالصة ، إذ أن درويش يمسرح شعره ويحاول في معظم هذا الشعر صياغة ملاحم عامرة بالشخوص والمتكلمين ، وعالمه الشعري يستمد غناه وتعدد معناه من هذه الملحمية المأمولة التي تتحقق في "أحمد الزعتر" و"قصيدة الأرض" (أعراس )1977 ، و" مديح الظل العالي" (1983) ، وعدد آخر من قصائد درويش التي كتبها في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته.

من الضروري الإشارة لدى الحديث عن هذه المرحلة ، من تطور تجربة درويش الشعرية ، إلى الصفاء التعبيري الذي بدأ يميز قصائده. ففي هذه المرحلة تصبح قصائد الشاعر أكثر صفاء ، وتتخلص ، إلى حد كبير ، من تراكم الصور الشعرية وفائض اللغة الذي نقع عليه في القصيدة العربية المعاصرة. وهو ما هيأ الشاعر لانعطافة حاسمة في شكل قصيدته وصوره الشعرية وطبيعة بناء قصيدته بعامة. وتتحقق هذه الانعطافة في مجموعتيه: "هي أغنية ، هي أغنية" (1986) ، و"ورد أقل" (1987) حيث تصبح القصيدة أكثر كثافة واختزالا ، وأكثر التفاتا إلى ما هو كوني في التجربة. ثمة في قصائد هاتين المجموعتين اشتغال على ثيمات صغيرة كانت مهملة ومقصاة في شعر درويش السابق ، ومحاولة لأنسنة الهزيمة والخسارات التي يحولها الشاعر إلى أغاني للعادي والبسيط والمشترك الإنساني في لحظات الهزائم الشخصية والجماعية.

في هذا المفصل من مفاصل تجربة درويش يمكن القول إنه يصبح واحدا من كبار شعراء العالم في القرن العشرين من خلال تركيزه على المشترك الإنساني وقدرته على صوغ الشخصي والجماعي الفلسطيني بطريقة بعيدة عن الشعاري والبطولي الذي ميز التجربة الشعرية الفلسطينية على مدار أكثر من ربع قرن. ولا أنتقص بهذا الكلام من شعر درويش السابق بل إنني أحاول تلمس منحنى صعود تجربة الشاعر ، والتنبيه إلى قدرته على العثور ، في كل مرحلة من مراحل تطور تجربته ، على ما ينضج شخصيته الشعرية ويدفع بقصيدته لتجاوز ما استقرت عليه ، صورا ومجازات وأشكال تعبير ، وسلوك مسار جديد يعبر عن تجدد شخصيته الشعرية. إن درويش يجدل ، في هاتين المجموعتين ، التطوير الشكلي بمسرحة المأزق الفلسطيني بعد الخروج من بيروت عام 1982 حيث يتجلّى انسداد الأفق في صور شعرية تعبر عن الإرهاق وفقدان الأمل والإحساس بالتراجيديا الفلسطينية وقد قاربت عناصرها على الاكتمال. وفي ذروة هذا الانسداد والتيقن من اليأس الشامل يفتح الشاعر قصيدته على أمل غامض يتمثل في نهايات القصائد المفتوحة.



تضيق بنا الأرض. تحشرنا في الممر الأخير ، فنخلع أعضاءنا ونمر

وتعصرنا الأرض. يا ليتنا قمحها كي نموت ونحيا. ويا ليتها أمنا

لترحمنا أمنا. ليتنا صور للصخور التي سوف يحملها حلمنا

مرايا. رأينا وجوه الذين سيقتلهم في الدفاع الأخير عن الروح آخرنا

بكينا على عيد أطفالهم. ورأينا وجوه الذين سيرمون أطفالنا

من نوافذ هذا الفضاء الأخير. مرايا سيصقلها نجمنا.

إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟ أين تطير العصافير بعد السماء

الأخيرة أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير؟ سنكتب أسماءنا بالبخار

الملون بالقرمزي سنقطع كف النشيد ليكمله لحمنا

هنا سنموت. هنا في الممر الأخير. هنا أو هنا سوف يغرس زيتونه... دمنا. (ورد أقل)



في القصيدة السابقة يعيد درويش إنتاج التجربة الفلسطينية ، يلخص الشرط التراجيدي للوجود الفلسطيني بعد الخروج. ثمة ممر أخير وعصافير بلغت بطيرانها سقف السماء ونباتات تنفست هواءها الأخير ، وحدود أخيرة ، لكن الدم في نهاية القصيدة يعلن عن البداية الغامضة ، عن أمل لا شفاء منه في قصيدة درويش التي تذهب في معراج صعودها الفني إلى إعادة تأمل الأشياء الصغيرة والحكايات الناقصة لقراءة مشهد الشتات الفلسطيني في أكثر صوره رمزية وتعبيرا عن تراجيديا التجربة الإنسانية. في هذه المرحلة ، من مراحل تطور تجربته الشعرية ، يجدل الشاعر ما هو وطني ــ قومي بما هو إنساني لتصبح التجربة الفلسطينية وجها آخر من وجوه عذاب البشر على هذه الأرض. وهو يسعى بدءا من مجموعته الشعرية"أرى ما أريد" (1990) ، وصولا إلى مجموعته الأخيرة "سرير الغريبة" (1999) ، إلى تطعيم عالمه بمشاغل شعرية ذات طموح كوني. بهذا المعنى لم تعد عناصر التجربة الفلسطينية تحتل بؤرة شعر درويش ، بل إن عناصر هذه التجربة أصبحت تتخايل عبر الأساطير التي ينسجها الشاعر أو يعيد موضعة عناصرها التي يقوم باستعارتها من حكايات الآخرين ، ومن ثمّ يجدلها بحكاية شعبه وحكايته الشخصية كذلك.

أصبح درويش في هذه المرحلة صانع أساطير ، يولّد حكايات من حكايات ويبني عالما أسطوريا تتمازج فيه حكايات الشعوب وأحلامها في أرض القصيدة التي تسعى إلى وضع حكاية الفلسطينيين في أفقها الكوني وتخليصها من محليتها ومباشريتها. وقد انعكس ذلك غموضا فاتنا على صوره وعالمه الشعري الذي ظل يحاول ، لفترة زمنية طويلة ، التخلص من حمولته السياسية المباشرة لصالح إنجاز قصائد كبيرة قادرة على أن تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن. إنه يمزج في قصائد "أرى ما أريد" بين نوعين من التخليق الأسطوري: الأول يقيم من عناصر الطبيعة والوجود مشهدا فردوسيا متخيلا ، أما الثاني فيسعى إلى بناء أساطير كبرى من فتات حكايات ومواد أولية مستعارة من بنى أسطورية متداولة في ثقافات الشعوب. ويمكن التمثيل على النوع الأول من عملية التخليق الأسطوري بـالـ "رباعيات" التي تعيد ترتيب عناصر الطبيعة استنادا إلى العين الداخلية لضمير المتكلم.

أرى ما أريد من الحقل.. إني أرى

جدائل قمح تمشطها الريح ، أغمض عينيّ:

هذا السراب يؤدي إلى النهوند

وهذا السكون يؤدي إلى اللازورد



إننا نمثل في حضرة فردوس مستعاد ، في حضرة الطبيعة البكر التي لم تلوثها الحروب والصراعات ، ولم تتوال عليها الهزائم والانتصارات. وهذه رؤية أسطورية تتخذ من العودة إلى عالم الطفولة وأرضها مادة ينسج منها الشاعر حلمه بأرض يخفت فيها الصراع ويصخب فيها عرس الطبيعة.

أرى ما أريد من الروح: وجه الحجر

وقد حكّه البرق ، خضراء يا أرض .. خضراء يا أرض روحي

أما كنت طفلا على حافة البئر يلعب؟

ما زلت ألعب.. هذا المدى ساحتي ، والحجارة ريحي



لكن الصراع ينبض في جذور هذا العالم الفردوسي المتخيل ، والتجربة الفلسطينية ، التي يقوم الشاعر بتذويبها في حكاية الضياع الأندلسية ، تفجر هذا الفردوس الأرضي الذي يحاول الشاعر بناءه. ثمة بحر ونوارس وحمام وغزال وعشب وجدول ماء ، لكن الوحش متوار في ثنايا الحكاية المشتهاة يهدد هذا العالم المرغوب.

أرى ما أريد من المسرح العبثي: الوحوش

قضاة المحاكم ، قبعة الامبراطور ، اقنعة العصر ،

لون السماء القديمة ، راقصة القصر ، فوضى الجيوش

فأنسى الجميع ، ولا أتذكر إلا الضحية خلف الستار..



المستوى الآخر في عملية التخليق الأسطوري يحققه درويش في قصائد "هدنة مع المغول أمام غابة السنديان" ، و"مأساة النرجس ملهاة الفضة" ، و" الهدهد" ، وهي تمثل في مجموعها تأوّج تجربة درويش وبلوغها مرحلة مدهشة من النضج الشعري وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة. في هذه القصائد تتداخل الحكايات ، ويصبح من الصعب على القارئ أن يفصل عناصر حكايتنا عن عناصر حكايتهم: وهو ما يرقى بشعر درويش ، في هذه المرحلة ، ليصبح شعرا إنسانيا خالدا قادرا على التعبير عن حكاية البشر ، لا حكاية بعض البشر. وهذا ما تقوم به ، خير قيام ، الأسطورة التي تعمل على تمثيل الأنماط الكونية من خلال شخوصها الرمزيين ولغتها الرمزية الشاملة.



ينتقل درويش في مجموعته "أحد عشر كوكبا" (1992) ، التي لا يزايلها هاجس الأسطرة والتخليق الأسطوري ، إلى رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين مبددا بذلك شبهة المباشرة ، والعاطفية المفرطة ، وموفرا كذلك محورا كونيا للتجربة الفلسطينية ببعديها الرمزي والواقعي. في هذا السياق تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر وريتا وسوفوكليس والكنعانيون ، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية ــ الشخصية صيغة للتعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين "من الأندلس". إن شعر درويش يعبر عن الروح الفلسطينية اللائبة المعذبة الباحثة عن خلاص فردي ــ جماعي من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا ، لكنه في "أحد عشر كوكبا" يقدم أمثولات تاريخية صالحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية ، من بين تجارب أخرى. إن صورة العرب الخارجين من الأندلس في قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" ، وصورة الهنود الحمر في"خطبة "الهندي الأحمر" ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض"، تمثل كل منهما استعارة بدْئية (نمطية) Archetype تتطابق مع صورة الفلسطيني المشرد المقتلع المرتحل بعيدا عن أرضه: ومحمود درويش يكشف عن سر استعارته حين يضع عبارة "الهندي الأحمر" بين مزدوجين مومئا إلى هندي أحمر معاصر ، هندي أحمر فلسطيني يعرض في "خطبته" مفارقة انتصار الآخر وهزيمته هو.

هكذا يعيد درويش قراءة تاريخ الأندلسيين الخارجين من الأندلس حيث يلعب الماضي دوره بوصفه مرآة للحاضر ، وتضيء صورة "العرب الخارجين من الأندلس" هزيمة الحاضر المدوية ، وتختلط الفاجعة بالأمل ، بذكرى الفردوس الأندلسي ــ الفلسطيني المفقود.

الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس

الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس



الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود

الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود



أما في"خطبة "الهندي الأحمر" ــ ما قبل الأخيرة ــ أمام الرجل الأبيض"فإن التطابق بين صورة الهندي الأحمر ، في فضائها التاريخي ، وصورة الفلسطيني المعاصر ، يبدو حادا تماما على خلفية وصول المشروع الوطني الفلسطيني إلى انعطافة تاريخية مؤرقة. ومن ثمّ تبدو خطبة الهندي الأحمر بمثابة تسليم أن الفضاء التاريخي ــ الجغرافي أصبح محتلا بالآخر ، بحديده وطائراته وأيديولوجيا الجنون التي يحملها معه. إن المتكلم في القصيدة (الهندي الأحمر) والعناصر الزمانية والمكانية ، والصور الشعرية والرموز المركبة فيها ، يمكن تحويرها لتدل على الفلسطيني في شرطه التاريخي المعقد واصطدامه بجدار مشروعه التاريخي.

... أسماؤنا شجر من كلام الإله ، وطير تحلق أعلى

من البندقية. لا تقطعوا شجر الإسم يا أيها القادمون

من البحر حربا ، ولا تنفثوا خيلكم لهبا في السهول

لكم ربكم ولنا ربنا ، ولكم دينكم ولنا ديننا

فلا تدفنوا ألله في كتب وعدتكم بأرض على أرضنا



إن الأفق يبدو قاتما في هذه القصيدة ، كما أن حضور عناصر الطبيعة ، التي تختزن أشباح المهزومين وتذوبهم ليصبحوا جزءا منها ، يعيد شعر درويش إلى محوره الأسطوري حين تنفتح القصيدة على فضاء الغرابة والدهشة والمرارة والإحساس الغائر بالفاجعة.

هنالك موتى يضيئون ليل الفراشات ، موتى

يجيئون فجرا لكي يشربوا شايهم معكم ، هادئين

كما تركتهم بنادقكم ، فاتركوا يا ضيوف المكان

مقاعد خالية للمضيفين.. كي يقرؤوا

عليكم شروط السلام مع الميتين،



يتحول درويش في مجموعاته التالية "لماذا تركت الحصان وحيدا" (1995) ، و"جدارية" (1999) ، و"سرير الغريبة" (2000) ، وصولا إلى "أثر الفراشة" (2008) كتابة شبه سيرة ذاتية ، إلى توليف عناصر من عيشه الشخصي مع عناصر من التاريخ الفلسطيني الجماعي ، والحكايات والأساطير والاقتباسات القرآنية والتوراتية ، للتعبير عن الإحساس العميق بالمنفى الجماعي والشخصي. لكن الإنشغال هنا بحكاية السيرة ، بتفتح الوعي على هذا العالم والانغماس في الحب ، لا تخفف من الشعور الملازم بالغربة والمنفى.

في "لماذا تركت الحصان وحيدا" يعيد الشاعر ترتيب كسر الماضي الشخصي ويسقط أحداث الحاضر على الماضي في كتاب شعري يوهم قارئه بأنه معني بتجلية صورة الولادة ، عبر توسل عناصر المشهد الرعوي ، وهيمنة عناصر الخصب ، وتجلي فصل الربيع في شهر آذار.

... كان المكان معدّا لمولده: تلّة

من رياحين أجداده تتلفت شرقا وغربا. وزيتونة

قرب زيتونة في المصاحف تعلي سطوح اللغة...

ودخانا من اللازورد يؤثث هذا النهار لمسألة

لا تخصّ سوى ألله. آذار طفل

الشهور المدلل. آذار يندف قطنا على شجر

اللوز. آذار يولم خبيزة لفناء الكنيسة.

آذار أرض لليل السنونو ، ولامرأة

تستعد لصرختها في البراري... وتمتد في

شجر السنديان.

لكن انتصار الحاضر على مشهد الولادة ، بتأزم أفق الصراع وثقل الواقع الضاغط ، يدفع القصيدة إلى التلون برؤيا الغريب المنفي ، ويصبح اليأس والإحباط ، من التجربة الجماعية التاريخية ، مهيمنين في فصول هذه المجموعة الشعرية التي تنفتح على المجموعة الشعرية التالية "سرير الغريبة" من خلال حضور مادة السيرة الشخصية والإلحاح على حضور المنفى في تلافيف حكاية العشق التي يكتب الشاعر سوناتاته المدهشة إنطلاقا منها. وبذلك دشن درويش فضاء جديدا لتجربته الشعرية عبر تخليصه هذه التجربة من ثقل الواقعة التاريخية وإعادته النظر في عناصر سيرته ، متأملا الماضي في ضوء الحاضر ، جادلا الشخصي بالجماعي ، واضعا تراجيديا الوجود الفلسطيني في بؤرة الحياة الداخلية للشاعر من خلال مجموعاته الشعرية التالية: حالة حصار(2002) ، لا تعتذر عما فعلت (2003) ، وكزهر اللوز أو أبعد (2005) ، وحتى "أثر الفراشة" (2008).

لقد عمل درويش في سنواته الأخيرة التي قضاها على هذه الأرض على تأويج تجربته الشعرية ، على تزويج شعريات مختلفة لبعضها بعضا ، والاهتمام بالثيمات الكبرى (الحب والموت ، الانتصار والهزيمة ، الجسد والفكر ، الأنا والآخر ، إلخ) ، وكذلك السعي للكتابة عن التفاصيل الصغرى والهوامش لكتابة قصيدة كونية ، بالغا في شعره ذرى كان سيواصلها لو كان هناك بقية من عمر.

fsaleh@addustour.com.jo

Date : 15-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش