الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود درويش.. سيرة الشاعر الذاهبة دائما نحو سيرة فلسطين

تم نشره في الاثنين 11 آب / أغسطس 2008. 02:00 مـساءً
محمود درويش.. سيرة الشاعر الذاهبة دائما نحو سيرة فلسطين

 

عمان ـ الدستور يغيب درويش مثل الفراشة التي كان "أثرها" آخر الأعمال التي تركها لأمته ولشعبه ولأصدقائه وللملايين من قرائه ومحبيه ، رحل كما الفراشة ، مودعا قضيته ، وقد أودعها مثل أعز وأغلى الأمانات في قلوب الملايين من قرائه ومحبيه ، وكان الشاعر سبق له وان اجرى عمليتين في القلب سنة 1984 و,1998 وكانت العملية الاخيرة وراء ولادة قصيدته المطولة "جدارية" التي يقول فيها "هزمتك يا موت ، الفنون الجميلة جميعها هزمتك". ومما جاء فيها أيضا: "سوف أكون ما سأصيرُ في الفلك الأخيرً. وكلُّ شيء أبيضُ ، البحرُ المعلَّق فوق سقف غمامة بيضاءَ. واللا شيء أبيضُ في سماء المُطلق البيضاء. كُنتُ ، ولم أكُن. فأنا وحيد في نواحي هذه الأبديّة البيضاء. جئتُ قُبيَل ميعادي: فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي"ماذا فعلتَ ، هناك ، في الدنيا؟".

وفعل درويش كل ما من شأنه أن يجعله نجما متألقا في سماء الشعر العربي. وقدم لقضيته الفلسطينية ما لم يقدمه شاعر عربي آخر. وظلت كلماته تهز الإسرائيليين وتخيفهم في العمق وتجرح ، بسكين الحقيقة ، غبار أساطيرهم وتبدد ملح فضتهم. وكانت قصيدته الشهيرة "أيها المارون بين الكلمات العابرة" قد أثارت هزة عنيفة في مختلف أركان المجتمع الصهيوني في إسرائيل ، ويقول درويش في هذه القصيدة: "أيها المارون بين الكلمات العابرة احملوا أسماءكم وانصرفوا واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ، وانصرفوا وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة وخذوا ما شئتم من صور ، كي تعرفوا انكم لن تعرفوا كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء. أيها المارون بين الكلمات العابرة منكم السيف - ومنا دمنا منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا منكم دبابة أخرى - ومنا حجر منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر وعلينا ما عليكم من سماء وهواء فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا وعلينا ، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء وعلينا ، نحن ، أن نحيا كما نحن نشاء أيها المارون بين الكلمات العابرة كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة فلنا في أرضنا ما نعمل ولنا قمح نربيه ونسقيه ندى أجسادنا ولنا ما ليس يرضيكم هنا حجر.. أو خجل فخذوا الماضي ، إذا شئتم إلى سوق التحف وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد ، إن شئتم على صحن خزف لنا ما ليس يرضيكم ، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل".

ويجمع نقاد ومثقفون من كل أرجاء الوطن العربي على ان قصائد درويش منحت المقاومة ضد الوجود الصهيوني في فلسطين سلاحا لا يبلى من العزيمة على الثبات بعدالة القضية الفلسطينية ، والدفاع عن قدسيتها ، وذلك الى الحد الذي جعل نياط قلوب مئات الملايين تنشد الى قضيته. وعندما كان درويش منفيا كتب قصيدته الشهيرة التي غناها كل العرب مع زياد الرحباني: "أحن الى خبز أمي وقهوة أمي. وتكبر في الطفولة يوما على صدر يومي. وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي". وعندما عاد درويش الى فلسطين مع العائدين في إطار اتفاق السلام ، عاد درويش الى بيته القديم لجده ظلا وأطلالا. ولد درويش في فلسطين في قرية البروة في الجليل الغربي عام 1942 ودمرت قريته عام 1948 واقيم مكانها قرية زراعية يهودية باسم "احي هود" ونشأ وترعرع في قرية الجديدة المجاورة لقريته.

وكانت كل قصيدة من قصائد درويش تردد صدى الضمير الفلسطيني من أدنى التفاصيل الى أدناها. وكتب يقول في "قصيدة الأرض": "في شهر آذار ، في سنة الإنتفاضة ، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات. وقفن على باب مدرسة إبتدائية ، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق النهائي - آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي ، ومن رقصة الفتيات - البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات. العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي. وجرب درويش كل فنون الشعر وطرائقه ، من اجل أن يمسك بغيمة المعنى ، وليرفع سماوات الشعر العربي الحديث الى ما لم ترتفع اليه ، ليس في قصائده النضالية وحدها بل وفي قصائد الحب التي كان واحدا من اكبر فرسانها في الشعر العربي الحديث. ومن احدها بعنوان "الجميلات هن الجميلات" ، يقول درويش: الجميلات هنَّ الجميلاتُ "نقش الكمنجات في الخاصرة"(....) الجميلات هنَّ الكبيراتُ "مانجو مقشرةّ ونبيذّ معتق" الجميلات هنَّ الصغيراتُ "وَعْدُ غدْ وبراعم زنبق" الجميلات ، كلّ الجميلات ، أنت إذا ما اجتمعن ليخترن لي أنبلَ القاتلات".

وكان درويش هو الذي كتب نص إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تم إعلانه في الجزائر عام ,1988 وشغل درويش منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر مجلة "الكرمل" ، وتقلبت به المنافي ليقيم في باريس وبيروت وتونس ، قبل ان يعود الى رام الله.

وكان درويش في مطلع شبابه عضوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي الذي وجد فيه الكثير من فلسطينيي عام 1948 غطاء سياسيا لنضالاتهم الأولى ضد العنصرية الصهيونية. وعمل في مجلة الجديد وصحيفة الاتحاد ولوحق من اجهزة الامن الاسرائيلية ومن ثم فرضت عليه الاقامة الجبرية ما بين عام 1961 حتى غادر عام ,1972

ونال محمود درويش عدة جوائز عالمية تكريما لشعره. منها ، جائزة لوتس عام 1969 ، وجائزة البحر المتوسط عام 1980 ، ودرع الثورة الفلسطينية عام 1981 ، ولوحة أوروبا للشعر عام ,1981 وظل درويش واحدا من أبرز المرشحين العرب لنيل جائزة نوبل للأدب ، إلا ان حظوظه بنيلها ظلت موضع شكوك جديرة بالاعتبار تتعلق بالموقف الإنساني النضالي الذي ظل يغلب على شعره. ولكنه غاب ، مثلما تغيب الفراشة ، تاركنا في قلبنا جرحا ، والقلب مفتوح ، مثلما ظل قلبه مفتوحا على أمل بالحرية: على أمل بالحياة.

التاريخ : 11-08-2008

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل