الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أزمة العمل السياسي الإسلامي في الوطن العربي ..المأزق والمخرج

تم نشره في الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2016. 07:00 صباحاً

د. عبد الله العكايلة



يدرك المعنيون بالهم الإسلامي كما يدرك المحللون والمراقبون السياسسون حجم التراجع والانحسار ، لا بل الاندثار للأثر السياسي الإسلامي على واقع الدولة في الأقطار العربية وعلى نظم الحياة فيها .

لقد غدا  الانتماء للحركة الإسلامية التي كان معولا عليها إقامة الدولة الإسلامية ، تهمة يعاقب عليها القانون في معظم الأقطار العربية ، وهي التي كانت شعوبها قد تعلقت بهذه الحركة وبنت أمالا كبيرة عليها واصطفت جماهيرها خلفها كأكبر قوة تنظيمية ، وبأوسع قاعدة جماهيرية واعرض تشكيلة للكفاءات الفنية والتخصصات النوعية القادرة على التقدم نحو إدارة شؤون الحكم وإقامة بناء الدولة .

لقد بات واضحا لأبناء الحركة الإسلامية كما هو واضح لرجل الشارع العادي ، أن أمل الحركة في تحقيق هدف استئناف الحياة الإسلامية وإقامة حكم الله في حياة الامة كان أكبر واقرب في بداية القرن الذي نشأت فيه منه في وضعها الحالي .

وهاهي الأمة تقف اليوم على منتصف العقد الثاني من قرن جديد مقطعة الأوصال ممزقة الأشلاء منهوكة القوى بفعل الحروب الأهلية والصراع على السلطة الموهومة فيما أفرزته ثورات الربيع العربي من دخول أصابع خارجية حرفتها عن مسارها وأدخلت الامة في فتن الاقتتال الداخلي الأمر الذي انعكس فيما نراه من حالة الذل والهوان واستباحة الحرمات واحتلال الأوطان وتشريد ملايين اللاجئين ، وغدت نهبا للطامعين والغزاة والمحتلين وعمت الغثائية صفوفها حتى نزع الله المهابة من صدور أعدائها منها ، إلا ما يبعث ببارقة الأمل فيما تحمله النماذج الواعدة كتلك التي نشهدها على ارض فلسطين من مقاومة المحتل والتصدي لمخططاته .

إن مما يعمق مأساة هذه الامة هو مشارفتها على اليأس من سبيل الخلاص الذي كانت ترجوه وتحلم به على أيدي القوى السياسية الفاعلة ذات القواعد والجماهير العريضة ، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية .

فهل آن الأوان لانطلاقة نوعية جديدة ومنهجية عملية سديدة بحركة منظمة واعية ، رشيدة تستوعب تجربة الماضي وتستحضر عبره ودروسه ، تستند إلى الثوابت والمنطلقات وتتفاعل مع الواقع والمعطيات وترسم مسيرة المستقبل و ما ترنو اية من تطلعات ؟ .

هل تنهض الحركة الجديدة بتيار عريض يحمل هموم الوطن وحاجات المواطن وأولوياته ، ببرامج عمل وآليات لا بمجرد الخطب والشعارات والبيانات بنزعة الانحياز إلى مقاصد الشرع في الارتقاء الكريم بحياة الناس كل الناس مسلمهم ونصرانيهم ، مدنيهم وقرويهم ، حضريهم وبدويهم ؟.



هل ينهض المشروع الإسلامي وفقا لمقتضيات الرسالة ليبسط رداءه لكل الناس ويستظل بظله كل الناس ، بغض النظر عن عرقهم ولونهم وموطن ولادتهم ودينهم ، فيرعى مصالحهم ويلبي حاجاتهم ويتصدى لهمومهم  ليصوغ وحدة وطنية يتصدي نسيجها الاجتماعي المتين وقاعدتها المتماسكة الصلبة ومصالحها العريضة المشتركة لكل محاول الهدم ومحاولات الشرذمة والتخريب والاختراق ؟.

هل يتقدم المشروع الإسلامي الجديد برؤية جديدة ومنهجية عمل سديدة تأخذ بسنة التدافع والتفاعل والتعاون والبناء بعد أن أدركت الحركة الإسلامية مغبة الانعزال والمقاطعة ومرارة المحاصرة والمطاردة ؟ هل ينهض العقلاء والكبار بلملمة  الصفوف وإنهاء حالة التبرعم والتشرذم والانقسامات وفق رؤية جديدة وجادة نحو الإصلاح وتغليب المصلحة العامة  للشعب على كل المصالح الضيقة والتخلص من قيود التشدد الذي ورث الحركة ما الت اليه أوضاعها التي لا تسر صديقا ولا تسوء عدوا .



الاصلاح بدخول الميدان  لا بالهروب والمقاطعة



هل يوقن دعاة المشروع الإسلامي الإصلاحي الجديد ، إن سبيل الإصلاح انما يكون بدخول ميدان العمل والأخذ بسنة المدافعة لا بالهروب من ساحة العمل بالمقاطعة وان الإصلاح يستوجب الصبر والمصابرة والتصميم والمثابرة ؟.

هل سيعي دعاة المشروع الإسلامي الجديد ، ان الاكتفاء بتفريغ شحنة الغضب بخطية نارية أو بيان صاخب واعتبار ذلك أعذارا إلى الله ، ثم الإيواء إلى ساحة الإحباط والملل انما هو اقصر السبل وأيسرها للهروب من ساحة العمل والتخلي عن تحقيق الهدف علاوة على كونه أسرعها في حشد قوات الخصم واستدعاء مواجهته .

إن سحب هذا الأسلوب على مظنة الأعذار إلى الله يشوبها ما يشوبها من التدليس الذي يظلل حقيقة الإخفاق ، وما شاب النفوس من وهن العزيمة وتداعي الهمة وذهاب الشوكة .

هل يسعى المشروع الإسلامي إلى الإصلاح من خلال الدفع باتجاه المشاركة في السلطة ، والقرار بعد أن تهاوى سريعا في بعض الأقطار مع الاندفاع المرتجل للتلويح باستخدام لغة الحديد والنار ؟.

هل يستقر في وعي دعاة المشروع الإسلامي الإصلاحي الجديد أن من ينشد الإصلاح والتغيير لا بد من أن  يملك سلطة القرار ومواقع التدبير وان من يقع خارج دائرة الفعل يقع خارج دائرة التأثير ؟.

هل يدرك دعاة المشروع الإسلامي أن التمكين لدين الله لا يكون ولا يتحقق بمجرد رفع الشعارات ولا تنميق الخطب وإصدار البيانات ، على مالها من فضل ومزايا في صياغة الفكر وصناعة الرأي والتواصل مع الجمهور ؟

ان الناس قد ملوا الكلام وتحرك اصطفافهم نحو من يعملون ويخدمون ويقدمون للناس ما يحتاجون من خلال المواقع التي يشغلون والسلطة التي يملكون .

هل يعمل دعاة المشروع الإسلامي الجديد وفق حقيقة بدهية ومسلمة أبدية ، مفادها أن ساحة العمل السياسي ساحة صراع وتنافس وتدافع بين مختلف القوى الفاعلة على الساحة ، وما قد يوجهها أو يديرها أو يؤثر فيها من قوى خارجية ، وان الخصم لن يمكن لهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وان التحدي الذي يواجههم هو كيفية إدارة معركة الديمقراطية ودخول اللعبة السياسية ، وان نجاحهم يعتمد بعد مشيئة الله وتوفيقه على مدى إتقانهم لفنون المعركة وقواعد اللعبة ، ومعرفة أساليب الخصم ومواجهة طروحاته  بطروحات تفوقها وبرامجه ببرامج تتقدم عليها وقائمة رموزه بقائمة تتفوق عليها . إن المعركة تتطلب التفكير والتدبير لا التكفير ولا التطبيل والتزمير ، وان الرهان انما يكون على من يحوز ثقة الناس ويقوى على الاحتفاظ بها بما يعكسه عمليا من اثر في حياتهم وقدرة على تلبية احتياجاتهم ، فالناس اسرى حاجاتهم وهم لا يختلفون على شعار أن الاسلام هو الحل ، ولكنهم غير واثقين من قدرة من رفعوه على ترجمته واقعا ملموسا في حياتهم .

هل يتحرك المشروع الإسلامي متحللا ومتحررا من المعاذير والمكبلات والمقيدات التي طالما صرفت لتبرير الفشل مما استقر في عقلية المؤامرة والتأمر من الغرب والشرق على الاسلام وعدم السماح بالتمكين له .

إن التآمر على الاسلام مسلمة أبدية ليست خفية ولا جديدة على مسلم ، وان التعامل معها انما يكون بمواجهتها بمخطط مقابل كسبيل لتخطيها والانطلاق نحو تحقيق الهدف الكبير الذي قامت الحركة من اجل تحقيقه ، بدلا من التذرع بها والاتكاء عليها كمبرر للفشل الذي آلت اليه الحال .

إن كل حركات التغير والإصلاح في العالم لم تقم في ارض خالية ولا على ساحة مهملة أو مغفلة من مخططات أو مطامع الخصوم والأعداء ، بل كان لها جميعا أعداء حقيقيون في الخارج وعملاء لهم في الداخل كما لهم خصوم  ومنافسون في الداخل أيضا ، ومع ذلك فقد استطاعت عبر خططها الإستراتيجية وأهدافها المرحلية وبرامجها العملية أن تحقق أهدافها وغاياتها النهائية .

لقد صنعت تلك الحركات أو أسهمت في صناعة معطيات الزمان والمكان ، حربا وسلما ، خصومة وائتلافا ، مواجهة ومهادنة ، ولم تكن أسيره لما تفرزه وتفرضه مخططات الخصوم من معطيات ، ولا تنتظر قدر ما يترتب عليه من توقعات بل كانت كما أسلفت تصنع أو تسهم في صناعة الحاضر والمعطيات ، وعينها على ما خططت لتحقيقه في المستقبل من تطلعات .

إن الحق لا يوهب منة ولا يعطي طواعية ولا يهب محبة ولكنه يحرز منافسة ومدافعة وفقا لمعادلة موازين القوى الفاعلة على الساحة ، وان المربع الذي تخليه  قوة تملؤه قوة أخرى ، وان سنة الله في الناس هي مداولة الأيام بينهم وفقا لمعادلة المدافعة بين تلك القوى وما تعده لها من الأخذ بالأسباب .



اعادة صياغ الخطاب السياسي واستيعاب خط الاعتدال



هل بات واضحا لدى القائمين على المشروع الإسلامي أن الانتقال من مرحلة الدعوه إلى مرحلة الدولة لازالت ساحة مجهولة وغير مطروقة في ممارسة الحركة الإسلامية ، وانه بدون دخول تلك الساحة والعمل فيها ، فانه لا سبيل إلى تحقيق مقاصد الشرع و لا نية جادة لترجمة شعار الاسلام هو الحل إلى واقع في حياة المجتمع ؟

ان عبور مرحلة الدولة يختلف اختلافا جذريا عن الاشتغال في مرحلة الدعوة ، من حيث اختلاف الواقع التطبيقي عن الإطار التنظيري بكل ما يحمله من تعقيدات وتداخلات وساحات لم تكن مطروقة ولا معلومة في الإطار التنظيري.

ان على دعاة المشروع الإسلامي الجديد أن يستوعبوا أن خط الاعتدال والوسطية والمرونة والانفتاح الواعي ، محارب بهدوء عميق ومرصود بدقة متناهية ومخطط للحيلولة دون التمكين له كونه يمثل الخطر الحقيقي على المشروع المعادي.

لقد أصبح واضحا وجليا أن خط التطرف والمغالاة مرحب بظهوره لا بل مخطط لصناعته في كثير من الساحات على أيدي الخصوم لسهولة الحشد الإعلامي العالمي ضده لتبرير ضربه والقضاء عليه .

ولذا فلا بد من أن يقابل مكر الخصوم بالحنكة والحكمة وبالكياسة والفطنة والحصافة وحسن التدبير.

إن على دعاة المشروع الجديد أن يتعظوا من دروس الماضي التي استدرجت أو انزلقت فيها بعض النماذج إلى لغة التلويح بالقوة دون امتلاك القدرة ، والتهديد والوعيد دون امتلاك مقومات الانتقال إلى واقع جديد مما دفع إلى استعجال بطش مراكز القوة بمواطن الضعف واستدعاء فتنة في ظل انعدام توازن القوى وتمزيق لجسم الوطن وفتح شلال دم وأذكار نار حرب أهلية .

إن على الإصلاحيين الجدد أن يعيدوا صياغة خطابهم السياسي ، وان يرتبوا أجندتهم وفقا للأولويات وفي ظل المعطيات وألا تتداخل لديهم تلك الأولويات ولا تضطرب الرؤى وتختل عندهم المنطلقات .

ان قيام المشروع الإسلامي الإصلاحي في أي قطر ، انما يعني بالضرورة أن تحتل هموم ذلك القطر وحاجاته الملحة الأولوية القصوى على قائمة أولوياته في إطار منسق ومتكامل مع الهموم القومية والإسلامية دفعا لضبابية الرؤية أو خلل التصور أو قصور الإدراك ، تحت مظنة الاهتمامات القطرية على حساب الهم القومي والإسلامي العام .

ان من أهم منطلقات المشروع الإسلامي الإصلاحي الجديد هو أن التحزب أصلا انما هو للفكرة لا للحزب أو التنظيم ، وان الانحياز للمبدأ القائم على الحق لا للأشخاص الذي يحملون عضوية الحزب أو التنظيم فحسب ، وان الدوران انما هومع مقاصد الاسلام حيث دار ، وان من يلتقي معنا عليها هو منا سياسيا وان كان من غير ديننا عقديا او من غير حزبنا تنظيميا ، وان التعاون مع كل من يلتقي معنا على القواسم المشتركة ومصالح الوطن وهموم المواطن هو ممن يعملون على تحقيق مقاصد شرعنا وتعاليم ديننا .

وان إعذار بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه هو أيضا من منظومة قيم إسلامنا في أدب الحوار والاختلاف مع غيرنا .



رسالة للاسلاميين والقوميين والوطنيين



إن على كل دعاة الإصلاح الصادقين المخلصين من إسلاميين وقوميين أو وطنيين ، ان يوقفوا مهزلة العبث ومسيرة التيه التي وظفت قرابة نصف قرن من الأجنبي المستعمر في وضع العروبة والقومية في مواجهة الاسلام ، لاستخدام تلك الخصومة المفتعلة سلاحا فاعلا في ضرب وحدة الامة ،وتقسيم الوطن والحيلولة دون النهوض من جديد .

لقد توحدت كل شعوب العالم بمختلف قومياتهم واثنياتهم وأعراقهم ودياناتهم في ظل الولايات المتحدة الأمريكية ، وتتوحد اليوم قوميات أوروبا متجاوزة كل تاريخ الحروب والدماء فيما بينها ، بينما تشرذمت امتنا وقسم وطننا واحتلت أراضينا واستبيحت حرماتنا ونهبت ثرواتنا وصودرت إرادتنا وأشرفت على الياس آمالنا .

إننا نلتقي على وحدة الشعب والوطن والأمة والنهوض بمستوى معيشة المواطن وتوفير الحياة الكريمة له ، وتحرير ما اغتصب من أوطاننا ودفع عجلة التقدم والتطور في بلدنا واستعادة هيبتنا وكرامتنا وبناء حضارتنا وفق منظومة قيمنا ومبادئ ديننا ووضع امتنا في المكانة اللائقة بها على الساحة الدولية من حولنا ، فإذا كنا  جميعا إسلاميين وقوميين ووطنيين نلتقي على ذلك ونزعم أننا نتبارى في تحقيقه ، فعلام استمرار هذه العبثية في النهج والتردي في الموقف والغثائية في الوزن.

انه لا مفر لدعاة الإصلاح الصادقين المخلصين من مختلف التيارات الفكرية والسياسية من اللقاء والحوار بعيدا عن التخندق الحزبي والتعصب الفكري والحكم المبدئي على الآخرين أو التذاكي عليهم أو السعي إلى احتوائهم لتحقيق مكاسب وهمية أو توسيع مظلة شكلية.

إن الدعوة إلى اللقاء هي دعوة للالتقاء على المصالح المشتركة ، أنها دعوة إلى كلمة سواء أساسها الحق وميدانها الحقيقية وهدفها المصلحة المشتركة .

إن ساحة الائتلاف في العمل السياسي الجاد واسعة ومتاحة لكل الصادقين المخلصين من مختلف ألوان الطيف السياسي ، ممن يلتقون على مبدأ التداول السلمي للسلطة وفقا لإرادة الشعب الحر و ماتفرزه صناديق الاقتراع وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار ، حتى مع وجود حزب سياسي يحوز أغلبية المقاعد في مجلس النواب بمفرده أو بائتلاف مع غيره من الأحزاب والشخصيات المستقلة ، للالتقاء على أجندة شاملة تمثل هموم الشعب ومصالح الوطن ممتدة إلى عمقها العربي مظللة بمنظومة قيم وفكر إسلامي.



الاخفاق بنقل مراكب الشعوب إلى فضاء الشعارات والعجز عن الهبوط بها لمدارج حياة الناس وحركة المجتمع



ألم يتعلم كل الذين تقدموا بطروحات نظرية مجردة وشعارات كبيرة براقة على المستويين الإسلامي والقومي عبر مسيرة خمسين عاما ونيف ، أنهم حين أخفقوا في نقل مراكب الشعوب إلى فضاء تلك الشعارات ، كان عليهم أن يهبطوا بتلك الشعارات إلى مدارج حياة الناس وحركة المجتمع ، حيث حكمت شرائع القهر والتسلط والإذلال والفساد ونهب خيرات الامة وإضعاف شوكتها وجعلها ساحة مستباحة لمطامع المستعمرين والغزاة والمغتصبين .

لقد كان لإخلاء الساحة السياسية أو خلوها من القوى  الإسلامية في الأقطار العربية ، وكذلك الحال من القوى القومية في بعض الأقطار العربية ظاهرة بروز ما عرف بمنظومة الرموز الوطنية لملء الفراغ حول الأنظمة على خلفية العداء بين الأنظمة والقوى الإسلامية والقومية ، ولم يكن لتلك الرموز الوطنية بطبيعة الحال من اطر فكرية أو طروحات ايدولوجية سوى مقولة المصلحة الوطنية التي كانت تعد من نافلة القول أبجدية في الطروحات الإسلامية والقومية ولكن نظرا لربطها بمحتواها الإسلامي وببعدها القومي كانت تبدو ثانوية في نظر دعاة الوطنية.

لقد بدت معادلة التعامل بين الأنظمة والرموز الوطنية معادلة سهلة قائمة على تبادل المنافع ، فالنظام يوليهم مراكز المسؤولية ، وهم يدينون له بالولاء والتبعية وأصبحت مقايضة الولاء بالمواقع علنية وتسابقيه إلى المستوى الذي أيقنت فيه الأنظمة نفسها افتقار ذلك الولاء إلى المصداقية وقيامه على الابتزازية والانتهازية بدليل تبدل الخصومة والعداء ، بالتبعية والولاء ممن يخرجون من مواقع المسؤولية وتغيير المواقف عند ترك المواقع    

وبالرغم من سهولة معادلة المنفعة والولاء التي لجأت لها معظم الأنظمة لاستقطاب ولاء أو تبعية تلك الرموز التي لا تحظى بتمثيل جماهيري فيما عدا ما يستند إليه بعضها من بعد عشائري ، إلا أنها كانت متعبة  ومكلفة على مستوى جماهيري ، إذا وضعت الحكم وتلك الحفنة من الأفراد في مركب الرفاه وجماهير الشعب وسواد الناس في مركب المعاناة.

وحين عجزت القوى السياسية الإسلامية والقومية عن امتهان العمل السياسي ، وبناء المؤسسات السياسية الحزبية الملتصقة بهموم الشعب وحاجات الوطن وبناء الكوادر الحزبية الواعية والدفع الجماهيري الواعي باتجاه بناء مؤسسات المجتمع المدني وجعل الشعب مصدر السلطات ، كان البديل ان سادت معادلة المنفعة المتبادلة بين الأنظمة وماعرف بالرموز الوطنية .

ولقد نجحت بعض الأنظمة في توسيع معادلة المنفعة المتبادلة بأن طعمت قائمة الرموز الوطنية ببعض المذاقات الإسلامية أو القومية ، ممن لا يختلفون في منطلقاتهم ولا في أهدافهم عن أهداف زملائهم فجاءت معادلة الحكم عرجاء متعبة معادلة الحامل لفئة محدودة ، جلها من الباحثين عن السلطة والشهرة والثروة ، على حساب ثروة الوطن ومقدرات أجياله لا محمولا على قاعدة جماهيرية عريضة تعمل على صيانة ثروة الامة وحماية مستقبل أجيالها .

لقد أدرك الشعب الذي لم ير في تلك الرموز الوطنية تمثيلا له باستثناء ما مثل منها قاعدة العشيرة كما أدرك الإسلاميون والقوميون وفي يقيني أنظمة الحكم نفسها ، ان الخسارة قد عمت الجميع على مستويات متفاوتة كان أولها وأكثرها الشعب وآخرها الحكم وان الرابح الوحيد هي تلك الحفنة التي عاشت على معادلة التناقض بين التيارات الإسلامية من جهة ، ومعادلة ادعاء الولاء والتبعية مقابل تبوء مواقع المسؤولية من جهة أخرى.

لقد كانت كلفة الخصومة والعداوة بين الإسلاميين والقوميين من جهة ، وبين الإسلاميين وبعض القوميين وأنظمة الحكم من جهة أخرى ، باهضة على الشعب والوطن والأمة .



تبادل الاتهامات وبروز الفتنة



لقد ورثت حرب الاتهامات بالخيانة والعمالة والتبعية فما بينهم جميعا ما ورثت الامة والوطن من الذل والتقهقر والهوان الذي نعيشه اليوم  في ظل ذلك المناخ المحموم والأجواء المشحونة بالتوتر والتربص والملاحقة ، تدهورت الأوضاع إلى الحالة المأساوية التي شهد الوطن والأمة فيه زج عشرات الآلاف في السجون وقتل وتعليق الآلاف على أعواد المشانق، وأخذت المواجهة بين الأنظمة والإسلاميين على وجه الخصوص طابع حرب الإبادة والاجتثاث في بعض الأقطار العربية ، وطابع الملاحقة والمطاردة والمحاصرة إلى ابعد الحدود في أقطار أخرى ، وطابع التضييق والتحجيم في أحسنها حالا.

وحين تبلغ الفتنة ذروتها ويرى كل طرف من الأطراف في الآخر عدوا لدودا يستهدف وجوده ويسعى لاجتثاثه كان أمرا طبيعيا أن تكون المواجهة وان يسود المشهد الانتحاري المرعب.

فالأنظمة التي وصفت بالعمالة والخيانة والتبعية للأجنبي وضعت في مربع العداء والمواجهة للدفاع عن ذاتها وحماية وجودها واستمرار كياناتها ، ولو بالاستعانة بالدعم الخارجي والاستقواء بالأجنبي الذي صنفت أصلا امتدادا له .

والإسلاميون الذين رفعوا شعار إقامة الدولة الإسلامية اعتبروا العدو الأول لتلك الأنظمة باعتبار أن إقامة الدولة الإسلامية انما هو على حساب إسقاط تلك الأنظمة التي تنشط الحركة الإسلامية فيها وقد دفعت وحشية التعامل وقسوة التعذيب وشلال الدماء الذي أريق في بعض الأقطار في حالة التعامل مع الحركة الإسلامية ، ان ترى الحركة في تلك الأنظمة نماذج الكفر والطغيان التي وجب الخروج عليها .

لقد كان مخزون الغضب والقهر والعداوة هائلا إلى الحد الذي دفع إلى ساحة فتنة عمياء لم تبق ولم تذر ، حتى طالت السنة نيرانها الشيوخ والأطفال والنساء في مواجهة دخلت أطرافها معركة بقاء أو فناء.

وخرجت الحالة الأردنية استثناءا من كل ذلك السياق في نموذج كانت له خصوصيته ، حكمتها اعتبارات تخص النظام وأخرى تخص الحركة ، واستقرت وفق معادلة يسمح فيها للحركة بالنمو والعمل الدعوي والخيري والتربوي وإمكانية الانتشار ، مقابل الالتزام العملي بدعم الأمن والاستقرار مع المراجعة الدورية والمتابعة الحثيثة من قبل أجهزة النظام لحجم نمو الحركة وتمدد نشاطاتها لضبطها في ساحة مأمونة لا تشكل فيها خطرا ولا تملك فيها سلطة.

وقد رسخ استقرار مثل هذه المعادلة منهجية عمل الحركة ذاتها وتعاملها مع النظام عبر مسيرة خمسين عاما ونيف من تواضع أهدافها وبساطة تطلعاتها وصدق التزامها بأمن النظام واستقراره عبر كل الأزمات التي مر فيها والهزات التي تعرض لها.

لقد سجل النموذج الأردني في التعامل مابين الحركة والنظام نقلة نوعية ، وأملا واعدا لكل الحركات الإسلامية في الأقطار العربية التي لم تصل فيها الحالة إلى مرحلة كسر العظم بين الأنظمة وتلك الحركات ، يوم أن شاركت الحركة الإسلامية بثقل ملموس في الانتخابات التشريعية عامي 89 -90 ،  وفي الحكومة عام 91.

غير أن انكفاء التجربة وتراجع الحركة وانسحابها إلى الوراء من ساحة العمل السياسي والعودة إلى ما اعتادت عليه عبر مسيرتها الماضية ، أحبط الأمل في الشارع الأردني تماما كما أحبطه في الشارع العربي.

الاقتراب من الانظمة بدلا من وصفها بالخيانة



لقد كانت التجربة الأردنية بوابة أمل لانتشال أشلاء ما خلفته مأساة التجربة المرعبة في بعض الأقطار العربية ودفع البعض الأخر ممن لم ينزلق إلى جحيم تلك التجربة ، نحو ساحة جديدة ومنهجية عملية سديدة بإعلان هدنة وتصعيد لغة العقل وطي صفحة المأساة وبدء خطة مصالحة تمهيدا لعبور مرحلة جديدة تتسع الفرصة فيها للعمل السياسي وتغلق فيها ساحة النزال الدموي .

الم يكن بالإمكان أن تتعامل الحركة السياسية الإسلامية والحركة القومية مع الأنظمة بعيد الاستقلال وانسحاب المستعمر ، تعاملا يعكس نضجا سياسيا وحرصا واعيا على مصير الوطن والأمة بالاقتراب من الأنظمة الحاكمة بدلا من وصفها بالخيانة والعمالة ودفعها إلى الالتصاق بالأجنبي طلبا للحماية والاستقواء به على الشعوب والتبعية التلقائية لمخططاته؟.

ألم يكن بالإمكان إلا ما كان الم يعد ممكنا بعد حتى على افتراض وجود أنظمة تشكل امتدادا للإرادة الأجنبية والاملاءات الخارجية على حساب المصالح الوطنية ، أقول الم يعد ممكنا التفكير والتدبير للتعامل حتى مع مثل هذه الأنظمة لإعانتها تدريجيا على  التحلل من التزاماتها والتحرر من قيودها والعمل على احتوائها وطنيا بدلا من استمرار احتوائها أجنبيا ؟.

لقد كانت معركة الساعد والسلاح فيما بين الحركات الإسلامية ومثل تلك الأنظمة خاسرة وفقا لانعدام تكافؤ أو تقارب موازين القوى ، وأسفرت عما أسفرت عنه من مآسي تجتر الامة اليوم مرارتها.

فهلا جربت معركة العقل والتفكير والتدبير على أساس المصلحة المشتركة وفي مقدمتها مصلحة النظام الحاكم قبل غيره بانتشاله من قلق اجنبيته إلى امن ودفء وطنيته؟.

لقد أصبحت معادلة التعاون والتفاعل والبناء بين الحركة الإسلامية والقوى السياسية الفاعلة واجبة ، وبينها وبين الأنظمة اوجب للالتقاء على القواسم المشتركة والمصالح العليا للوطن والشعب والأمة وبغير ذلك فسوف نجد أنفسنا جميعا بصدد هدم القواسم المشتركة والأهداف والمصالح العليا وتقاسم لفئات الشعب وشرائحه وتشرذم للأمة وتهديد لوحدة الوطن وتمزيق لنسيجه الاجتماعي ، مما يجعل كيان المجتمع هشا وبناء الدولة مخلخلا مما يغري الطامعين وييسر فرصة المتربصين.

لماذا لا تستوعب السياسة العربية تفاوت الاجتهادات والرؤى بين الحكم وبين المعارضة ، ولماذا تكون العلاقة في الأغلب علاقة عداوة واجتثاث لا علاقة رقابة وتصويب مسيرة أو حتى إمكانية ائتلاف ؟.

لماذا صاغ الحكم في الكيان الغاصب لأرض فلسطين معادلة التعايش بين قطبين متناقضين فيه تناقضا يهدد الكيان بأسره ، فيما إذا حكم احدهما دون الأخر ، بحيث إذا حكم العلمانيون فقد الكيان أساسه الديني الذي قام عليه وإذا حكم المتدينون المتشددون استقطب الكيان مقومات تهديده والحشد ضده ومحاصرة تمدد مشروعه وتوسع أطماعه .

وبالرغم من ذلك فقد صيغت معادلة التعايش بينهما حكما ومعارضة وتداول الطرفان الحكم وتناوبا عملية الرقابة والتسديد والتصويب والتعديل لسياسات الطرف الأخر معارضة له أو ائتلافا معه.

لقد كانت سياسة الاحتراب بين الحركة الإسلامية والحركة القومية تيها وتشتيتا لطاقات هذه الامة وتبديدا لآمالها وتطلعاتها في التحرر والوحدة.

وكانت المواجهة بين الحركة الإسلامية والأنظمة العربية قد عكست قصورا في التخطيط الاستراتيجي وضحالة في العمل السياسي وإجهاضا مبكرا لمشروعها الإصلاحي.



معادلة  الوطن والشعب والحكم



وبتواري المشروع الإسلامي عن ساحة العمل السياسي وبعجز دعاته ومفكريه وساسته عن التمكين له في حياة الامة ، وبغياب الرموز القومية الأصيلة والوطنية الصادقة ، سادت الساحة السياسية العربية نماذج هي مثار سخرية وحقد الشعب في السر ومسرح تصفيقه وتأييده في العلن ، فتهاوت الحياة السياسية المعتبرة وتبددت آمال الامة في الخلاص.

فحين يمتهن الدين دجلا أو يستكين دروشة وحين تصبح القومية إطارا للتخدير ومظلة للاحتواء وغربة للفكر والهوية وحين تصبح الوطنية والولاء والانتماء سلعة للتكسب ومطية للوصولية ، فلا غرو ولا غرابة أن يصبح الوطن ساحة مستباحة للغرباء ونهبا للدخلاء ومسرحا للسفهاء يكبر فيه الصغار وينطق فيه الرويبضه ويبطش فيه الجبناء .

وحين تصبح السياسة فن تهريج على الشعب وتخديرا له ومكرا به ونهبا لمقدراته لا فن تدبير لشؤونه ورعاية مصالحه ، وحين يصبح تشكيل الحكومات أسرع من تشكيل أعضاء المجالس القروية وأعضاء الهيئات الإدارية للأندية والجمعيات الخيرية وحين تختفي معايير الجدارة وتتوارى مقومات الكفاءة وتطغى دوافع المحسوبية والشللية والجهوية والفئوية أو مردود المصالح الآنية أو المستقبلية لصانع القرار حينها وفي ظلالها يعم الإحباط ويتفشى الحقد وتزداد حدة التوتر ويتنامى منسوب الاحتقان ويصبح مخزون الغضب هائلا وتغدو لحظة الانفجار متوقعة بأبسط وسائل الاشتعال

ان التفاعل بين عناصر الدولة ( الوطن ، الشعب ، الحكم ) لابد أن يكون قائما على التكامل في الدور والتبادل في تحقيق المصلحة والتوازن في ضبط المسيرة .

     فللوطن مقومات لابد من تعزيزها.

     وفيه مقدرات لابد من تنميتها

     وله طاقات لابد من إطلاقها

     وله مصالح لابد من رعايتها ، فيه مطامع لابد من رصدها والحيلولة دون تحقيقها .

وله محددات لابد من إدراكها فلا يكلف إلا وسعه ولا يحمل مالا طاقة له به

 وللشعب حقوق  لابد من رعايتها وكرامة لابد من صيانتها وحاجات لابد من تلبيتها وتطلعات لابد من السعي لتحقيقها.

وللحكم طاعة في المعروف وصدق في إبداء الرأي وإسداء المشورة وإخلاص في العمل وعليه واجب الرعاية والعدالة والعمل لما يحقق مرضاة الله و مصلحة الشعب والوطن.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل