الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأمن الغذائي العربي ثانية د. جواد العناني

تم نشره في الخميس 7 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً

تبرعت الولايات المتحدة بمبلغ (68) مليون دولار من أجل إطعام الجياع في السودان «هذا خبر تناقلته وكالات الأنباء العالمية وبثته وسائل الإعلام المختلفة. وهو أمر يدعو للحسرة، ويذكرنا جميعاً بعجزنا عن إيجاد الحلول للمشاكل المستعصية حالياً، وهي نفس المشاكل التي اعتقدنا يوماً أن حلها ميسور وسهل.

تقول الإحصائيات المتاحة أن عجز الغذاء العربي يبلغ على الأقل (35) بليون دولار في السنة، ينفق معظمها على شراء القمح واللحوم الحمراء. والعجز الغذائي العربي مرشح للزيادة والتفاقم بسبب التراجع في القدرات الانتاجية العربية، إما بسبب شح المياه، أو نتيجة لتآكل الرقع الزراعية، أو لتعذر الانتاج في ظل الحالة الأمنية والعسكرية الراهنة في كثير من الدول العربية القادرة على الإنتاج.

كم تغنّينا بوفرة الإمكانات الزراعية الحقلية وتربية الأغنام والأبقار المتاحة في السودان.  ومع أن الإنتاج الزراعي قد ارتفع هناك، إلا أنه لا يزال بعيداً جداً عن المملكة. وتسعى الحكومة السودانية لجذب الاستثمار، إلا أن التجاوب قليل بعد كثير من التجارب الفاشلة؛ إما بسبب المشكلات مع الأهالي، أو بسبب ضعف البنى التحتية، أو لنقص المتاح من العملات الأجنبية.

ولكن القضية لا تقف عند هذا الحد. فقد قامت بعض الدول العربية، خاصة في منطقة الخليج بالاستثمار الكبير في المناطق الزراعية الهامشية ذات الكلفة العالية، وباستخدام المياه الجوفية غير القابلة للتعويض على المدى القصير والمتوسط، وتمخض عن هذه السياسات ارباح للمستثمرين، وارتفاع في ملوحة المياه؛ ما جعلها غير صالحة للاستعمال البشري أو الزراعي، وضخ لمبالغ كبيرة لدعم الإنتاج، على الأقل في السنوات الأولى.

قلما تجد دولة عربية واحدة لا تضع هدف الوصول إلى الاعتماد الذاتي في الغذاء. لكن هذه الشعارات تبقى في معظمها كذلك، شعارات لا يتحقق منها إلا النزر اليسير. هنالك بالطبع مشروعات زراعية ناجحة في بعض الأقطار العربية مثل المغرب، وتونس، والأردن، والسعودية، ولبنان، ومصر والجزائر وغيرها. ولكن الحصيلة العربية الإجمالية لا تزال تسجل عجزاً متزايداً في الميزان التجاري الغذائي، وتفتح المستقبل على مخاوف أكبر.

لقد لاحظنا ازدياداً كبيراً في سكان المدن على حساب المناطق الريفية. وتدل الاحصاءات في معظم الدول العربية على أن الهجرة من الريف إلى المدينة مستمرة، أي أن أعداد المستهلكين للغذاء في المدن يرتفع على حساب المنتجين في الأرياف والمناطق الزراعية. وكذلك تراجعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي لا بسبب تراجع حجم الإنتاج، ولكن لأن مزيداً من المدخلات الزراعية مثل: البذار المحسنة، والمبيدات، والمكائن، والفسائل، ووسائل الري، والأسمدة وغيرها مستوردة من الخارج؛ ما يقلل من القيمة المضافة الصافية للقطاع الزراعي في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

وقد تراجعت تلك النسبة في كثير من الأقطار العربية التي كانت تسمى بالبلدان الزراعية في خمسينيات القرن الماضي من حوالي (50-60%) من الناتج الإجمالي إلى أقل من 5% في معظم هذه الدول.

لم تعتد تنتج قمحاً يكفينا، نستورده من الولايات المتحدة، وكندا، وروسيا وجنوب أفريقيا. ولا ننتج ما يكفينا من كل السلع التي كانت مواد تصديرية مثل: القمح، الشعير، الذرة، اللحوم الحمراء، الأسماك، القطن، الأرز، والسكر وصارت كلها مواد أساسية مستوردة.

مما يزيد الطين بلّةً أن السلع الغذائية الرئيسة يتحكم في تجارتها -عالمياً- عدد محدود من الشركات العائلية المعروفة (لا يزيد عددها عن سبع)، ولكل شركة وكلاؤها الأقوياء في المنطقة. وحتى لما قامت الدول بإنشاء وزارات تموين من أجل ضمان شراء هذه السلع بأسعار أقل وبيعها للناس بربح قليل أو دون ربح وأحياناً بدعم، فإن الشراء الحكومي ينجز بواسطة عطاءات يفوز بها نفس الوكلاء لنفس الشركات العالمية.

نسمع في الأخبار كثيراً عن رفض شحنة قمح أو سكر أو أرز إما لأنها تالفة، أو لأن المواصفات غير مطابقة. وفي كل مرة تبرز قصة كهذه تذكرنا بوضعنا العربي العاجز عن إنتاج طعامه.

كثير من الدول العربية حالياً في حالة حرب. ودول مثل: العراق وسورية واليمن والصومال تعاني من حروب وويلات أثرت تأثيراً مباشراً على إنتاجها الزراعي. ومياه أنهارنا الأساسية إما مهددة بالتحول عنا، أو انها حولت فعلاً . فهل نحن واثقون أننا سنبقى قادرين على زيادة إنتاجنا العربي الغذائي، أو حتى القطري الغذائي. أو إن غذاءنا سيصبح وسيلة ضغط علينا من الذين يزودوننا به.

هناك أحداث ومقولات حصلت يجب ألا ننساها. من منا ينسى ما قاله أحد كبار المسؤولين الغربيين بعد أزمة النفط عام 1973/1974 «سيأتي يوم نقايض فيه برميل النفط بصاع من قمح». أو من ينسى حصار العراق إبان التسعينيات من القرن الماضي حتى غزو العراق عام 2003 (الغذاء والدواء).

هنالك أمثلة كثيرة. والمطلوب منا على الأقل أن نتوصل إلى اتفاق عربي على احترام حق المواطن في غذائه . كعمل ما لاستصلاح الأرض في السودان، وإعادة الهدوء إلى ربوع الصومال، وإلغاء كل القيود على تبادل الغذاء، وتشجيع الاستثمار العربي في الصناعات الغذائية. إذا فعلنا ذلك سنعبر عتبة التخاذل وسوء إدارة الموارد المتاحة، ونجنب أنفسنا الكثير مما قد يؤلمنا أكثر في السنوات المقبلة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش