الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

آسري إسماعيل الشريف

تم نشره في الاثنين 11 نيسان / أبريل 2016. 08:00 صباحاً



] الوحدة: هي أن تكون بين أفراد عائلتك الودودين بينما ذهنك مشغول بمحادثة إلكترونية مع شخص قد لا يعبأ في الحقيقة بخبر موتك – أحمد غباشي، كاتب وممثل ومخرج.

أعترف، لقد أسرني هاتفي الذكي، أقضي كل وقتي أمام شاشته.

منذ أيام بدأت أفتقد نفسي، لم أعد أكلمها أو أحاورها كما كنت، لم أعد أحلم في اليقظة، وأدّت بنات أفكاري، فما عُدن يؤنسنني كما كنّ، لا أتذكر شيئا، فلا أحداث تذكر طالما أنا متسمر أمام الشاشة الصغيرة.

بعد أسري أصبحت ملولا، سريع الضجر وكأن حجرا ثقيلا جاثم على صدري، أهرب إلى هاتفي لعلي أجد سلوتي لأكتشف أنني هربت من ضجر لضجر، ومعه يزيد ثقل هذه الصخرة.

لم أعد أنظر من النافذة كما كنت في كل صباح لأكون شاهدا على ولادة يوم جديد، لم أعد أرى جمال العالم، لم أعد أستمتع كما كنت بقطرات المطر تدغدغ نافذة عربتي، لم تعد ملامح المارّة تشدني، فكل ذلك أصبحت أشاهده فقط في ما ينشره الأصدقاء.

أصبحت أكثر بلادة، أكثر قسوة، أقل عاطفية، لم يعد شيء يحركني في عالمني الحقيقي، اعتقدت بداية أنه لسبب وحيد هو اعتيادي على مناظر القتل، ولكني الآن أعزيه لسبب آخر أنني لا أتفاعل مع الناس في عالمهم الحقيقي، فكل عواطفي الكاذبة أعبر عنها بأيقونة حسب ما يقتضيه الموقف.

ابتعدت عن أبنائي وزوجتي، وهم ابتعدوا عني مع كل هاتف جديد يدخل العائلة، صراحة بتّ لا أدري ما يجول في خواطرهم وكيف يقضون أيامهم، لم يعد يهمني سوى عائلتي الافتراضية ، قلت مرة لابني لنتمشى، كنت أريد أن أتعرف إليه، حملت معي هاتفي تحسبا لأي طاريء، لأعرف أن الطاريء الوحيد كان تحصيله العلمي، كررت المحاولة مع زوجتي، تركت هاتفي وحملت هي هاتفها، لم يكن المشوار جميلا فهاتفها كان «عزولا» لم يترك لنا مجالا لنتحدث سوى أحاديث سطحية عابرة.

أعيش داخل قوقعة، بدأت أفقد مهارتي في لغة العيون، أصبحت أشعر أن الأحاديث الحقيقية وجها لوجه تشكل عبئا عليّ، غدوت صامتا، علّق أصدقائي على ذلك بتهكم «ثوب الوقار الجديد يليق بك، ها قد أصبحت ناسكا» ، ابتسمت بخجل وأجبتهم بكلمات رفضَت أن تخرج من شفتي، لا وقت لدي فعالمي أصبح داخل هاتفي.

أحاول البحث عن نفسي، أستطيع أن أقول أن هويتي قد ضاعت بين محاولتي لإعادة تعريف نفسي على المواقع الاجتماعية كشخص ذكي، اجتماعي، بارع وظريف وبين حقيقتي في الحياة الملموسة، بين الشخص الذي هو أنا، وبين الشخص الذي أريد الناس أن يرونني هو.

أنا على يقين بأنني لست الوحيد الذي غيرته التكنولوجيا، فأنت وأنت يا من تقضون حياتكم على مواقع التواصل وغرف الدردشة قد تغيرتم مثلي.

لست ضد التكنولوجيا ولكنها صرخة صامتة من داخل هذا السجن الجديد. قبل أيام قررت كسر قيدي ورميت هاتفي، ولكن زوجتي أهدتني «تابلت مذهل» وكأنها تقول أفضّلك هكذا! أما أنا فما زلت أبحث عني، فقد اشتقت إليّ.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش