الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عاد نهج غيفارا والليندي فهل يعود نهج عبد الناصر؟ * عوني فرسخ

تم نشره في الأربعاء 1 شباط / فبراير 2006. 02:00 مـساءً
عاد نهج غيفارا والليندي فهل يعود نهج عبد الناصر؟ * عوني فرسخ

 

 
أسفرت الانتخابات النيابية التي جرت في أمريكا اللاتينية مؤخرا عن فوز كل من: لويس ايناسيو في البرازيل، وهوجو شافيز في فنزويلا، وإيفو موراليس في بوليفيا، وميشال باشليه في تشيلي. ويكاد يجمع المحللون السياسيون على اختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية على أن الأحزاب والحركات التي أوصلت القادة الأربعة لسدة الحكم تجسد تيارا يعبر عن النهج السياسي الاجتماعي الذي كان يدعو له غيفارا وملتزما به الليندي. بما يعني أن ثلاثة أرباع شعوب أمريكا اللاتينية، حين منحت القادة الأربعة تأييد أغلبيتها في انتخابات برلمانية غير مطعون فيها، عبرت عن رفضها السياسيات التي اعتمدتها الأنظمة الموالية للولايات المتحدة التي توالت على الحكم منذ اغتيال غيفارا سنة 1968 وإسقاط حكومة الليندي سنة 1973 بانقلاب عسكري دبرته المخابرات المركزية الأمريكية.
والانتصار الذي حققته شعوب الأقطار الأميركية اللاتينية الأربعة، وتوقع فوز اليسار في انتخابات نيكاراجوا المقبلة، هما مؤشر واضح الدلالة على أن الإدارة والأجهزة والشركات الأميركية باتت تواجه تحديات غير مسبوقة فيما كانت تعتبره حديقتها الخلفية. إذ لم تعد كوبا بقيادة كاسترو وحدها التي تجسد التمرد على انتهاك واشنطن السيادة الوطنية لشعوب القارة اللاتينية، واستغلال الشركات الأميركية لثرواتها الطبيعية وأسواقها وتأثيرها السلبي في تطورها الاقتصادي، وانعكاسات الإعلام الأميركي على ثقافة أجيالها الشابة ووعيها السياسي والاجتماعي.
وبقدر ما أثلجت انجازات شعوب أمريكا اللاتينية قلوب الملتزمين بالهم القومي العربي وأشاعت التفاؤل لدى غالبيتهم، بمقدار ما بعثت لدى بعضهم التساؤل عما إذا كان الواقع العربي، بما يواجهه من تحديات مصيرية، ينطوي على محفزات لحراك سياسي اجتماعي يعيد إنتاج النهج القومي الوحدوي التحرري لعبد الناصر في صيغة عصرية؟ أم أن الظروف الإقليمية والدولية وغياب الكتلة العربية التاريخية ذات المصلحة بالتحرر والوحدة، تجعل من ذلك مجرد أمنية رغائبية ليس في الأفق المنظور ما يوحي بإمكانية تحققها؟ وفي الإجابة عن التساؤل المطروح ألاحظ أن النهج القطري العربي، الذي انتعاش نتيجة لانحسار المد القومي العربي وإجهاض التجربة الناصرية، لم يحقق الديمقراطية والتنمية واستقلال الإرادة الوطنية أو أياً من الشعارات التي روج لها يومذاك. وفي تقارير التنمية الإنسانية العربية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للأعوام 2002 - 2004 ما يؤكد عجز وقصور الأنظمة العربية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية. ولم يعد خافياً أن النظام الإقليمي العربي، الذي تجسده جامعة الدول العربية، هو اليوم أكثر النظم الإقليمية عرضة للتدخلات والاختراقات الخارجية، وبالذات الأميركية. وأن غالبية دوله الأعضاء، إن لم تكن جميعها، فاقدة المنعة وعاجزة عن توفير متطلبات الوفاء باحتياجات مواطنيها التي تتزايد بنسب أعلى من معدلات نمو دخولها الوطنية، وليس من بينها قطر واحد لا يواجه تحديات تهدد استقراره حاضرا ومستقبلا.
ولم يعد خافياً أن الواقع العربي المأزوم على الصعيدين القطري والقومي، صار محفزا لمطامع مختلف القوى المحلية والإقليمية والدولية التي ترى في حالة الضعف العربي المستشرية فرصة لتحقيق مكاسب على حساب الشعب العربي في كل قطر. ويظل التحدي الأميركي المتمثل باستراتيجية «الفوضى البناءة» التحدي الأعظم والأشد خطورة، حيث إنها استراتيجية تستهدف تفكيك البنى المجتمعية لمعظم الأقطار العربية، لإعادة تركيبها في نظام «الشرق الأوسط الكبير» المكون من كانتونات عرقية وطائفية تديرها «إسرائيل».
وحين تقرأ التجربة الناصرية بموضوعية يتضح أنها التزمت نهجاً شديد الحرص على السيادة الوطنية وحرية الإرادة القومية، واضح العداء للهيمنة الاستعمارية والتبعية سياسياً واقتصادياً وثقافياً. نهجاً عاملاً للوحدة المؤسسة على قرار شعبي ديمقراطي، ومنحازا لمصلحة الغالبية التي لم تكن تمتلك الإمكانيات المادية لممارسة حقوقها الدستورية، باعتماده التنمية المستقلة وتكافؤ الفرص والديمقراطية الاجتماعية، فضلا عن الوفاء بمتطلبات التضامن العربي لمواجهة «إسرائيل». ناهيك عن القيام بدور قيادي في حركة الحياد الايجابي وعدم الانحياز، ودعم حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، بحيث لعب العرب دوراً ملحوظاً في السياسة الدولية.
ولا ينكر أن الواقع العربي الراهن هو النقيض تماما لما كانت عليه الحال عشية رحيل عبد الناصر، خاصة واقع النخب المسكونة بثقافة الهزيمة المدعية بأن العرب لم يعد لهم حول ولا قوة، وأن الواقعية تقضي القبول، ولو على كره، بما ترسمه الإدارة الأميركية للمنطقة، والهرولة باتجاه التطبيع مع »إسرائيل« باعتبار ذلك سبيل اتقاء مخاطر وتداعيات استراتيجية »الفوضى البناءة« الأميركية.
غير أن الواقعية بالمفهوم الإنساني ما كانت منذ فجر التاريخ تعني الخضوع الآلي للواقع والاستسلام القدري لأحكامه. فالإنسان ميزه خالقه عن بقية عناصر المملكة الحيوانية بالعقل المبدع والإرادة الفاعلة والتاريخ المعلم، بحيث استطاع بالاستفادة من تجاربه السلبية والايجابية الانتقال من التقاط الثمار في الغابات إلى ارتياد الفضاء. والأمة العربية ما استسلمت يوما للواقع المأزوم واستكانت لإرادة الغزاة والمحتلين الذين توالوا على اغتصاب ترابها القومي. ويعلمنا التاريخ العربي أن شعوبنا طالما وجدت في العدوان الخارجي محفزا لنهوض قومي يفاجىء العدو بما لم يكن يتصوره. وفي العراق وفلسطين ولبنان أمثلة حية على إبداعات الفعل المقاوم. كما أن الحراك السياسي الذي تشهده مصر، صاحبة الدور القومي التاريخي، ينطوي على احتمالات واعدة.
ومما سبق يتضح أن من أبرز معالم الواقع الدولي والإقليمي إنجازات شعوب أميركا اللاتينية، والمقاومة في الأرض العربية، وتجدد الفكر القومي العربي، والتقاء قادة الحراك السياسي العربي على اعتبار التكامل القومي ذي البعد الديمقراطي السبيل الوحيد لتقديم الاستجابة الفاعلة في مواجهة مخطط التفتيت وطمس الهوية القومية الذي يعتمده التحالف الأميركي الصهيوني. وعليه ثمة ما يبرر التفاؤل باحتمالات نهوض الأمة العربية من جديد وفق الأسس التي قامت عليها تجربة عبدالناصر، الذي لما تزل صورته تحتل موقعها المتميز في صدور بيوت ومكاتب أبناء أمته ما بين المحيط والخليج.
[ »الخليج«
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل