الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أسطورة الحرب الإنسانية

تم نشره في الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 مـساءً
أسطورة الحرب الإنسانية إريك بوسنر

 

 
قتل أكثر من 40 ألف مدني عراقي منذ الاجتياح الذي قادته أميركا على العراق في عام 2003 ، وزاد معدل موت المدنيين في الأشهر الاخيرة. واعتقل آلاف المدنيين العراقيين وأسيء إليهم من قبل الجنود الاميركيين. وعذب وقتل البعض الآخر على يد الشرطة العراقية. وافتقرت أجزاء واسعة من البلاد إلى الخدمات الأساسية طيلة ثلاث سنوات. وتعيد الحرب الاهلية التي تلوح في الافق الذكريات المرعبة للحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 16 عاما ، وقتل خلالها 100 ألف شخص من أصل عدد سكان يقل عن 4 ملايين. يعاني المدنيون في الحروب جميعها ، لكن معاناة المدنيين العراقيين في هذه الحرب كانت فظيعة بشكل خاص لأن أحد المبررات الرئيسية للحرب كانت دواعي إنسانية: إنقاذ العراقيين الذين يعانون من الظلم. وبالطبع هناك مبررات أخرى تتضمن فكرة مختلفة إلا ان لها علاقة بالأمر وهي أن جلب الديمقراطية للعراق قد يعزز أمن الولايات المتحدة على المدى البعيد.
المبرر الإنساني اعتنقه العديدون ممن رفضوا المبررات الأخرى ، من ضمنهم نخبة الليبراليين بالإضافة إلى بعض المحافظين ، وقد ساعد ذلك على حشد الرأي العام خلف الحرب. ولم تساعد الأحداث على خدمة المبرر الإنساني كثيرا. فكرة أن للحرب مبررات إنسانية وأخرى تتعلق بالأمن القومي لها جذور عميقة وقبول سطحي. وبعض أسوأ الأعمال الوحشية التي أرتكبت في القرن العشرين حدثت في البلاد الضعيفة التي لم تقو حكوماتها على مقاومة اجتياح الجيوش الاجنبية. وقد أوقفت عمليات الابادة العرقية في روندا ، حيث قتل أكثر من 800 ألف شخص في غضون أشهر ، على يد ثوار التوتسي ، ومن المؤكد أنه كان بإمكان الجيوش الغربية إيقافها في وقت مبكر. وإذا كانت الدول تستطيع التدخل بتكلفة بسيطة تتحملها لان الدول المستهدفة ضعيفة ، وتمنع بذلك وقوع معاناة إنسانية كبيرة ، فإن عليها القيام بذلك. فإن المنطق هنا يفرض نفسه.
لكن المنطق ليس بديلا للتجربة ، وتظهر التجربة أن تعبير "حرب إنسانية" يحمل كلمتين متناقضتين. وكانت الصفعة الأولى للفكرة هي فشل التدخل في الصومال عام 1993. حيث أرسلت قوات الولايات المتحدة للحفاظ على السلام ، بينما سحبت المساعدات التي كانت توزع على ملايين المدنيين الجوعى بعد مقتل 18 جنديا أميركيا فقط. الدرس الذي استنتجه صناع السياسة هو أن الرأي العام الأميركي لا يتسامح مع وقوع إصابات في حرب إنسانية ليس لها مبرر واضح يتعلق بالأمن القومي. وهذا الدرس قاد الرئيس بيل كلنتون الى رفض التدخل العسكري خلال عمليات الابادة العرقية في روندا وقراره قصر التدخل العسكري الأميركي في كوسوفو عام 1999 على القصف من ارتفاعات عالية ، الذي ضمن عدم التضحية بأي طيار أميركي - على حساب المدنيين الذين سقطت على رؤوسهم القنابل الضالة. و قد كلف التدخل في كوسوفو ، رغم اعتباره نجاحا في بعض الدوائر ، مليارات الدولارات ، وتطلب احتلالا دام 7 سنوات وقد يتحول العراق ليصبح نسخة بطيئة الإيقاع عنه.
تلقى العراق الضربة الثانية. المشكلة مع التدخل الإنساني ليس أن التكلفة تكون عالية على الدوام وحسب ، بل أن الفوائد قليلة عادة. فثمة مخاطر عديدة وأمور لا يمكن توقعها عندما تستخدم الحرب لمنع الأعمال الوحشية وليس لهزيمة عدو ما. فالأسلحة الحربية ستقتل حتما مدنيين ، ويحاول الطغاة الأذكياء افشال القنابل الذكية باستخدام المدنيين كدروع بشرية. ويعرف الحكام المستبدين أن حربا انسانية الدوافع ستفشل إذا استطاعوا جعل الطرف الغازي يقتل مواطنيهم. خلع الديكتاتور قد يؤدي لنشوب حرب أهلية ، تكون غالبا أسوأ من الانتهاكات الأصلية. واستبداله بديكتاتور آخر يؤجل الأعمال الوحشية يوما آخر فقط. ويولد الاحتلال الطويل الأمد العداء والتمرد والعنف. وبالمقارنة مع هذا ، قد لا يبدو الحاكم الأصلي سيئا جدا على أي حال. وفقا لاستطلاع للرأي ما زال العديد من العراقيين يعتقد أن الحرب كانت تستحق أن تخاض. لكن استطلاع الرأي لا يكشف آراء الموتى العراقيين. التاثير الإنساني للحرب كان في افضل الاحوال غامضا ، اذا ما قورن بفترة الاحتواء التي سبقته ، وإذا استمرت التوجهات الحالية ، سيكون التأثير الإجمالي كارثة إنسانية. العديد من الناس القوا بتبعات التكلفة الانسانية للحرب على الطريقة التي نفذت ادارة بوش الحرب بها. ووجهة النظر هذه هي دعامة سيكولوجية تسمح للمدافعين عن التدخل الإنساني بالحفاظ على المبدأ حيا للإدارة المقبلة ، التي يفترض أنها ستكون كفؤة ، للرئيسة هيلاري كلنتون أو جون ماكين. لكن الشكاوي المتعلقة بهذه الحرب ليس مختلفة عن شكاوى الحروب السابقة ، حيث الأخطاء الصغيرة تسببت بأذى كبير. تشير حرب العراق ، التي تنسجم مع التجربة ، أن الحروب الإنسانية نادرا ما تعطي نتائج إنسانية. فلماذا اذن تقام حركة تدعى"مسؤولية الحماية" تطالب بجعل التدخل الإنساني الزاميا بموجب القانون الدولي؟ ولماذا تمت المصادقة على هذه الفكرة في الامم المتحدة خلال قمتها في الالفية الجديدة؟ يؤكد أفضل خبراء الشؤون الإنسانية أننا نواجه معضلة مؤلمة: التسامح مع الأعمال الوحشية في الدول الأجنبية أو المخاطرة بارتكاب أعمال أكثر وحشية من أجل إنهائها. من راوندا ، استنتج العديد من الناس الدرس بأن الفشل في التدخل هو الخيار الأسوأ. وقد تكون حرب العراق الخطوة الأولى في عدم تعلم هذا الدرس. وإن لم يكن كذلك فالتدخل في دارفور بالطبع سيكون كذلك.
واشنطن بوست
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل