الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الغُرْبَة في خريف. صفصاف. وندى لعبدي الريالات

تم نشره في الجمعة 3 حزيران / يونيو 2016. 07:00 صباحاً

* د. أماني حاتم بسيسو



أَوَدُّ أن أُصَدِّرَ قراءتي هذه، بِرَأيِ أديبنا: «أنتَ عندما تَقرأُ روايةً تَعيشُ مَرَّتين!، وعندما تكتبُ روايةً تَعيشُ خالداً لِلأَبَد»..، ونتَساءل: لماذا يعيش الكاتب –شاعراً أم ناثراً- للأبَد!..

لأنَّه يَتَجَدَّدُ –دُونَ رَيْب- مع كُلِّ قراءةٍ، بما يُضْفيه القارئُ إلى النَّصِّ الأدبي من فَهْمٍ أَوْسَعَ، وإدراكٍ أَعْمَق، وإحْساسٍ أَصْدَق، إذْ أنَّ النَّصَّ الأدبي عَقِبَ إصداره- يُصبحُ مُلْكَ المُتَلَقّي، يُطلِقُ ذِهْنَه في فَهْمه وتأويله، إثْرَ تَتَبُّعِ إشاراتِ الكاتبِ، ودلالاتِ اللغة في نَصِّه.

وهذا ما نَفْهمه مِمَّا يُروى أنَّ رجلاً سألَ أبا تَمَّام: لماذا تقولُ ما لا يُفهم، فأجابَه: لماذا لا تَفْهم ما أقول!، هذه إشارةٌ بليغة لِدَورِ القارئ تِجاه ما يَقرأ، ولِأَهمِّيَّةِ كَوْنِه مُؤَهَّلاً بالقدرةِ والدُّرْبَة، وإبداعُ د. عبدي –هذا- قرأتُه، ولا زِلْتُ أَقرؤه، وغيري سيقرأ، ولاتَ حِيْنَ زوال!

ودِراسةُ تجربة (الأديب الغريب) أَلَحَّت على ذِهْني، فرأيتُ أن أُدَوِّنَ أفكاري وتَعْليقاتي.. (ذاتَ قراءة)!



معنى الغُرْبَة في هذا الإبداع:

معنى الغُربة عند أديبنا- يُجاوزُ الفِكْرةَ العامَّة أو الطّارئة، إلى مَدىً أَوْسَع من الفِكْرِ العَميق، والفلسفةِ الحَقّة، بتَأَمُّله في حقائقِ الكون، وقوانينِ الوجود، والنَّظرةُ الخَاصّة لِصاحبِ المَوهبةِ، تَرى ما قد لا يَرى الآخرون، وتُدْرك ما يَعْجَزُ غيرُه عن إدراكه: «وكما أنَّ الثابتَ الوحيد في هذه الحياةِ هو التَّغيُّر، فلم أَكُن استثناءً من هذا القانون الكوني الثابت!» .

فعَينُ الأديب –بَعْد طولِ تَبَصُّرِ وتَدَبُّرٍ لِحال الإنسان في هذه الدُّنيا- يُدْرِكُ أَلّا ثباتَ لِشَئٍ فيها، ويَسْتَحْضِرُ هذا التَّأمُّلُ إلى ذاكرتي قولَ أبي البقاءِ الرُّندي في رثاء الممالكِ الأندلسية: (لِكُلِّ شئٍ إذا ما تَمَّ نُقْصانٌ).. كُلُّ تمامٍ إلى زوال، بُلوغٌ المُلْكِ أَوْجَهُ مُنذرٌ بِزواله، لأنَّ الدُّنيا مُتَقَلِّبة، وكذا الضِّيقُ والكُرَب، إذا اشتَدَّا فهذا مُؤذِنٌ بِزوالهما وانفراجِ الشِّدَّة، هذا حال الدُّنيا!.

والغُرْبَةُ وَلَّدت في نَفْسِ كاتبنا شيئاً من (الغرابَة) في طريقةِ تَعْبيرِه الفَنّي: «كيف بَدَتْ لي مَبانٍ كلاسيكية مُزْدَهِرَةٌ تَقْرِضُ شِعْراً، وتَفوح دِفئاً وحيويّة!» .. فِعْلاً، يَحِقُّ لِعلامةِ التَّعَجُّب أن تَجئَ هنا، فهو لم يَكْتَفِ بِأَنْسَنَةِ الجماد (غَدَت المَباني تَقْرِضُ الشِّعر)، بل جاوزَ ذلك إلى تَجسيد المعاني (تَفوحُ دفئاً وحيويّة)، وهذا بابٌ واسعٌ من البلاغة، حين تتلاءم اللغةُ الفنية مع المعنى المَقصود.

 أَبْعَادُ غَربَةِ الأديب:

الأديبُ يَتَمَيَّز عن سائرِ النَّاس بِنَظْرَتِه المُخْتلفة، وفلسفته الخاصَّة، لِذا يَبْدو غريباً بينهم.

الغُربة في تَجلِّيات الحياة:

لا يُدْرِكُ الإنسانُ -في كثير من الأوقات- الفرْقَ بين الأُمور التي يُواجهها في حياته، فكثيراً ما نَخلط (الحقيقة) بـ(الوهْم)، أو (تَطْبيقَ) الفكرة بـ(مُجَرَّدَ الحديثِ عنها) :»إنّنا نَتَقَمَّصُ هذه الحُرّيّة وهذه الإنسانيّة جُزافاً، كما لو كُنّا عل وشك ارتداء الملابس المُستعملة، تنتهي حاجتُنا لها، عندما لا تَروقُنا هيئتُها! لقد مارَسَ الأوروبيون حُرّيتهم منذ زمن...فهي الآن متوفّرةٌ  في كُلّ مكان، ولكنّهم لا يتحدّثون عنها، فأنت لا تكون مُضطرّاً أن تُذَكِّرَ أخاكَ كًلَّ يومِ بأنّه أخوك كُل يوم! إلا إذا لم تَكونا أخوين أَصْلاً!» ، فـ (التَّكَلُّفُ) و(الافتعال) يُوديان بِقِيمَة المشاعر (التِّلقائيّة) (الطبيعية) وبِحَلاوةِ براءتها.

=كما تُبْصِرُ عينُ الغريب النّاقدة تَعَلُّقَنا ب،(الشكل) و(الهيئة الخارجيّة) دون اهتمام بـ(القيمة) و(المحتوى الدّاخلي): «ثمّ قَدّمَ لي دِرْعاً تكريميّة، ومُغَلَّفاً كبيراً فيه أوراق وتقديرات وشهادات، ستكون بلا شكٍّ مَحَطَّ اهتمام في عمّان، ربّما يفوقُ أَهمّيّتي أنا، حامِلُ هذه الأوراق!» ، نخلطُ كثيراً بين (الشّكل) و(المضمون)، و(نلبس) ثورةَ القِيَم دون أن (نمارسها) أو نَتَحَلّى ونَتَخَلَّق بها.

غربة الوجدان:

هي غربَةٌ في تَقَبُّلِ ما حولَه :»كنتِ تنظُرين من خلال النّافذة بعيداً، وكنتُ أنظرُ من خلال عينيكِ بعيداً» ، والنَّظرُ من خلال المَرئيّات بعيداً... إلى عالم الفِكْرِ  والرُّوح، هو ما يُمُيّزُ النَّفْسَ الشاعرة:

حِسُّ أَرَقُّ من الأثيرِ يُثيرُه             ما قد تَمُرُّ عليه مَرَّ اللاعبِ

وقد يُقابلُه الآخرون بالصَّدِّ، وأحياناً بالسُّخرية، لأنّه يَرى ما لا يَرون.، ويَطمَحُ لِعالَمٍ يَسْمو عن حدود إدراكهم.

قالت العَرّافة: «أنتَ كائن هلاميٌّ لا وجودَ له! أنتَ قَبَسةٌ من وَهْم سوف تتلاشى حتماً...لم يُدرِك أحدٌ يوماً ما الذي تريده، ولن يدركه أحد!» ، حتّى هو نفسُه، لن يُدركُ ما تَصْبو إليه روحُه، لأنّه عالَم (المثال) و(الكمال) الذي يَقِف الإنسان إزاءه مُتأمِّلاً مُتَعَلِّقاً مُسافراً إليه دون وصولٍ أو إدراك، لِذا يَبدو في دُنيا النّاس وواقعهم المَحسوس مُجَرَّدَ (وَهْم)، وهو لِهذا لا يَملكُ غير الوداع لِأَحْلامِه كُلِّها: «لماذا يلتقي الآخرون وأكتفي بالوداع...ألَن يأتي عامٌ يُغاثُ فيه الفؤاد!» ..لا أَظنُّ، لأنّ ما تَصْبو إليه عالَمٌ يَطمح إليه المُرهفون من النّاس، دون وصول.

ويُفَرِّق بين ما (يكون منك) وما (يكون معك): إنسان، معنى، قيمة،: «أمّا أن أكون منك: فهي أن ننصهر في كينونة سرمدية واحدة لا تَقبل الانفصال، كينونة أزليّة، هي الأمس، وهي اليوم، وهي الغد، وهي حاضرةٌ ففي الحياة وفي الممات عابرةٌ للزمان والمكان، هي الاندماج الرُّوحي الأزلي.../وأمّا أن أكون معك، فأنا لستُ من الرُّوحِ في شئ! المَعِيّة يا صديقي تقبل الانقصال، تقبل القسمة على اثنين، لا بل على كلّ البَشر!» ، وهذا المعنى يَحمل نَفَسَ الصّوفيّة، ويَقتربُ من الحَلّاج إذْ يقول:

أنا مَنْ أَهْوى، ومَنْ أَهْوى أنا   

نحن روحـــانِ، حللنا بَدَنا

هذا هو (الاندماجُ الرُّوحي) والفناءُ في قِيمةِ الحُبِّ المثالي المُجَرَّد.

ومن باب (المُفارقة) -التي تَعَوّدناها مع مُبْدِعنا- أنّه يُجاوزالاندماجَ الرّوحي مع مَنْ يًحِبُّ ومع المعاني ذاتِ القيمة في نفسه،..إلى حَدِّ اتِّخاذِ (الحُزْن) صديقاً!: «هل من الممكن أن يَحِلَّ الحُزنُ ضيفاً عزيزاً مُكَرَّماً؟! هل تَتَوَطَّدُ العلاقةُ مع الحزن  فيصبح صديقاً! كان الحزنُ ضيفاً عزيزاً وكان صديقاً مُخْلِصاً، ولكنّه تَمادى، تجسَّدَ في كياني، تَقَمَّصني، حتّى أَمسَيتُ أنا الحُزن، وأصبحَ الحُزنُ أنا!» ، يتلاشى الفرحُ أوهاماً، ويَصْنعُ الحزنُ المُعجزات» ، نفخَ الحُزْنُ في وجداني روحَ التَّحدّي رغمَ ضعفي، هو يُفجِّرُ بداخلي عاطفةً جيّاشة تُناوئُ ما يَجْتاحُها من هموم وصعوبات.

ولِشِدَّةِ الحزن وتَعَمُّقِه في نَفْسِ مُبْدعِنا، وتَمَكُّنه من فلسفتِه، أَحْسستُ من الأَوْلَى أن يكون عنوان إبداعه: (قواعدُ الحزن الأربعون)!

غربةُ الزَّمَن:

في هذا الإبداع يخرجُ الزّمَنُ عن الحدود التي عَرَفَها به البَشر، فيُجاوزُ الأوقاتَ والثّوانِ والدَّقائق، إلى أفقِ السّرمَد والأزَل والخلود: «قليلةٌ هي اللحظات التي تستوطن أركان الذّاكرة، تمتلك تفاصيلَها،/ تُشاركها قهوةَ الصَّباح وأحلامَ المساء، وتَغتصِبُ منها طَوْعاً حَقَّ الإقامةِ الدَّائمة» .

فالّلحظاتُ –عند أديبنا- لا تَمُرُّ لَمْحاً كعادتِها، بل (تستوطن)، «لأنّها بِمرورِها، زرعَتْ في الوجدان مَعَانٍ يَصْعُبُ نسيانُها، فتَخَطَّتْ قيودَ الزَّمان، لِ(تغتصب)..(طَوْعاً) حَقَّ الإقامة، وهذا التَّعبيرُ الفَنْي-في عالمِ العاطفةِ والرُّوحِ- يُؤَكِّدُ تَمَكُّنَ المَعْنى في النَّفْس.

ويَشُدُّ الانْتباهَ هذا التَّعبير: «صَمَتَت هُنيهةُ ثمّ أَرْدَفَتْ هامِسَةً...» ، فالصَّمْتُ –إذْ يَسترعي نَظَرَ مَنْ يُجالسُك- يكونُ طويلاُ ومُمتدَّاً، لا يَسْتَغرق (هُنيهةً) حَسْب، لكنّه من البداية- يُحاولُ وَصْفَ انْفعالاتِها بالاستمرار، فسُكوتُ المحْبوبةِ (بُرْهَةً)، يَحْمل إليه دلالةَ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّل الذي يُرافقُ (الصَّمْت)، لأنَّ أديبَنا مَسْكونٌ بالخلود، شَغوفٌ بالحنين، مُتَعَلِّقٌ بالوطن، دائمُ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّل.

 إلى أيْنَ تُفْضي هذه الغُرْبَة؟!

غرْبةُ أديبنا باتَت (تَسْتَنكِرُ) غُرْبَتَها :»اخْتَرْتُ أن أكونَ ذاتي، لا أَحَداً آخَر! كان قَدَري أن أكونَ وحيداً/ لم يَكُنْ لَدَيَّ شئٌ أقولُه لِنَدى، فلن تُدركَ شيئاً لديَّ، لم يَكُن بِمَقدوري أنْ أُدْرِكَه أنا!» ، الأديب الدَّائمُ التَّأمُّلِ والتَّساؤل، وجَدَ أنّ أسئلَتَه تَفوقُ الادراكَ البَشريَّ المحدود، وتَلوذُ بِعالَمِ تَساؤلاتِ الصُّوفيّة، فصارَت لُغَتُه تَقْتربُ –إلى حَدٍّ بعيد- من لُغَتِهم.: «إلى اللقاء إذاً، في مكان آخر، في زمانٍ آخر، في انبعاثٍ جديد!.. أو قلْ وداعاً لا وداعَ بَعْده!» ،..عَقِبَ تَعَلُّلِه بِلقاءٍ في مكانٍ أو زمانٍ جديدين، في انْبعاثٍ جديد، يَسْتَدْرِكُ بِقَولَةٍ تَنْفي هذا وذاك:..»وداعاً لا وداعَ بعده»! اسْتوقفتني هذه العبارةُ، وتَدَبَّرتُها مَليَّاً، وأثارت حيرتي وتساؤلاتي، لقد فاقَ أديبنا (هِرَقل الرُّوم) وهو يُودِّعُ سوريا قائلاً: (وداعاً يا سوريا..وداعاً لا لِقاءَ بعده)..وقَفْتُ أُسائلُه: هل وَدّعْتَ حتى..الوداع!

 واستَدعى إلى خاطري قولَ أبي ماضي:

يا صاحبي، هذا حِوارٌ باطِلٌ         

لا أنْتَ أدْركتَ الصَّوابَ، ولا أنا!

وبَعْد كثيرٍ من مُعاودةِ القراءة،المَرَّةَ تِلْوَ المَرَّة.. وجدْتُها.. هذه آلامُ المَحْزون يتَكلَّمُ بحُرْقَةِ المُلتاع، لِيُثيرَ القارئَ فيَقِفُ أمامَه مُتَصدِّياً: تَوَقَّفْ..أنتَ لا تَمْلكُ الوداع!، ذاكرةُ أُمَّتكَ تَسْري في عُروقك، أنتَ تَسْتَهجِنُ مَنْ رَضِيَ ذلك، وتُثيرُ القارئَ بمَشاعرِ الرَّفْضِ والاستهجان.. والثورة.. قرأَتُ ذلك في أُسلوبِك، في نعبيراتِك، وحتّى.. في علامات تَعَجًّبك!.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل