الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة أولية في نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية

تم نشره في الأحد 27 أيار / مايو 2012. 03:00 مـساءً
قراءة أولية في نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية

 

الدستور - أحمد عليوة

اظهرت النتائج شبه الرسمية للجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية التي اعلنت امس الاول، انه يتعين على المصريين ان يختاروا بين مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي او الفريق المتقاعد في القوات الجوية احمد شفيق (آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك( في جولة الإعادة 16 و17 حزيران المقبل والتي تكشف عن وجود خلافات صارخة في دولة وحدتها النشوة عندما أطيح بمبارك قبل 15 شهرا.

ولكل مرشح في انتخابات الرئاسة المصرية مؤيدون يدافعون عنه لأسباب قد تكون موضوعية، كقناعتهم بمنظومة أفكاره وبرنامجه الانتخابي أو شخصيته القوية مثلا، وحضوره بين الجماهير أو مواقفه السياسية السابقة. لكن الامر الذي فاجأ المتابعين والمحللين للوضع في مصر، كان هذه الصعود المفاجىء للمرشح شفيق وتقدمه السباق الرئاسي مع مرسي، في الوقت الذي كان يردد فيه شفيق حتى خلال حملته الانتخابية ان حسني مبارك كان وما زال مثله الأعلى. وقال «ما زلت أفتخر بذلك وإلى آخر يوم في حياتي سأقول ان مبارك هو مثلي الاعلى»، ليس هذا فقط بل ان شفيق اعلن انه سينسحب من سباق الرئاسة في حال ترشح احد كبار رموز نظام مبارك وهو عمر سليمان الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: من يقف خلف مرشح محسوب على نظام مبارك، تربى على موائده ونهل من أفكاره السلطوية، بل وشارك في قمع الثائرين عليه، في موقعة شهيرة عندما كان رئيسا لوزراء مبارك؟ من يريد مرشحا يرى فيه كثيرون استنساخا للنظام البائد الذي جثم فوق صدور العباد لما يزيد عن الثلاثين عاما؟.. باختصار من هم الداعمون الحقيقيون لأحمد شفيق؟.

التقارير الاخبارية الواردة من مصر، تؤكد بما لا يدعو مجالا للشك ان فلول الحزب الوطني وعددا كبيرا من نوابه السابقين شوهدوا خلال عمليات الاقتراع أمام اللجان الانتخابية يحشدون مؤيديهم لانتخاب المرشح شفيق. وقد يصاب الانسان احيانا بخيبة امل عندما يعتقد ان شريحة واسعة من الشارع المصري تعتبر شفيق طوق نجاة لانتشالهم مما آلت اليه الاوضاع، او ان تصويتهم له هو بمثابة عقاب صامت لجماعة الاخوان المسلمين لاستئثارهم بمجلس الشعب والشورى، لكن بمتابعة بسيطة لمجريات الأمور تنفرج الأسارير، ويتنحى الإحباط جانبا، حين ندرك ان جوقة من المنتفعين وحاشية السوء وأذناب نظام مبارك هي من دعم بلا حدود الفريق شفيق، بالإضافة إلى غالبية اقباط مصر الذي دعموه وصوتوا له بكثافة لأسباب معروفة.

ان تحليل صعود مرسي وشفيق في السباق الرئاسي، يعود الى ان الأول اعتمد على قوة التنظيم الذي تتمتع بها جماعة الإخوان المسلمين وقدرتهم على الحشد، والثاني اعتمد على كتلة الأقباط التي تخشى من صعود الإسلاميين إلى جانب كتلة الحزب الوطني المنحل التي ترى أن مصالحها مرتبطة بصعود شفيق.

وإن أهم العوامل التي أدت لصعود شفيق هو الجزء الأكبر من كتلة الأقباط الذين لديهم مخاوف من أي حكم ديني في البلاد، وهؤلاء يرون في شفيق أنه الأكثر قوة وقدرة على تحدي تيار الإخوان، وكان أكثر وضوحاً في آرائه. وان الكتلة الباحثة عن الأمن والاستقرار وقفت مع شفيق الى جانب فلول النظام السابق والتي ترى في مصلحتها ألا يتصدر الإخوان المشهد السياسي، هذا إلى جانب كتلة موظفي الدولة التقليديين وأسر الضباط والجنود الذين ايضا صوتوا لشفيق. ولهذا يظهر جليا ان صعود مرسي ياتي لأنه مرشح الإخوان المسلمين المنظمين بشكل جيد وقاموا بعمل دؤوب في الشارع أوصل مرشحهم إلى الإعادة، أما شفيق فقد ساعده الكثير من الاقباط وأنصار الحزب الوطني وأعداد كبيرة من الناخبين الذين ملوا من الانفلات الأمني وينظرون شفيق على أنه الأمان.

والسؤال الان: هل تعرضت ثورة 25 يناير لعملية اجهاض من الثورة المضادة وفلول النظام الذين ما زالوا ممسكين بمفاصل الدولة، إلى جانب الانقسام الشديد وتفتيت الأصوات الذي حدث على مستوى المرشحين المحسوبين على الثورة؟؟؟ فلو اتحد حمدين صباحي وعبدالمنعم أبو الفتوح لكان أحدهما فائزاً، ولو اتحد الإسلاميون لكان بينهم فائز. ان ما حصل عليه مرسي من أصوات هو تعبير حقيقي عن حجم الإخوان ومن يتعاطف معهم، ونعتقد ان جولة الإعادة سيحسمها شباب الثورة وإلى أي جهة سيتجهون، وسط اعتقاد ايضا انهم سيمتنعون عن التصويت، وهنا ستكون الكارثة، لان شفيق حينها قد يكون بالفعل رئيس الجمهورية المقبل، وحينها سيعرف شباب الثورة ان ثورتهم سرقت منهم وان احلامهم تبددت وان الطغاة يتوالدون بوجوه وثياب جديدة قصيرة وطويلة وخطابات تنمو في حقولٍ جديدة يؤسسها لهم الآخرون الذين ينظرون للمشهد وينتظرون عسى أن ينفتح لهم أمل جديد ليعودوا من جديد ليعزفوا مقاطع من أغاني القتل والدمار ليعمقوا جراحات الوطن وليزيدوا النزيف الذي لم ينقطع بعد.

ان اعتماد شفيق على الفلول لم يكن وليد اللحظة، فرغم تأييد غالبيتهم في بادىء الأمر لعمر سليمان، فإن البعض الآخر قد التصق بشفيق منذ اللحظة الأولى، ولا عجب إذا ما كان المؤتمر الجماهيري الذي أعلن فيه ترشحه نهاية كانون الاول الماضي، قد نظمه أحد قيادات الوطني بالمنوفية وهو حسن الشناوي عضو مجلس الشورى السابق. المؤتمر ضم ما يقارب 10 آلاف شخص، كانوا في معظمهم من فلول الحزب الوطني، وظهر شفيق في قرية ميت خلف مركز شبين الكوم برفقة محمد كليلة ابن الحزب الوطني السابق، وأحد أكبر رجال الأعمال بالمنوفية والمعروف بامتلاكه هو وأسرته مليارات الجنيهات، من واقع عمله في شركات توريد الأغذية للشرطة منذ عشرات السنين. هذه كانت البداية، ومن وقتها يزيد يوما بعد يوم اعتماد شفيق على الفلول، بشكل يتخذ الطابع السري أحيانا والعلني أوقاتا أخرى.

ومما لا شك فيه ان اقباط مصر يمثلون ثقلا انتخابيا لا يمكن تجاوزه، ومن هذا المنطلق كان من الضروري الوقوف على خياراتهم، والتي لم تخرج في أغلبها من معسكر الفلول، حيث يتأرجح تأييدهم ما بين أحمد شفيق وعمرو موسى. وفي استفتاء أجراه الموقع المسيحي «الحق والضلال»، تبين ان شفيق هو صاحب النصيب الأكبر من تصويت الاقباط، ويدافع الموقع عن ذلك بالقول: «وجدنا أنه الأفضل والأصدق فى كلامه والأفضل فى برنامجه الانتخابي، وكذلك تاريخه وأصله وخبراته وإنجازاته، وخبرته العملية فى مجال السياسة والمناصب التى تولاها، ولأنه يؤمن بالمواطنة ويؤمن بالدولة المدنية، ويؤمن بالمساواة بين حقوق الأقباط مع المسلمين.. كما انه قوي وشرس في التعامل مع الاسلاميين ولا يحبهم».

وبكلمات أخرى انقسم الاقباط بين عمرو موسى وأحمد شفيق اللذين يوصفان بالتبعية للنظام السابق، ويصرح الاقباط بلا تردد بأنهم يفضلون الفلول على الإسلاميين.

كذلك أعلنت صفحة «أنا آسف يا ريس» والتي يدعمها من يطلقون على أنفسهم «أبناء مبارك» دعم أحمد شفيق بعد ان كانت تدعم اللواء عمر سليمان قبل استبعاده.

كما سارع عدد من المطربين والممثلين في مصر إلى تأييد أحمد شفيق. كذلك وتتحدث تقارير صحفية ان شخصيات في الوسط الفني معروفة بتصريحاتها المؤيدة لبقاء مبارك وقت الثورة، قد أعلنت مؤخرا تأييدها لأحمد شفيق مثل غادة عبدالرازق ومحمد فؤاد وطلعت زكريا، وجميعهم وضعهم الثوار على قائمتهم السوداء خلال الثورة. الرأي نفسه تبنته الممثلة إلهام شاهين وزينة وسمية الخشاب وهالة صدقي.

كما ان التقارير الاخبارية الواردة من القاهرة امس تفيد ان المجلس العسكري والمصالح الحكومية والمصانع الحربية قاموا بشحن الموظفين للتصويت لشفيق، وبالفعل لم يكن هناك تزوير فى الأوراق بنسبة كبيرة، ولكن الذى حدث هو توجيه الناخبين، مثلما حدث فى الانتخابات البرلمانية والاستفتاء.

نظام مبارك خرج من الحكم من البوابة الثورية تحت وطأة الانتفاضة الجماهيرية المليونية، فهل يعود هذا النظام مجددا وبقوة اكبر عبر صناديق الإنتخابات وبطرق رسمية وبدعم خارجي؟؟؟ وهل ستقوم بعض الدول التي لم تستطع فعل شيء ضد الثورة المصرية في عز نهضتها وقوتها، هل ستصبح الآن قادرة عبر الأجندة السياسية وسطوة نفوذ المال السياسي وسحره العجيب لدى ضعاف النفوس للعب دور الوصي في الإنتخابات.

ان صعود شفيق فجأة يحمل دلالات خطيرة جدا عن إنحسار المد الثوري في مصر وعن فجوة كبيرة وضعف ثقة لدى الأغلبية وربما البعض عن دور الثورة وتوخي نتائجها والحذر الشديد من مستقبلها وما ستؤول اليه النتائج، فالانتخابات هنا مرآة حضارية تعكس صورة الثورة الحقيقية في قلوب ونفوس الكثيرين من أبناء الشعب المصري، خاصة ان الفترة الماضية التي سبقت الانتخابات وتلت نجاح الثورة في اسقاط النظام، شهدت مراحل حرجة و لعبت دورا كبيرا في زعزعة الثقة بين المواطن والثورة،خاصة مع إستعداء بعض مكونات الثورة لشخصيات عامة وصعود الإسلاميين على حساب الاغلبية العظمى الصامتة، مما ساهم في استغلال جموع الفلول اتساع هذه الفجوة الكبيرة واجواء إنعدام الثقه لصالحهم لضرب التيارات الثورية المختلفة بعضها ببعض من جهة ومن جهة اخرى بإشعال الفتنة والخلاف بين هذه القوى والمجلس العسكري والتشكيك في مصداقيتهما معا، مما صنع اجواء مشحونة وخلافات كبيرة بين المجلس العسكري وشباب الثورة، اختار حينها المجلس العسكري بطريقة غير معلنة الإنضمام الى صفوف الفلول لمقاومة موجة الاستنكار والحماية من غضب الشعب والثورة معا.

خيارات صعبة سيجد الناخب المصري نفسه أمامها في الجولة الثانية، ففيما هو يفضل الانحياز للثورة بالتصويت لمرسي فإنه يخشى في الوقت نفسه من التبعات السلبية التي يمكن أن تنجم عن انتخاب إخواني على رأس الدولة المصرية حتى وإن كان بوسائل ديمقراطية... وفي الوقت ذاته فإن الانحياز لشفيق قد يجنب – في الظاهر – مصر تلك التبعات السلبية لكنه لن يحقق الاستقرار الداخلي بكل تأكيد إذ أن قوى الثورة وفي مقدمتها الشباب من مختلف التيارات لن تقبل رؤية رئيس وزراء «موقعة الجمل» وقد أصبح حاكما لمصر.

التاريخ : 27-05-2012

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش