الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رمضان عميق

رمزي الغزوي

الاثنين 6 حزيران / يونيو 2016.
عدد المقالات: 1707



يعجبني أن أشارك أطفالي بتثبيت هلال غماز على شرفة بيتنا، تحيط به نجوم لامعات ملونات يتناوبن على الإضاءة بتشكيلات مبهرة ومدهشة. ويعجبني أكثر أن أستعيدني طفلاً في الخامسة كان يعتقد أن رمضان رجل مسن بلحية بيضاء، يأتي من بعيد، حاملاً في طرف ثوبه عيداً جميلاً، حافلاً بالثياب والحلوى، والعيديات التي تخرخش جيوبنا.  

إذن سأعود لأحلامي عن رمضان، ليس هرباً من سعار الأسعار الذي سينتابنا مع لحظة قدومه، بل هرباً من ثقافة هذا الاستهلاك الغبي الذي تنصب علينا، حين أفرغنا رمضان من معانيه، وحولناه إلى مطبخ متخم. لم ندرك ما رمضان الحقيقي، وأبسط صورة أن الصحون اللاقطة على ظهور بيوتنا، والتي تتواعدنا بأن لا نغمض عيوننا، هذا الصحون حلت مكان الصحون البسيطة، التي كان يتبادلها الجيران والأهل فيما بينهم قبيل الغروب، مودة ومحبة. فمن قزم رمضان فينا؟!.

ولهذا سأغمض عيني قليلاً، وأرانا أطفالاً نهب إلى المسجد كالحمائم، مع أول خشخشة سماعة المئذنة المتحفزة للتكبير، نصلي جانب الكبار مفتعلين الوقار، بعد أن يفسحوا لنا ويمسدوا على رؤوسنا، وهم الذين كانوا يطردوننا شر طردة في الأيام الخوالي، وها نحن بعد الصلاة نتحلق شيخاً يرتفع بالكلام ويطيل؛ فيأخذنا التناعس والتناوم ولي الرقاب، لتبدأ موجة الإنسحابات حتى تفرغ الحلقة من حوله!.

أو نتوسل أمهاتنا بالدموع أن يوقظننا للسحور، ونقسم أيماناً غليظة، أننا سنصوم ولو لحد الظهر!، ثم لنقف قرب الشبابيك نكبر مع صوت المسحراتي العجوز، الذي يجوب الحارات ضارباً طبله مترنماً بالتهاليل، ويطرق الأبواب ينادي على كل بيت باسم صاحبه: يا نايم وحد ربك!!.

سأغمض عيني لأستعيد رائحة الغروب، والشمس الزاحفة كسلحفاة، وكيف كنا نصعد أسطح البيوت، نحثها على المسير الأخير، وننتظر بفارغ الجوع صوت المؤذن طويل الروح، وكيف أن شقيقنا النزق الصائم للمرة الأولى!، كان يهمهم بشتائم لا تليق بالصائمين الصغار!.

لماذا لا يتركوا لنا رمضاننا، الذي نعود فيه لأنفسنا، بفطرتنا الأولى، ونلوذ به من فجاجة وقبح ومادية هذا العالم، لماذ يقزمونه ويختصرونه بالأكل والشرب والسهر والمسلسلات، لماذا صار كل حوشنا وبوشنا لأجل رمضان سطحي، لا يضرب جذراً في أعماق نفوسنا. أتركوه!، ولا تتأمروا عليه.

جميل هذا الرمضان، إذ يعيدني طفلاً صغيرا بأحلامه الكبيرة تبقيه دوماً على قيد الفرح والمحبة، وكل عام وأنتم بخير.



ramzi972@hotmail.com

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش