الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

صناعة القتلة في أسطورة الفردوس

حلمي الأسمر

الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 2421



كلما قرأت أو سمعت عن شخص يتساءل عن كيفية صناعة «القتلة» ممن يفجرون أنفسهم وسط أبرياء لا يعرفونهم، ولم يسبق لهم أن رأوهم، وليس بينهم وبينهم من عداوة أو بغضاء أو خلاف، مرت ببالي فورا «قلعة الموت» في قصة الرحالة الإيطالي ماركو بولو «أسطورة الفردوس»!

«قلعة الموت» في قصة «أسطورة الفردوس»، هي معقل الحشاشين، إذ يقول: «.. كانت فيها حديقة كبيرة ملأى بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى، حتى يوهم شيخ الجبل أتباعه، أن تلك الحديقة هي الجنة. وقد كان ممنوعاً على أيّ فرد أن يدخلها، وكان دخولها مقصوراً، فقط، على من تقرّر أنهم سينضمون إلى جماعة الحشاشين. كان شيخ الجبل يُدخِلهم القلعة في مجموعات، ثم يُشرِبهم مخدّر الحشيش، ثم يتركهم نياماً، ثم بعد ذلك كان يأمر بأن يُحملوا ويوضعوا في الحديقة، وعندما يستيقظون، فإنهم سوف يعتقدون أنهم قد ذهبوا إلى الجنة، وبعدما يُشبعون شهواتهم من المباهج، كان يتم تخديرهم مرة أخرى، ثم يخرجون من الحدائق، ويتم إرسالهم عند شيخ الجبل، فيركعون أمامه، ثم يسألهم من أين أتوا؟ فيردون: «من الجنة»، بعدها يرسلهم الشيخ، ليغتالوا الأشخاص المطلوبين؛ ويعدهم أنهم إذا نجحوا في مهماتهم فإنه سوف يُعيدهم إلى الجنة مرة أخرى، وإذا قُتلوا أثناء تأدية مهماتهم، فسوف تأتي إليهم ملائكة تأخذهم إلى الجنة!.

ربما يكون هذا الوصف من بنات خيال الرحالة المعروف، فثمة من يقول، إن قلعة الموت دمرت وأحرقت، وعمر ماركو بولو لا يزيد عن سنتين. ولكن، ليس هذا مهماً، فسواء كان هذا الوصف حقيقياً، أو مستوحى من قصص التحشيش، فهو مقاربة مرعبة لحال من يعتقدون أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويتقربون إلى الله عز وجل، بإهدار دم البشر، مسلمين كانوا أو غير مسلمين.

ليس «التحشيش» بالضرورة أن يكون ناتجاً عن تناول الحشيش، فعلاً، فمن الممكن للمرء أن يدخل في غيبوبة «فكرية»، نتيجة غسل دماغه، فيرتكب تحت تأثير هذا الغسيل أفدح الجرائم وأبشع عمليات القتل، وهو في قمة نشوته وانبساطه.

وكما ألهمت قصة الحشاشين ماركو بولو فقد ألهمت الأديب الفرنسي لبناني الأصل أمين معلوف، صاحب رواية  «سمرقند» ، والتي نشرت سنة 1988، وتحولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني، وهي تركز بشكل أساسي على عمر الخيام، ثم صداقته مع حسن الصباح، زعيم الحشاشين، الذي يتمكن من جذب الأتباع والأنصار ونشر عقيدته على نطاق واسع. ويستمر الكاتب في رواية قصص بقية الحكام حتى انهيار الدولة وسقوط قلعة آلموت بيد المغول، وقد حازت هذه الرواية على عدد كبير من الجوائز الأدبية.

ما يهم في هذا كله، أن صناعة القتلة لم تتوقف، وإن اختلفت التقنيات، والأساليب، إلا أن الهدف هو واحد، تحويل الإنسان إلى وحش يقتل نفسه وآخرين لا يعلم عنهم شيئا، إنها حالة هستيرية تحتاج لجهد فكري وذهني عبقري لمواجهته، دون الاكتفاء بالمعالجة الأمنية الخشنة!

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل