الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مرض حب الذات مشكلة وطنية

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016.
عدد المقالات: 220



من أشد الأمراض أثراً سيئاً على المجتمعات وفتكاً بها ذلك المرض الذي يتمثل بحب الذات، والافراط في الأنانية إلى درجة المقت، والمشكلة الكبرى في هذا المرض أن الآثار الناجمة عنه لا تتعلق بالمريض نفسه فقط، ولا في الدائرة الضيقة من حوله، بل يشكل وباء يكاد يتفشى في المجتمع بطريقة كاسحة، وتظهر علامات الإصابة بالمرض من خلال التصرفات والسلوكات الاجتماعية تجاه القضايا الاجتماعية والوطنية والناس  والمقدرات الوطنية والبيئة؛ أثناء قيادة المركبة، وفي مراجعة الدوائر الرسمية وغير الرسمية، والتعامل مع طابور المراجعين، وخضوعه لشعور نفسي طاغ بأنه أكثر أهمية من الآخرين ويجعل نفسه في مرتبة فوق القانون وفوق المجتمع، وأحياناً يتطور المرض ويستفحل لدى شريحة واسعة إلى تلك الدرجة التي تجعله يقدم على إغلاق الطريق بسيارته أمام أرتال السيارات التي تقف خلفه ريثما يكمل حديثه مع آخر، أو ريثما يحضر ربطة الخبز أو إحضار كيس الخضار من البقالة، ويشعر بالغيظ الشديد فيما لو أطلق أحد المتضررين (زاموراً) أو إشارة من يده، فهذا قد يكون سبباً في إشعال فتنة وحرب أهلية.

أصبح هذا المرض ظاهرة ولم يعد حالة فردية شاذة، والغريب في الأمر أن علامات هذا الوباء تطال الشباب والصغار في ظل عدم الانتباه من أولياء الأمور في ملاحظة تضخم هذا الشعور لدى أبنائهم أحياناً، نتيجة سياسة الاغراق في المديح وتفضيلهم بصريح القول على الآخرين من أقرانهم، والإفراط في اتباع  ثقافة المظاهر الخادعة والمضللة حول الإيهام بالمستوى المادي، ومن خلال العناية بموضات الملابس والحقائب واختيار المدرسة الخاصة، والتفاخر في أنواع السيارات والذهاب إلى المطاعم الفاخرة.

مرض الأنانية المفرطة ليس مجرد سلوك شائن، و صفة شخصية مرذولة، بل هو عائق أمام تقدم المجتمعات، ويشكل عاملاً من عوامل تفكيك عرى الوحدة الوطنية وإلحاق الأضرار الفادحة في النسيج المجتمعي، ويسير بالدول نحو الضعف والانهيار إذا لم يتم الانتباه لهذا الوباء والاستنفار الشعبي لمواجهته بجدية وبطريقة منهجية مدروسة على صعيد الأسرة والمدرسة والجامعة والدواوين والمؤسسات والوزارات المختصة.

يجب أن نعلم أن المجتمعات المتقدمة بذلت جهوداً كبيرة ومضنية على بناء الإنسان والعناية بالمنظومة القيمية الجماعية على صعيد المجتمع كله، حيث يتم غرس هذا الشعور في نفوس الناشئة وتعزيزه وترسيخه بشكل متجذر، ولذلك يصبح لديه قيمة حب الأوطان إلى درجة القداسة، وربما تكون اليابان نموذجاً ناجحاً ومثالياً في هذا السياق، لأنهم يعلمون يقيناً أن الخضوع للقانون، واحترام سيادته يقوم على اجتثاث مرض حب الذات والأنانية المفرطة؛ الذي يتولد لدى بعضهم بأنهم فوق البشر وفوق القانون، كما أنه يعلمون يقيناً أن سلوك احترام الآخرين ومعاملتهم بأنهم شركاء على قدم المساواة في الوطن وترابه ومقدراته، وشركاء في الدفاع عنه، وشركاء في حمايته، وشركاء في صيانة الحق العام والمرافق العامة، وشركاء في الحقوق والواجبات وشركاء في المغنم والمغرم، وفي كل ذلك مصلحة مشتركة ترتد على جميع المواطنين.

إن عدم احترام القانون، وعدم الالتزام بآداب الطريق، وعدم الالتزام بالنظافة العامة، في المتنزهات والغابات والساحات والشوارع، يمثل انحطاطاً خلقياً وتخلفاً فكرياً، يستحق أعلى درجات العقوبة، مما يستوجب علينا جميعاً أن نستنفر من أجل تشخيص هذا المرض والعمل على معالجته واستئصاله من أجل تأمين الحد الأدنى من العيش المشترك.

رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل - المدير العام: د. حسين أحمد الطراونة