الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ناجي العلي. لم يزل قائماً في الذاكرة

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2016. 08:00 صباحاً

نضال القاسم *



ناجي العلي... لماذا الآنْ

عندما أطلقوا رصاصهم الغادر على رأس فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي في الثاني والعشرين من تموز عام  1987 لم يضعوا في حسبانهم أن حنظلة الذي كان شاهداً حقيقياً على كل المراحل والأحداث، لم يمت، ولم يتأثر بنيران رصاصهم، بل بقي حياً متوهجاً في ذاكرة الملايين، وفي ذاكرة كل طفل فلسطيني حمل الحجارة ليقاتل بها فكانت أبلغ من لغة الرصاص. ‏كما لم يكن هذا الرصاص القاتل إلا الدليل القاطع على خسّتهم وخوفهم وجبنهم وبالتالي ضعفهم أمام ذلك الابداع الفني الذي يحكي قصة شعب مهجّر، شردته الصهيونية المزروعة في أرض فلسطين، فعاش في الشتات وفي المخيمات حياة البؤس والشقاء والفقر والمعاناة، لكن دون أن تفتر عزيمته أو تلين، وظل الصوت مدوياً، يناضل بالسلاح والكلمة والريشة المبدعة لاسترجاع ما أخذ منه بالقوة ..‏وكان يقول: لو بقيت على قيد الحياة فسوف أفضح هذا الواقع العربي...على الحيطان. وكان يقول أيضاً ...»رسمت بالحس الطبقي الذي يلفت النظر لهذه القوى المسحوقة التي يجدر بها الحياة، وهي عملية لفت نظر لأصحاب القضية الحقيقية في الثورة كي يتوجهوا وينتبهوا لهذا الواقع».



وخلال الرحلة التي استمرت نحو ربع قرن، أنجز ناجي العلي ما يزيد عن العشرين ألف لوحة خلال عمله في «الطليعة» و»السياسة»، و»القبس» (الكويت)، و»السفير» اللبنانية، وكان شاهداً على أهم الأحداث العربية والعالمية، وقد شكلت رسوماته مدونة، وتاريخ للمقاومة والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والعربي، وكان يقظاً لكل الأسباب التي تقف في مواجهة حركة التحرر العربي، ناقداً الدكتاتورية للأنظمة وقيادات الثورة، والسماسرة الذين نبتوا كالفطر والرجعية العربية التي ساومت على الحق العربي.

وناجي العلي نبت فلسطيني عربي بامتياز، وليس وليداً لمنظمة، أو لحلقة نضالية، أو حزب سياسي كان أحد شعاراته المعلنة فلسطين، لذلك لم تستطع الأحزاب احتواء ناجي العلي، كان يحارب على كل الجبهات، الجبهة المعلنة، والجبهات الخفيّة، كان يؤمن أن نقاء الثورة ضمانه نقاء الثوار، لذلك كان جريئا، وجارحا، ومحرجا، وخارجا على المتواضع عليه في الأعراف السياسية والتوازنات المختلفة التي تفرضها طبيعة العمل السياسي، حيث لم يكن هو سياسيا بيوم من الأيام، كان ثائراً، وكفى، والفرق بين الثائر والسياسي كبير، كبير جداً، بل أكبر من الفرق بين الضد وضده.

وقد تسببت مواقف ناجي له بالكثير من المتاعب، لكنه لم يكن يلين وكان يرى في رسم الكاريكاتير موقفاً سياسياً من القضية الفلسطينية، وموقفاً اجتماعياً من الحياة، ظل كما بدأ فلسطينياً صارماً حاداً لا يقبل التراجع ولا الانحناء، وكان هذا الموقف أصعب من أن يفهمه كثيرون، فبدأت الحملة سراً وعلناً ضده، من أجل احتوائه، ولما تبين استحالة احتواء حنظلة ضمير فلسطين بدأت بعض الجهات بالتخطيط لاغتياله. وحين وجّهت إليه فوهة المسدس في حي تشلسي وسط لندن، وجد معه رسمان أحدهما يحدس بموته الوشيك.

لقد استطاع « العلي» أن يحفر اسمه في ذاكرة الأجيال وكل الأجيال العربية المتلاحقة..وهو لم يزل قائماً بيننا وسيبقى في ذاكرتنا العربية وضمن صفحات النصوع والإشراق لتاريخنا الطويل. وكلمتنا التي ينبغي علينا أن نقولها هنا أن ناجي العلي سيبقى صالحاً في كل وقت، حتى بعد أن يتغير الواقع إلى الأفضل، سيبقى يذكِّرنا بأنه كان لنا ماضٍ قريب حمل كل معاني السخف والابتذال.

وقد كان ناجي العلي - عليه رحمة الله- يعتز بعروبته، حيث تعبر إحدى لوحاته عن مكنونات نفسه فهو يقول في إحدى لوحاته :- ‹ لست سنياً ولا شيعياً ولا مسيحياً ولا درزياً أنا عربي يا جحش›. وقد كان أيضاً يعتز بالفقراء، حيث كان يقول:- ‹ أنا رجل أحمل خيمتي على ظهري، وعشيرتي هي الفقراء ‹، وقد استطاعت رسوماته أن تشعرنا بالذل والقوة، بالعودة والتشريد، وما تزال رسوماته تمثل تنهيدة المواطن العربي، عندما يتأمل حال أمته ولا يجد ما يقول، فهي ما تزال تحمل صلاحية الفكرة وضراوة الهجاء الذي نحتاجه حين يعز الكلام على الرغم من مضي تسعة وعشرين عاماً على جريمة اغتياله.

وقد شاركت رسوم العلي في عشرات المعارض العربية والدولية، كما صدر له ثلاثة كتب في الأعوام (1976، 1983، 1985) ضمت مجموعة من رسوماته المختارة، وكان يتهيأ لإصدار كتاب رابع  لكن الرصاص الغادر حال دون ذلك. وقد حصلت أعمال ناجي العلي على الجوائز الأولى في معرضي الكاريكاتير للفنانين العرب أقيما في دمشق في سنتي 1979 و 1980م ، وحاز كذلك على عدة جوائز كبرى في معارض دولية وعربية، كما أقيمت لرسوماته عدة معارض قبل استشهاده وبعده. كما انتخب  أميناً عاماً لاتحاد رسامي الكاريكاتير العربي إضافة إلى كونه عضواً مؤسسا في الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين وعضواً في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.



 عناصر اللوحة عند ناجي العلي



لقد بشَّرت أعمال ناجي العلي بالانتفاضة الفلسطينية الأولى التي ولدت بعد اغتياله بخمسة أشهر تقريبًا، ففي الكثير من رسوماته يحتل الأطفال دور الجنود، فيما الحجر هو السلاح المقدس الرخيص الثمن، المتوفر في كل لحظة، والقادر على دكّ حصون المحتل، هذه النقلة في فن العلي من الرصد إلى التبشير بدأت في العام 1975 أي قبل الانتفاضة بأكثر من عقد ولعل سبب هذا التحول كان قوة الدفع التي اكتسبها الحل السياسي/ السياحي (كما كان يسميه العلي) في الوسط الفلسطيني الرسمي، وذلك على حساب الحل العسكري، وهو ما تمثل في برنامج النقاط العشر، وخطاب عرفات في الأمم المتحدة (1974)، وإصرار العلي على البحث عن مخرج من شبكة الأنفاق الطويلة التي تاه في وسطها الفلسطينيون.

وتتعدد عناصر اللوحة عند ناجي، فتراه مرة يتضامن مع الباحثين عن لقمة الخبز مقطوعي الأيدي في السودان، وأخرى فلاحاً مصرياً يحمل مشنقة لأعداء الشعب من القطن طويل التيلة، أما في المخيم الفلسطيني فيذهب إلى أبعد من الحدود ليعلن تضامنه مع الصحفي المصري صلاح عيسى في إضرابه عن الطعام حتى الموت،حيث منع من العمل بالصحافة المصرية بسبب آرائه السياسية المعارضة.

ولم تكن رسوم العلي ساخرة، بل كانت على العكس حزينة، كانت رسوماً تتحدث عن آلام الناس ومواجعهم، وعندما لم تكن رسومه حزينة فلقد كانت جادة، تقول آراء ومواقف وتحدد بوصلة للحراك السياسي عبر مفارقات ذكية. هكذا تجاوبت رسوم ناجي مع تلك الحاجة الداخلية العميقة لإنسان المنطقة مع التعبير الحزين عن حياته المضنية المحاكة بالسواد. مستنداً للجوهر الرافض، الثائر والمتمرد والواعي في ذات الأن لقضية شعبه وأمته.

وقد تمثل نضج العلي الفني في انتقاله من الرسم التخطيطي إلى الرسم التشكيلي، وإن ظل مصرًا على استخدام اللونين الأبيض والأسود فقط في لوحاته، ولعل هذا يرجع إلى طبيعته التي لا ترى العالم إلا من خلال التناقضات الكلية بين خير وشر، وجمال وقبح، وتضحية وخيانة لذا فحين تأزمت الأوضاع السياسية العربية بات اللون الأسود خلفية شبه دائمة في لوحاته، كما تخلّى العلي في نهاية مرحلة السفير الثانية عن الأنساق اللغوية، واستبدل بها الأنساق الكاريكاتيرية التي امتازت بالبساطة وقلة الخطوط، مما يعكس عبقريته. وقد أسس العلي مذهبًا خاصًا به للجمال، فالجمال لديه لا يعني الزخارف ولا الزينة ولا حسن الملامح وبهائها، فشخصية الزلمة الجميل مثلاً في لوحات العلي كانت من أكثر ملامح الناس قبحًا، ولكنها كانت في الوقت ذاته من أجمل المخلوقات؛ لحرصها على العمل وطيبتها وبراءتها وإخلاصها لمبادئها. كذلك كانت شخصية حنظلة/ القنفذ.

فالجمال في مذهب العلي يعني: البراءة، الشجاعة، البساطة، والشفافية، وكذلك يعني القوة في الفعل الإنساني. وفي الخطوط كان الجمال يعني المثير للدهشة، المحفِّز على فعل ما، الباسط للحقيقة، الخالع للأقنعة، المدافع عن الحق، الداعي إلى الحياة، الباحث عن الخير، وتلك هي الصورة التي كانت عليها فاطمة العلي الجميلة كذلك.

ويرى بعض النقاد والدارسين للتجربة الفنية لناجي العلي أن هناك علاقة وثيقة بين تجربته الفنية وتجربة الفنان الفرنسي «هونريه دومبير» في رسم الشخوص..فكلاهما يسخر من المتحذلقين بجعل أجسامهم سمينة منتفخة رذيلة. وأما الشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري فيرى أن ناجي العلي كان (يستلهم تلك الجنائزية التي حفلت بها الفنون القديمة ممتزجة بذلك النزوع التعبيري الجماعي الذي تميز به الفن الاسلامي بحيث يكون له أن يزاوج ما بين التخطيط الواقعي لبعض اشكال رسومه وبين تخطيط تحريفي وتشويهي لأشكال تقابلها في المرمى المضاد لها).

إن شخوص ناجي العلي كلها فيها اختزال لدلالات ذهنية رسمها بطريقة رمزية تعرف عليها هذا الفنان بوعيه الشخصي، وأغلب أقدام هذه الشخوص حافية، وكأنه يأخذ بقول الشاعر ويردز ويرث أن الطفل هو والد الرجل، أو كأنه المسيح حافياً أنه حنظلة، هذا الطفل الحارس الأمين، يراقب كل ما يجري حوله وأمامه، بكثير من الصبر والألم. حنظلة العلي، ذلك الفتى العشري الذي ظل يحمل عمر الطفولة، بعيداً عن قوانين الطبيعة المعروفة، لأنه استثناء، ويكفينا أن نقول عنه ما قاله « العلي»:-    «...حنظلة: هذا المخلوق الذي أبدعته لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أُبالغ إذا قلتُ: إنني قد أستمرُّ به بعد موتي». وفعلاً كان أن استمر ناجي العلي بــِ» حنظلة « في رسم صورة هذا الوطن الكبير رسماً للحالات والوقائع.

وناجي، رائد حقيقي لنهج كاريكاتوري متميز بتعبيريته التي تمازج بين كثافة عتمة واقعه من ناحية وبين الاضاءات الخفية في الإصرار على مقاومة ذلك الواقع من ناحية ثانية، فهو بقدر ما يؤكد على مشاعر الخيبة عبر شخوصه النمطية وعلى الأخص حنظلة، المتمثلة فيه هموم الأمة المغلوبة على أمرها والملجومة، يؤكد على إصرارها في المقاومة ويعزز من قدرتها على مراقبة كل شيء وقدرتها على الصبر الطويل ورفضها لكل انواع الاستسلام.



 آخر الحديث...



لقد كانت حياة ناجي العلي سلسلة متصلة من التحدي، منذ فتح عينيه على نكبة أبناء شعبه عام 1948، ولما يتجاوز العاشرة من عمره، وهم يتركون بيوتهم وأحلامهم ويلجأون إلى الدول العربية المجاورة، فلجأ مع عائلته إلى لبنان، وتحدى الفقر والجوع، لتأمين لقمة العيش، وبالرغم من هذه المعاناة فإن إيمانه كان يتجدد دوماً  بحتمية الانتصار مهما طال الزمن ومهما بلغت التضحيات.

وقد كان الشهيد ناجي العلي يرى نفسه جندياً متواضعاً حاول أن يدلو بدلوه في معركة المصير حتى لحظة استشهاده، ومهما قلنا اليوم فإننا لن نستطيع أن نفيه حقه، سواء في عمله الفني أو الوطني، فهو رمز من رموز النضال العربي الحديث، وهو رمز لكل ما تختلج به صدور الناس في هذا الوطن على امتداده واتساع رقعته.

ومما لا شك فيه أن ناجي العلي استطاع أن يحفر اسمه في ذاكرة الأجيال العربية المتلاحقة، ولم يزل قائماً في الذاكرة العربية، وما زال جرحه مفتوحاً بدوره في صدر محبيه وعشاق فنه ومتابعي رؤيته، وما زلت الأسئلة مفتوحة،.. فناجي مازال حياً.. ومازالت رسومه تمثل إبداعاً حقيقياً يحرض على الثورة لنيل الحرية التي ستتحقق بالمقاومة والنضال.. أما المجرم الغادر الذي أراد أن يسكت صوت ناجي المقاوم بلغة الرصاص، ويشل يده المبدعة التي كانت شاهداً على العدوان والجريمة فقد أخفق في تحقيق حلمه.‏

واليوم، مع استمرار حالات النزف العربي ومع استمرار زيادة ثقل الهمِّ والغمِّ واتساع جراحنا أود أن أطرح سؤالاً، تُرى لو بقي ناجي العلي الشاهد والشهيد، هذا المراقب الكبير للعالم العربي، على حَدِّ تعبير صحيفة النهار المستقلَّة، لو بقي إلى يومنا هذا بجسده، أكان يمكن أن يقول أكثر مما قاله عِبر الصورة والحركة والخط، التي هي عنده عناصر الكادحين والمقهورين والمطحونين.. أكان يمكن أن يزيد من حجم مساحات أوراقه لتتَّسع لكل هذه الفوضى والضوضاء والاضطراب..؟!



* شاعر وناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل