الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قاع المدينة

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الثلاثاء 1 تشرين الأول / أكتوبر 2013.
عدد المقالات: 1761

ليس جميع الناس هناك سيّاحا،  لكنهم؛ أغلبهم مصابون بداء العشق والبساطة،  حين تحرروا من الشكليات، أمسوا أو أصبحوا يلوذون بجذورهم،  يستنشقون عبق ذكريات حقيقية،  ويجهشون بحنين،  على إيقاع رنين في الشريان الدافق بالحب او بالغضب.. إنهم عشاق البساطة،  الباحثون عن أصل الدهشة في مدينة تتسع مساحاتها وترفل بالهمّ كما ترفل بألوان من فرح.
في ظروف «غامضة»،  يقوم الصديق محمد جميل خضر «أبو الشعرات» بإعداد برنامج قاع المدينة،  ويقدم كل مرة مادّة جديرة بالتذوق،  لأنها تنبض بمعان لا يمكننا أن نستشفها حتى وإن اخترنا قاع المدينة مكانا لإقامتنا،  فالصورة التي تتخذ من ذاكرة المكان والزمان خلفية موسيقية،  وكلمة بسيطة ووجها يتعبد في محراب عمان القديمة،  لا بدّ وأنها صورة صاروخية التعمق في قلوب وعقول الناس الطيبين..
هل أقترح على محمد موضوعا لحلقة من حلقات برنامجه؟.
حسنا؛ سأفعل. لكنني أريد الجلوس مع محمد في مقهى أو في مطعم من مطاعم قاع المدينة،  وأنادي على «الجرسون»: واحد حمص و»صلّحووو»،  وإن لم يفهم معنى «صلّحه» سأقترح أن يتحول برنامج قاع المدينة،  إلى برنامج ناقد،  يعيب على المدينة وقاعها فراغهما من كل قيمة اجتماعية نبيلة..
ما معنى «صلّحووو» ما هي «التصليحة» المطلوبة يا ترى؟.
 كنت أسمع هذه العبارة في بعض المسلسلات العربية،  واسمعها من أشخاص يتلفظون بها على سبيل الدعابة الباهتة،  لكنني فهمت معناها قبل أيام فقط،  واكتشفت أن فيها بعدا إنسانيا جديرا بالحديث عنه،  إذ عزمني أحد الأصدقاء لتناول «حمص» و «فول» وكثير من الشطة،  في مطعم اعتدت المزاح مع صاحبه بالقول :» معي علفين مزكريييييين(ألفين دينار مسكّرين يعني).. بدي أدغل معق شريق بالمطعم(أدخل معك شريكا في المطعم).. اعكيلي : عِلك مزلعاااااا(احكيلي :إلك مصلحة)». فيجيبني أبو الشباب: «لو تجيبلي قل فلوز عمان عنا ما بشارق عدا(كل فلوس عمّان أنا ما بشارك حدا)..روع روع عبيبي اسعرلك فيعم سعرة(روح حبيبي اسهرلك فيهم سهرة)،  شو علفين..والله بعطهم (بحطهم) في «......» زاعبي (يعني صاحبه؛ ويشير ضاحكا الى رجل يجلس بجانبه)..» بعد أن مسحت صحن الحمص تماما،  قال لي صديقي: شكلك جيعان كثير شو رايك نطلبلك «تصليحه»،  فقلت لم نخرب شيئا يدعونا لنقوم بتصليح،  قال:التصليحة هي أن يضع لك قليلا من الحمص «مجانا» في نفس الصحن لإكمال وجبتك،  فوجئت بما اعتبرته فكرة،  فإذا بصديقي يؤكد بأنها معلومة وليست مجرد فكرة،  وقال، ألم تسمع مثلا بعبارة «واحد شاي وصلّحه»؟،  قلت بلى، سمعت وتأففت من عدم جدواها ومعناها في مجتمع ينحو الى العلاقات التجارية أكثر من الإنسانية والاجتماعية الطيبة،  فقال : إن المطاعم الشعبية بخاصة، العريقة منها،  تحتفظ بمثل هذا التراث الاجتماعي،  وإذا أردت أن تعرف مقدار تمسك هذه الأماكن بالتراث والقيم الإنسانية الطيبة،  فاختبرهم ب»التصليحة»،  فقبلت المجازفة،  وعلى الفور قال صديقي للجرسون: «معلش تصليحة حمص»،  فإذا بالشاب يأخذ الصحن من أمامي ويضع فيه نصف الكمية السابقة،  ويعيده عامرا بالتتبيلة،  ضحكت كثيرا،  لأنني شعرت بالدهشة والذهول والفرح معا،  وشعرت بدفء المدينة والدنيا،  لأنني تخيلت المعنى الكامن وراء «التصليحة» المجانية،  التي يقدمها المطعم لزبون بسيط وفقير غالبا،  دخل الى المطعم ليسد رمقه بصحن حمص او فول،  ولم يشبع،  فطالب بالتصليحة،  حتى شبع.. إنها دهشة جميلة،  تعبر عن تراث إنساني ثقافي يستند إلى منظومة قيم عربية مثلى،  تكرم الضيف وتسدّ رمق الجائع دونما التفات الى المصلحة التجارية..
هل تصمد التصليحة في عالم يتماثل الى «ثورة جياع»؟.. نعم،  يصمد في قيعان المدن التي ترسو على بحر من قيم إنسانية جميلة.
لا بدّ أن أهبط بمعية رئيس التحرير إلى قاع المدينة،  هناك سيزداد اللمعان في عينيّ «أبي سعد».. إن أبا سعدٍ رجلٌ أنيقُ المظهرِ والمشاعر،  وهو مستودعُ طيبةٍ أردنيةٍ لو تعلمون..
إلى جذور مدينتنا : افلح يا بو سعد.
ibqaisi@gmail.com

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: الدكتور حسين العموش