الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في الذكرى الثالثة لرحيل الأديب والدبلوماسي نجدة فتحي صفوة

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:40 صباحاً
نجيد فتحي صفوة

بكل خشوع وألم نستقبل ذكرى رحيل كبير العائلة نجدة فتحي صفوة، الذي انتقل إلى رحمة الله في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات في العاصمة الأردنية عمان.
ففي التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2013 توقف قلب كان يعرف بالعمل المخلص والجهد المثمر والتأليف الغزير الذي دام تسعين عاماً بنبضات بدأت يوم ولادته في الخامس والعشرين من شهر نيسان/ ابريل سنة 1923.
نشأ في بغداد، واتسمت أيام صباه وشبابه بمواهب متعددة كانت بتوجيه من والده الذي كان من رجال التعليم (بدار المعلمين آنذاك)، وفي مرحلة الدراسة المتوسطة سنة 1934 أفاد كثيراً من دروس الشيخ علي الطنطاوي والشاعر القدير صادق الملائكة، ومال منذ ذلك الحين إلى الأدب وكتب أولى مقالاته في مجلة (الفتوة) بين سنتي 1934-1935 وهي المجلة التي كان يشترك في تحريرها أساتذة معروفون.. وفي مرحلة الدراسة الثانوية اشتهر اسمه بين الطلاب والمدرسين كخطيب مفوّه عندما مُنح الجائزة الأولى في المباراة الخطابية بين المدارس الثانوية عام 1941.. وعند اندلاع الثورة ضد النفوذ البريطاني في السنة نفسها (حركة رشيد عالي الكيلاني) التحق بمحطة الإذاعة العراقية لقراءة الأخبار والبيانات الحربية وهو في الثامنة عشرة من العمر.
وخلال دراسته في كلية الحقوق ببغداد كان غزيراً بنشاطه الأدبي، فاتصل بالأديب رفائيل بطي ولازم مجلس الأدب أنستاس ماري الكرملي، وفي تلك الفترة ألّف كتابه (مذاهب الأدب الغربي) وبذلك كان أول من بحث عن تلك المذاهب التي سادت في الغرب، ثم أردفه بكتاب عن حياة الشاعر إيليا أبو ماضي والحركة الأدبية في المهجر.. وصاحب تلك الفترة، تدريسه قواعد اللغة العربية لطلاب السنة الأخيرة في (كلية بغداد الأمريكية)، وكان من يدرسهم بعمره تقريباً أو يزيدون بقليل! وعند تخرجه في كلية الحقوق سنة 1945 خاض امتحان القبول في السلك الدبلوماسي لوزارة الخارجية ونجح في منافسة غيره من خريجي الدول الأوروبية والأمريكية. بعد ذلك نسب للعمل في سفارات مهمة في لندن وواشنطن وموسكو وباريس وأنقرة ودول عربية مثل القاهرة وعمان وجدة، وعهدت إليه فيما بعد مناصب رفيعة كانت: رئيساً للدائرة السياسية ثم وكيلاً مساعداً لوزارة الخارجية، إلا أن ذلك لم يثنه عن الاستقالة عام 1967 عندما اختلف مع وزيرها آنذاك، وتفرغ للبحث وانصرف إلى استخراج الوثائق البريطانية المتعلقة بالعراق والشرق العربي، فهيأ بذلك للمؤرخين مصادر بحث تكشف عن الأسرار السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
من مؤلفاته (العراق في مذكرات الدبلوماسيين الأجانب) و(اليهود والصهيونية في علاقات الدول الكبرى) و(من نافذة السفارة) و(خواطر وأحاديث في التاريخ) و(العراق في الوثائق البريطانية) و(حكايات دبلوماسية) و(الماسونية في الوطن العربي) و(العرب في الاتحاد السوفيتي) و(الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية، وتقع في 12 جزءاً، صدر منها سبعة أجزاء)، وبعد رحيله إلى رحمة الله، صدر كتاب كانأنجز تأليفه ولم يطبع، وفيه يبحث عن رئيس الوزراء الأسبق بعنوان (صالح جبر/ سيرة سياسية).
وإذا كانت مؤلفاته ذات قيمة مهمة فإن أهمها كتابين صدرا سنة 1973 عن مركز الدراسات الفلسطينية بجامعة بغداد، وهما (بيروبيجان. التجربة السوفيتية لإنشاء وطن قومي لليهود) وهي مقاطعة تقع في شمال شرق روسيا، أما الكتاب الآخر فكان (جهاز الدبلوماسية الإسرائيلية وكيف يعمل) ويتناول طبيعة جهاز الدبلوماسية الإسرائيلية وتكوينها، وأجهزتها، وكيفية عملها ونقاط الضعف والقوة فيها.
ومن بحثه الدؤوب في التوثيق هو عموده اليومي في جريدة الشرق الأوسط اللندنية بعنوان (هذا اليوم في التاريخ) الذي بلغ 2520 حلقة كانت تنشر لمدة سبع سنوات متتالية، تناولت وقائع وأحداث مختلفة، وفيها عرض لحياة أهم الشخصيات التي لعبت أدواراً في التاريخ المعاصر للعراق والبلاد العربية، وبذلك تبين مدى تفانيه في خدمة القارئ العربي والبحث الأكاديمي ومحبي المعلومات العامة.
كما حقق مذكرات لشخصيات لعبت أدواراً مهمة في التاريخ المعاصر، ومعهد لها بمقدمات مستفيضة، كانت أهمها: وجوه عراقية لتوفيق السويدي، ومرآة الشام لعبد العزيز العظمة، ومذكرات جعفر العسكري، وخواطر وأحاديث للشاعر المعروف الرصافي، ومذكرات رستم حيدر، ومذكرات سليمان فيضي، ومذكرات محمد حديد.. أما المقالات التي كتبها في مختلف المجلات والجرائد العراقية والعربية فتزيد عن 500 ومنها ما كتب باللغة الإنجليزية.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن ما أفاد به الأستاذ عثمان العمير رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط سابقاً، في مقدمته للمحاضرة التي ألقاها نجدة بقاعة الكوفة في لندن بتاريخ 20/3/1996، وكانت عن الشاعر جميل صدقي الزهاوي، إذ قال: “لا نريد لـ(نجدة) كما حدث للآخرين، أن نتذكره عندما يغيب عن دنيانا بعد عمر طويل، إن شاء الله”، وها هي ذكراه تعود بعد عشرين عاماً بالتمام!
أما الإعلامي والباحث الأستاذ عبدالرحمن الشبيل، فقد كتب بعد رحيله بأيام مقالة في جريدة الشرق الأوسط، استعرض فيها منجزات الفقيد الراحل في أدب التوثيق والثقافة العربية الحديثة، وأنهى مقاله بالقول: “وما كان يجدر ببوابات الصحافة أن تمر وفاة هذا الباحث العربي القدير عليها دون ذكر واستحضار لما كان يصرفه من جهد فكري، أثرى به ثقافة التوثيق في العقود الماضية، وترك نهجاً فريداً بأساليب البحث واستقصاء المعلومات التاريخية في مظانها الأولية”.
هكذا كانت حياة نجدة رحمه الله، أشبه بسحابة روت الأرض بأمطارها الغزيرة، ثم رحلت تاركة محاصيل نافعة، ألا وهي اهتماماته في الأدب والبحث التاريخي والتأليف، وهنا نذكر وصف الكتاب الأستاذ جليل العطية حين لقبه بـ(أديب المؤرخين). وكذلك تقدير اتحاد المؤرخين العرب بمنحه وسام المؤرخ العربي الذهبي من الدرجة الأولى، حيث جاءت في حيثيات القرار أن منح الوسام للأستاذ نجدة فتحي صفوة يأتي نظراً للابداعات الفكرية والتاريخية والثقافية التي حققها في الحقول العلمية والثقافية والتراثية.
وهناك أيضاً وسام الاستقلال الأردني الذي قلده لنجدة، العاهل الأردني الملك عبدالله الأول عام 1950 تقديراً لخدماته الجليلة، عندما كان قائماً بأعمال السفارة العراقية في عمان، وهو في السابعة والعشرين من العمر.
ختاماً لمدونتي هذه، التي حاولت من خلالها ذكر سيرة الفقيد الحافلة بالعطاء، ومن طرف آخر لما أشعر به من حزن على فقدانه، الذي هو خسارة كبيرة للعائلة ولكل محبيه والمستفيدين من علمه وما تركه من تراث، وكشف معلومات وثائقية كانت بين طيات التاريخ.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وعطّر بالطيب ثراه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش