الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقاصد الشرع ومقاصد الطب

تم نشره في الجمعة 20 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 مـساءً

د.احمد الريسوني

من المعلوم أن مقاصد الشرع مدارها على حفظ الضروريات الخمس؛ وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال.
ولو أردنا أن نتحدث عن مقاصد الطب لوجدنا أنها لا تخرج عن حفظ النفس والنسل والعقل. فهي تشترك مع مقاصد الشرع في ثلاثة من خمسة.. ثم نجد أن حفظ هذه الضروريات الثلاث المشتركة يساعد على حفظ الدين والمال. وعلى هذا فمقاصد الطب مندرجة في مقاصد الشرع متلاحمة معها إلى حد كبير. ومعلوم أن حفظ النفوس - سواء في الشرع أو في الطب - لا يقف عند الحفظ المادي، بل يشمل الحفظ المعنوي، بما يعنيه من سلامة وصحة وتوازن في الحالة النفسية. ثم يتقدم الشرع - فينفرد أو يكاد - بحفظه للصحة والعافية الروحية للإنسان. ولذلك نجد علماءنا يقررون أن “الشرع هو الطبيب الأعظم” .
المهم أن مقاصد الشرع ومقاصد الطب تلتقي في أن الموضوع هو الإنسان، وأن المقصود هو تحقيق الصحة البدنية والنفسية والعقلية للإنسان، وأن الغاية هي سعادة الإنسان. رسالة الطب هي نشر الشفاء والرحمة، ورسالة الدين هي نشر الشفاء الأوسع والرحمة الأعم. “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ” (الإسراء : 82). فالشفاء والرحمة مقصدان مشتركان بين الرسالتين الطبية والشرعية، وإن تفاوتت الساحة والمساحة بينهما....
ولعلماء الشريعة تعبير آخر يختصر مقاصد الشريعة وضرورياتها في كلمتين جامعتين هما: حفظ الأديان، وحفظ الأبدان. فمصالح الخلق مدارها على حفظ الأديان وحفظ الأبدان. وأساس السعادتين (الدنيوية والأخروية) حفظ الأديان وحفظ الأبدان، وعمدة الثقافات والحضارات حفظ الأديان وحفظ الأبدان، وأساس كل تنمية وترقية حفظ الأديان وحفظ الأبدان.
وعادة ما يتوقف المفسرون للتنبيه على المغزى فيما تضمنه  قوله تعالى “هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ “(غافر : 13)، حيث تم الجمع والربط بين آيات الله ومعجزاته الدالة عليه وعلى رسله من جهة، وبين الامتنان بإنزال الرزق من السماء من جهة أخرى. وسر ذلك عندهم هو أن هذين الأمرين يشكلان جماعَ مقاصد الشرائع؛ فأحدهما فيه حفظ الأديان، والآخر فيه حفظ  الأرزاق والأبدان.
قال الفخر الرازي: “واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء. فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان. فالآيات لحياة الأديان، والأرزاق لحياة الأبدان. وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات”.
ونقرأ في تفسير القرطبي قوله:  قوله تعالى: }هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ{أي دلائل توحيده وقدرته، “وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً” جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوامَ الأديان، وبالرزق قوام الأبدان”.
وقد استقر في الثقافة الدينية - الإسلاميةِ وغيرِها - أن العلوم كلها تتمحور حول حفظ الأديان وحفظ الأبدان، مع العلم أن جزءا كبيرا من الأديان مخصص أيضا لحفظ الأبدان...
 ويروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد “كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا”. فقال النصراني : ولا يؤْثَر عن رسولكم شيء من الطب، فقال علي : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: “المعدة بيت الأدواء والحِمْية رأس كل دواء، وأعط كل جسد ما عودته” . فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا” .
ومن القواعد المعروفة في الفقه ومقاصد الشريعة، قاعدة “تُقَدَّمُ المصلحةُ العامة على المصلحة الخاصة”. وفي تطبيقات هذه القاعدة نجد الاقتران والمقارنة بين حفظ مقاصد الطب وحفظ مقاصد الشرع، أو بين حفظ الأبدان وحفظ الأديان، حيث يقرر الفقهاء وجوب الحجر على الفقيه الماجن، وعلى الطبيب الجاهل، لكون الأول يفسد الأديان، والثاني يفسد الأبدان.  ولذلك قيل: “يُفسد الأديانَ نصفُ متفقه، ويفسد الأبدانَ نصفُ متطبب”.
والذي أراه أن الطبيب الذي لا خَلاق له - مهما كان علمه بالطب ودرجته فيه - ليس أقل خطرا وضررا على الناس من الطبيب الجاهل. وإذا كان الطبيب الجاهل يحجر عليه، فإن الطبيب الفاسد ينبغي أن ينكل به.
ولكي ندخل أكثر في المقاصد الخلقية للشريعة، وما هو منها أكثرُ التصاقا بالعمل الطبي وأبلغ أثرا فيه، أتناول في الصفحات الآتية أصلين كبيرين من أصول الأخلاق الإسلامية، وهما: خُلُق التقوى، وخُلُق الرحمة. وسيظهر جليا ما يتفرع عن هذين الأصلين من أثر بليغ في السلوك البشري عامة، وفي المجال الطبي والصحي بصفة خاصة.
  التقوى منبع الأخلاق
التقوى في استعمالات الشرع تعبر عن حالة خلقية، قلبية نفسية، تجعل صاحبها مرهف الشعور بالمسؤولية ومحاسبة النفس، مقدرا لعواقب الأفعال وآثارها، فيتصرف بناء على ذلك، من تلقاء نفسه، سواء تعلق ذلك بنفسه، أو بربه، أو بأي كان من خَلْق الله.
فالشخص المتقي: يستشعر مدى فضل الله ونعمه عليه فيتقيه، وهو يَهَابُ ربه ويخاف مقامه فيتقيه، وهو يستحيي من ربه الذي يراه - وقد أمره ونهاه - فيتقيه، وهو يخاف غضب الله وعقابه فيتقيه. وهو يرى ويدرك قبح الأفعال السيئة وعواقبها عليه أو على غيره، فيعتبر بها ويتعظ منها فيتقيها ...
فالتقوى انضباط وارتقاء ذاتيان، كما قال عمر بن عبد العزيز “ التقيُّ ملجَم، لا يفعل كل ما يريد “ ( )، لكنه ملجم بتقواه، بإرادته واختياره وحسن تقديره . كما قال طلق بن حبيب رحمه الله: “التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله، رجاء رحمة الله . والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله، مخافة عذاب الله “( ).
والتقوى يقظة وتبصر وحذر، في كافة التصرفات والحركات والخطوات . كما نبه على ذلك أبو هريرة رضي الله عنه، حين جاءه رجل يسأله عن معنى التقوى، فقال له: “هل أخذتَ طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم . قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيتُ الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصُرت عنه. قال: ذاك التقوى . “( ).
التقوى في القرآن والسنة
النصوص الشرعية المتعلقة بخُلُق التقوى غزيرة ومتنوعة، وخاصة في القرآن الكريم . وهي كلها تعكس ما سبق ذكره من كون التقوى قضية مركزية ومحورية في الإسلام وشريعته. بل هي كذلك في دعوات كافة الأنبياء والمرسلين، مثلما نجد في قوله تعالى: “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ”. وقد جاءت هذه الآية بلفظها على لسان عدد من المرسلين ، مما يعني أن (التقوى) هي غاية مشتركة وقاعدة ثابتة في جميع الشرائع المنزلة.  وفي حديث طويل عن أبي ذر رضي الله عنه قال، قلت يا رسول الله أوصني، قال: “أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله” ( ). فالتقوى هي منبع الخير كله، والوقاية من الشر كله.
فاعلية التقوى وآثارها
التقوى ـ كما تقدم ـ تنبعث من رقابة ذاتية يمارسها كل واحد على نفسه ومن داخل نفسه. ولذلك فهي حاضرة مع صاحبها في كل وقت وحين، وفي سره وعلانيته. فالإنسان في حياته يمكن أن يغيب عن الناس ويغيب عنه الناس، فيتخلص من رقابتهم ومحاسبتهم ولومهم وضغطهم، ويمكن أن يكون مقامه فوق الناس، بسلطانه وسطوته، أو بعلمه ومرتبته، أو بجاهِه ومنصبه، ولكن تقواه - إن كان من أهل التقوى - تظل حاضرة معه رقيبة عليه موجهة لسلوكه، في سره كما في علنه، وفي سفره كما في حضره، وفي ليله كما في نهاره، وفي انفراده بنفسه كما في اجتماعه مع غيره.
وإذا ظهرت معاني التقوى وآثارها الإيجابية الشاملة على سلوك الإنسان في كل أحواله، فلا شك أن أحوج الناس إلى التحلي الدائم بخلق التقوى ومقتضياتها، هو مَن يضع الناسُ أرواحهم وأبدانهم وأسرارهم وأعراضهم أمانةً بين يديه. إن ما يمكن أن يقدمه ويحققه الطبيب التقي بتقواه وإخلاصه،من حفظ لأرواح الناس وأبدانهم، وتخفيفٍ لآلامهم ومعاناتهم، وتوفير لأموالهم وحهودهم، لا يقل حجما ولا أهمية عما يقدمه من ذلك بعلمه وحنكته. فالطبيب التقي - بفضل تقواه وأمانته - يصبح رقيبَ نفسه وحسيبَ نفسه، فيستقيم باطنه وسِرُّهُ، قبل ظاهره وجَهْرِه.  فنزاهةُ الطبيب التقي وأمانته لا تتوقف على القَسَم الطبي، مثلما أن نزاهة الحاكم التقي وأمانته لا تتوقف على القسم الدستوري. وأما من حُرم فضيلة التقوى وفقدَ محاسبةَ نفسه بنفسه، فلا ينفع معه قسم يوناني ولا إسلامي.
 الطب والشرع رأفة ورحمة
من الأخلاق التي لا يستقيم بدونها شرع ولا طب: خُلُق الرحمة. وقد لخص بعض العلماء تكاليفَ الشرع ومقاصدَه كلها في كلمتين هما: “تعظيم الحق، والشفقة على الخلق”.
إجمالا يمكن القول: إن لفظ (الرحمة) يشتمل على معاني: الرقة، والرأفة، والعطف، والحنان، والمغفرة، والشفقة، والمودة، وما يتبع ذلك من دفع ضر أو أذى، أو جلب نفع، أو إسداء نصح، أو دفع ألم، أو تخفيفه، أو تقديم مساعدة أيا كانت ... ويشتمل كذلك على نفي أضداد هذه الصفات، مثل القسوة والشدة والغلظة والإذاية ...
الرحمة في القرآن والسنة
 ورود لفظ الرحمة ومشتقاته في القرآن والسنة النبوية، يبلغ مئات المرات، تغطي مختلف مجالات الحياة البشرية، وهو ما يظهر لنا بوضوح أن خُلُق الرحمة أصل كبير من أصول الدين ومقصد عام من مقاصد شريعته.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش