الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في كتاب الصوت والصدى.

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 07:00 صباحاً

عاصف الخالدي *



لعلنا في عصر يغص بالتعريفات المفهومية، حيث الثقافة غزيرة، ويومية، متنوعة ومرنة، وعالمية. بحيث صار الإنسان، الذي كان خاضعاً لمركزيات ثقافية وأيديولوجية على وجه العموم، صار هو مركز الإنتاج والتلقي لهذه الثقافة، ولعلنا لا نغفل أن هذه واحدة من أهم قيم الثقافة الحديثة المعاصرة، حيث الإنسان هو المركز. ومن هنا تبرز قيمة كتاب «الصوت والصدى: مراجعات تطبيقية في أدب الاستشراق»، (الصادر حديثا عن دار فضاءات)، للدكتور غسان عبد الخالق.



الكتاب نفسه يعدّ ملخصاً ومختزلاً عميقاً لتاريخ الاستشراق وبنيته وتقلباته وأعلامه. تبرز قيمته أيضاً في أنه تقدم للقارئ العربي بمراجعة جريئة وموضوعية، لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، ولكتب وموسوعات الاستشراق عند مفكرين عرب وغربيين، مهمين وإشكاليين، من أولهم عبد الرحمن بدوي، إضافة لطه جسين وخير الدين الزركلي، وليس انتهاء بنجيب عقيقي ويحيى مراد.

القيمة الأخرى المبتغاة في هذا الكتاب، تتمثل في تعامل الكاتب مع المتلقي على أنه مركز الرأي والتقييم، وذلك من خلال الدراسات التطبيقية التي حواها الكتاب، وإيراد نصوص من مختلف مؤلفات وموسوعات الاستشراق والاستناد إليها بشكل عملي وموضوعي في النقد المقدم للقارئ، وذلك لإعطائه فرصة مميزة حتى يستشرف ويتبع الإشارات ويقرر، دون الاستناد إلى رأي مسبق مبني على عقيدة أيدولوجية أو دينية أو سياسية. ذلك أن لب الكتاب معني أصلاً بتفنيد النظرة النمطية والحقبية للاستشراق، والمقصود بتلك الحقبية، هي تلك الحقبة التي واكبت وتبعت صدور النسخة العربية من كتاب الاستشراق للمفكر العربي إدوارد سعيد في عام  1981. حيث تم تلقف الكتاب في تلك المرحلة من زاوية سياسية وتم توظيفه في إعادة إحياء وإيقاظ مارد الاستشراق ضمن محددات سياسية ودينية  كما يوضح هذا الكتاب، فيما كان الاستشراق قبل ذلك (نائماً في سرير العلوم الإنسانية والإجتماعية).

ويشير هذا الكتاب إلى أن مضمون كتاب الاستشراق قد ركز على مفهوم الاستشراق السياسي الذي تمثل في مجموعة من الرحالة والمستشرقين المحسوبين على الإدارات السياسية والاستعمارية دون التركيز على الجانب الفكري للاستشراق، رغم أن الجانب الفكري هو الأعمق والأجدر بالنقاش والنقد، كما يشير إلى اغتنام التيارات السياسية العربية سواء كانت يسارية أو إسلامية، اغتنامها الفرصة لتوظيف كتاب الاستشراق في معاركها الأيديولوجية والسياسية، سواء ضد بعضها أو ضد فكرة الكولونيالية والاستعمار. والمهم في كل هذا والذي لن يغفل عنه القارئ، هو الإشارة إلى أن المضمون الفكري لكتاب الاستشراق بغض النظر عن عمقه وقيمته سواء كانت ضحلة أم عميقة، لم تأخذ بعين الاعتبار. بل تم التوظيف وفق المصالح، ووفق مفهوم الصراع الحضاري والسياسي والعقدي. حتى أن بعض المفكرين والباحثين العرب خرجوا بنسخ سطحية ومستلبة لكتب وموسوعات عن الاستشراق عززت هذه القراءة الخاطئة للكتاب، وحاولت تثبيت صورة كتاب الاستشراق على أنه كتاب مفصلي يعلو على النقد، علماً أنها وعلى العكس، أساءت للكتاب ومضامينه لأنها جعلته مثبتاً لصورة الاستشراق على صورته المعززة للصراع، عدا عن أنها تناست تقريباً أن إدوارد مفكر منظم ومعني بالمناهج والسلوكيات وليس رجل سياسة أو رجل دين. كما أن الكتب والقراءات التي تلت صدور كتاب الاستشراق لم تكن معنية بمراجعة  بنية كتاب الاستشراق (والتي أسهمت ترجمة الأستاذ كمال أبو ديب بتقديم رؤية محددة عن تلك البنية)، وهذا ما يوضحه هذا الكتاب من حيث تناوله لإهمال إدوارد سعيد لطروحات بعض المستشرقين وخاصة الروس والألمان الذين يمثلون عناصر مهمة في الاستشراق الأوروبي وتركيزه على المستشرقين الفرنسيين، هذا عدا عن أنه ركز ومنذ فصل كتابه الأول: التعرف على الشرق. ركز على موظفين تابعين للسلطة الاستعمارية كبلفور وكرومر. هذا ولا ننسى الإشارة إلى غياب حضور الشرق في كتاب إدوارد سعيد، وإغفاله لآراء طه حسين.  وردود الأفغاني على المستشرق أرنست رينان مما جعل الكتاب يبدو ممثلاً للاستشراق في أفق انسداده كما يعنون الكاتب في مستهل أطروحته.

لا يقدم هذا الكتاب دراسة تطبيقية في كتاب إدوارد سعيد فقط. بل يمثل موسوعة أيضاً لأسماء المستشرقين والمفكرين العرب المعنيين بالاستشراق بشكل عام، وينظر كذلك في طروحاتهم ومؤلفاتهم، يورد حزءاً من نصوص كتبهم، ثم يناقشها بالنقد والتشريح. ويتناول في أبوابه الثلاثة التي يتكون كل باب منها من عدة فصول. يتناول تاريخ الاستشراق وأصوله والظروف التي ساهمت في نشوءه. ويعرض المهمل والمهم قبل ظهور كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، حيث يكشف للقارئ مؤلفات كل من جرجي زيدان وخير الدين الزركلي في بداية القرن الماضي، امتداداً حتى نجيب عقيقي ومروراً بعبد الرجمن بدوي وميشال جحا وحتى آخرين. إذ يورد الكاتب مؤلفاتهم الموسوعية، ويورد نصوصاً منها، ويشير إلى ظروف هذه المؤلفات من النواحي الشخصية والتاريخية والفكرية مركزاً على نقاط الأهمية والضعف فيها. أما في بابه الثاني، يقدم الكتاب رؤية مهمة و تكميلية لما أغفله كتاب الاستشراق ومؤلفات أخرى، إذ يقدم نظرة في فكر ومؤلفات الأفغاني، وردوده على خطاب أرنست رينان الاستشراقي. أما في فصليه التاليين فيشير لشخصيتين إشكاليتين، الأولى هي المستشرق مرجليوث، والذي كانت صورته متقلبة في أعين المفكرين العرب، من خلال مؤلفاته  ورؤيته المعادية لمركزية المشرق العرب على صعيد إنساني وعقائدي ربما، والتناقض الكامن في كونه ذا قدم راسخة في الثقافة العربية  ومترجماً لأعمال عربية أدبية مهمة وعضواً في المجمع العربي للغة العربية في بدايات القرن الماضي. أما الشخصية الأخرى فهي المفكر العربي طه حسين، وتقديمه بوصفه مستشرقاً، وذلك لتبنيه آراء قريبة من آراء مرجليوث يتمثل أبرزها في رؤيته حول نحل الشعر العربي الجاهلي. عدا عن الإشارة إلى خطاب طه حسين التحديثي للثقافة والتعليم العربيين، والذي بقي قيد الإهمال، رغم أنه ربما، قابل للقراءة والاهتمام حتى اليوم.

في بابه الأخير من هذا الكتاب المكون من مئتي صفحة، يعرض المؤلف مقتطفات من أدب الاستشراق. وإذ أذكر النهاية، فإنني أعود لبداية الكتاب التي كانت مقدمته الطريفة واللطيفة مميزة ومختلفة عن كتب فكرية في ذات المجال، حيث طرح المؤلف قصته الشخصية التي قادته للعناية بالاستشراق.  

في مقتطف أورده المؤلف في كتابه عن لويزا جيب، وهي رحالة بريطانية، يشير المقتطف إلى رؤية الرحالة لمفهوم التصحر الحضاري الذي تضفيه كصورة مطلقة للشرق بغض النظر عما يحويه من مفاهيم وجغرافيات غير صحراوية، حيث تتفرد الرحالة برؤيتها لقلب هذا المفهوم حيث تدين التصحر الروحي في بلادها مقابل الثراء الروحي الصحراوي، حتى أنها تشير بعمق لانتفاء الحاجة إلى الزمن في الصحراء العربية،مقارنة مع حضور الزمن في لندن. ومع ذلك ورغم قدرتها على معاينة الشيء ونقيضه، تستمر هذه الرحالة بالشعور بالتفوق من خلال ركوبها لقطار لندن الذي يمثل التفوق الزمني الغربي على الشرق الذي استمتع طويلاً بمخاتلة الزمن.

 أنتهي بهذا المقتطف، وأرى أن هذا الكتاب جاء في موعد مهم، ولنقل بمصادفة مع الوضع العربي الراهن، هو كتاب غير معني بالسياسة، لكنه معني بالثقافة، وهي الأعم والأهم. ما يربط الكتاب بالوضع الراهن، هو دعوته للقارئ العادي قبل الباحث، لنبذ الرؤى الرجعية المبنية على أسس سياسية ومركزية أيديولوجية بحتة، والنظر إلى المفاهيم نظرة موضوعية تساعد على التقييم والاشتباك الفكري والحضاري مع الذات والآخر كسبيل يؤدي للتطور، بدلاً عن النظرة الإقصائية التي يعززها الصراع.



* عاصف الخالدي: روائي ومترجم من الأردن

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل