الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العنف في جامعاتنا.. أين المسرح الجامعي؟

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:08 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 10:09 مـساءً
د. محمد عبدالله القواسمة *
من الظواهر التي برزت على السطح في جامعاتنا ظاهرة العنف. وهي ظاهرة غريبة على مجتمعنا، وغرابتها تكمن في حدوثها في الجامعة التي هي مركز العلم والمعرفة، والتي تعنى باستخدام العقل، واتباع المنطق في فهم الحياة. كما تبدو غرابتها في أسبابها الواهية، كأن يكون السبب ما يسمى بالعامية «الجح» في النظر بين شخصين، أي تسليط نظر أحدهما إلى الآخر، أو التسابق على الجلوس في مقعد، أو كلمة لم تفهم على حقيقتها. ولا يقتصر الاشتراك فيها على الأطراف المتنازعة بل يتعدى ذلك إلى اشتراك عدد كبير من الطلاب. وقد يستنجد الطرفان بأطراف أخرى من خارج الجامعة، وربما تستخدم في النزاع الحجارة، والأسلحة البيضاء، والنارية.
إن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب معالجة الأسباب التي تقف خلفها، وهي أسباب نستطيع أن نجملها في التوتر النفسي الذي هو ناجم عن مشاكل تربوية واقتصادية وثقافية وإدارية في المجتمع، وهو توتر عادي تتميز به المرحلة العمرية للأطراف المتنازعة؛ فهم من الشباب الذين يتصفون في العادة بالحماس، والاندفاع، والانفعال الشديد.
أرى أن هذا التوتر النفسي يمكن امتصاصه والسيطرة عليه، وتحويله إلى طاقة إيجابية يفيد منها الطالب والمجتمع، أو على الأقل يمكن التخفيف منه، وذلك بالتوجه نحو المسرح. أجل المسرح؛ فالمسرح الوسيلة الناجحة لخفض منسوب التوتر لدى الطلبة، وإحداث التوازن النفسي لديهم، وإفراغ الشحنات السالبة من عقولهم ووجدانهم، وتعزيز قيم التآلف والتعاون والتسامح فيما بينهم.
لقد أدرك اليونانيون القدماء أهمية المسرح. وجاء أرسطو في كتابه «فن الشعر» بنظرية التطهير Katharsis التي تقوم على أن المسرح التراجيدي يخلص الإنسان من المكبوتات الضارة، ويطهر النفوس من الأحقاد والضغائن، ويوجه الناس إلى العمل المثمر، ونبذ البغضاء، والحقد.
فلا شك أن التطهير الناجم عن مشاهدة العنف تنقي المتفرج من العواطف والانفعالات المتطرفة، وتعمل على تفريغ شحنة العنف عنده، وتحرره من أهوائه، وتحقق لديه المتعة الجمالية التي ترتبط ببناء الخيال المسرحي. وقد استخدم فرويد المصطلح بمعنى التفريغ العقلي؛ فالتطهير يحدث من التنوير العقلي في المسرح، إذ يتصور المتفرج نفسه محل البطل، ويتخيل ما يحل به لو تصرف مثله. وهذا ما توصل إليه علم النفس الحديث فقد ارتبط مفهوم التطهير بالمتعة النفسية عند المتفرج، كما أدرك المتخصصون فاعلية المسرح في حياة الطلبة وفي تطوير المدركات الحسية والأدبية والجمالية لديهم.
إن استخدام المسرح في جامعاتنا يضع المشاكل التي يعاني منها الطلبة والمجتمع على خشبة المسرح أمام الطلبة. فيدركون كيف تتحقق الأهداف التي قدّمت من أجلها المسرحية، مما يعزز لديهم قيم التسامح، واحترام الرأي والرأي الآخر. يقول المخرج الأردني بلال الشرمان في مداخلته في ندوة عن المسرح الجامعي: المسرح هو أساس الإسهام في حركة ثقافية فاعلة، عند كل الأجيال، وإذا غاب، فلن نجد أي جيل يعي أي درجه من المسؤولية، وحتى على مستوى المسؤولية الفكرية والهوية الوطنية، فهو الوحيد القادر على خلق هذا الجيل، والذي من الممكن أن يوصل خطابا ناقدًا.
إننا نعزو ما نشاهده في جامعاتنا من النزاعات والخصومات العنيفة إلى عدم الاهتمام بالنشاطات اللامنهجية وبخاصة الفنون التعبيرية والتي أهمها المسرح. فمع أن في بعض جامعاتنا كليات فنون جميلة تدرس المسرح في أقسامها غير أنها لا تقدم مسرحيات إلا في مواسم محددة، إنها لا تولي المسرح الاهتمام المناسب، حتى إن 80% ممن يتولون الإشراف على مسرح الجامعات في عمادات شؤون الطلبة باعتراف المخرج الشرمان في مداخلته السابقة ليسوا من المخرجين.
آن الأوان أن يعود المسرح إلى جامعاتنا؛ فلا نجد وسيلة لتخفيف التوتر، وإثراء الحياة الفكرية والفنية، وتحقيق اللحمة الاجتماعية بين أبنائنا الطلبة أنجع من فن المسرح؛ فالمسرح أبو الفنون، والفنون كما هو معروف ترقق الوجدان، وتحرس الأخلاق، وتثير المتعة، وتبعث الإحساس بالجمال، والذي يحس الجمال في الفن يحس بجمال الحياة، فلا يقترب إلا من الأشياء الجميلة، ولا يسلك غير طريق الخير والحق.

* ناقد وروائي من الأردن
رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل