الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة لقضية الهجرة واللجوء بعيدا عن منطق الإحسان

ياسر الزعاترة

الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2016.
عدد المقالات: 1729

مع كل هجوم من قبل أي أحد على إجراءات التضييق الغربية على الجاليات المسلمة يخرج من يطالب أولئك بالالتزام بكل ما يُفرض عليهم أيا كان، معتبرا أن بعضهم “شحادون ويتشرّطون”، كما في المثل الشعبي.

هناك قراءة سطحية لظاهرة تشكل الجاليات العربية والمسلمة في الغرب، والهجرة واللجوء عموما (دعك من الموجة الأخيرة بسبب الحرب السورية)، تقوم على فلسفة الصدقة أو المنحة من إنسان رحيم عطوف على مسكين لا يجد الملاذ أو المأوى، الأمر الذي يستدعي وقفة تعالج المسألة بحيثياتها المختلفة.

بداية لا بد من القول إن قوانين الهجرة واللجوء لا تدخل في صلب مسألة الحرية والليبرالية التي تعني الداخل في كل بلد، وإنما هي قوانين تصاغ والعين مصوّبة على حاجات الاقتصاد والمصلحة الوطنية العليا، بعيدا عن مقولات الحرية والانسانية، وإن بدا أن تلك الأسس حاضرة على نحو ما لأغراض الصورة الخارجية. والحال أنه حين تتحول تلك القوانين إلى عبء على المصالح الوطنية، فإن تغييرها يغدو متوقعا وربما حتميا، لا سيما أنها جزء من أدوات اللعبة السياسية والمنافسة الانتخابية بين الأحزاب.

لقد صيغت تلك القوانين ضمن بوصلة المصالح الوطنية وحاجات الاقتصاد المدمَّر بعد الحرب العالمية الثانية، وبعض الهجرة كان نتيجة التجنيد في جيوش الاستعمار الغربي. وحين تغدو خلاف ذلك سيصار إلى تغييرها، وهو أمر بدأ يتغير عمليا، كما تقول المؤشرات الآن بعد موجة اللجوء السوري، حيث بدأت بعض الدول مسلسل التغيير أو إعادة النظر، على تفاوت بينها تبعا لتقدير الموقف أو المخاطر في مقابل الحاجة والمصلحة.

والخلاصة أنه ليس في قاموس الدول الكبرى حنان مجاني على أحد، وإذا حدث، فهو محدود ينفّس ضغوط الرأي العام، بدليل ممارسات تلك الدول المعروفة في الخارج، والتي لا تنم عن ديمقراطية ولا إنسانية بقدر ما تؤكد الأنانية المفرطة أو “الإمبريالية” حسب التعبير الشائع.

قبل أن نتحدث عن فوائد الهجرة بالنسبة للدول الغربية، دعونا نتحدث عن مسؤوليات تلك الدول عما آلت إليه أوضاع الدول المصدرة للهجرة من بؤس. وهنا تحضر سنوات الاستعمار الطويلة وما تخللها من نهب للثروات، تليها بعد ذلك سنوات الاستقلال الكاذب حيث الدكتاتوريات المدعومة من الغرب، والتي فُرضت لتحرس معادلة الاستعمار القائمة على إبقاء الدول المستعمرة سوقا للاستهلاك ومصدرا للمواد الخام الرخيصة، والعمل بكل الوسائل لمنع أية نهضة حقيقية تضع ثروة البلاد في خدمة أبنائها، بل وابتزاز أجزاء كبيرة منها بصفقات تسلح لا لزوم لها.

حصل ذلك مع الدول الأفريقية وعدد من الدول الآسيوية، ومنها العربية والإسلامية، الأمر الذي جعل حلم الهجرة يداعب خيال كثير من الشبان في تلك الدول، إثر تكريس مصطلح العالم الأول في مقابل العالم الثالث، وأحيانا النامي، بقصد المجاملة!!

لنعد إلى فلسفة الهجرة وفوائدها بالنسبة للدول المستقطبة والمستضيفة للاجئين والمهاجرين، ونقرأ الأسس التي تقوم عليها.

يقوم الشق الأول من فلسفة الهجرة على توفير الأيدي العاملة الرخيصة، ولا سيما في الأعمال القاسية أو المتدنية، وقد كان ذلك هو أساس الفلسفة الأولى خلال النصف الأول من القرن الحالي وبدايات النصف الثاني. مع أن الحاجة إلى تلك الأيدي لم تتراجع كثيرا، بل ربما تصاعدت خلال العقد الماضي بعد اتضاح ميل المجتمع الغربي نحو الشيخوخة تبعا لتراجع نسب المواليد.

أما الشق الثاني من فلسفة الهجرة فيقوم على نقل النموذج الغربي من خلال النخب التي تتعلم أو تستقطب في الغرب، أكانت عادية أم معارضة، ويغدو كثير منها لاحقا في مواقع القرار.

هناك شق مهم في فلسفة الهجرة يتصل باستقطاب الكفاءات، وهنا لا حاجة إلى استحضار كشوف تلك الكفاءات المهاجرة من الدول العربية وغيرها في أدق المجالات، وكيف استفاد الغرب منها.

لا يغيب البعد الاستثماري الاقتصادي عن فلسفة الهجرة واللجوء، فسياسات المجتمع المفتوح هي التي استقطبت مليارات العالم الثالث المتبقية مما بعد النهب، وجعلتها رهن البنوك الأجنبية، والاستثمار في البلاد المستقطبة للمهاجرين، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأوروبا عموما.

ثمة بعد مهم قامت عليه فلسفة اللجوء في الغرب، ويتمثل في رسوخ القناعة بقدرة ماكينة الثقافة الغربية على طحن أي قادم من العالم الآخر وصهره في البوتقة الجديدة بحيث يغدو جزءا منها وليس نشازا أو خارجا عنها.

والحال أن ذلك صحيح إلى حد كبير، فقد ثبت خلال العقود الماضية أن الجيل الثاني من المهاجرين كان يفقد هويته الأصلية بكل سهولة، بل إن جزءا من الجيل الأول كان يفعل ذلك أيضا.

من هنا بدأت قصة الحجاب في فرنسا، ومعها ملامح إعادة النظر في سياسات الهجرة واللجوء. فقد حملت السنوات الماضية معطيات جديدة تتصل بالمهاجرين المسلمين على وجه الخصوص، والعرب منهم على وجه التحديد.

لقد حملت ردة الفعل الأمريكية على هجمات الحادي عشر من أيلول معالم تقول إنها حرب على الإسلام والمسلمين. وقد تزامن ذلك مع ثورة الفضائيات التي صاغت وعيا جمعيا لجمهور العرب والمسلمين في الخارج لا يختلف عنه في الداخل، لا سيما حيال القضايا الأساسية، فضلا عن دعاة الفضائيات الذين كان لهم دور بارز في إعادة الهوية الإسلامية إلى أبناء الجاليات في الغرب، إضافة إلى مسألة اللغة التي ساعدت الفضائيات في الحفاظ عليها بعد أن كان الجيل الثاني من المهاجرين يفقدها تماما في المرحلة السابقة.

كان ذلك كله بالطبع، استمرارا للصحوة الإسلامية التي بدأت مع الثمانينات وانتشرت في العالم العربي والإسلامي وامتدت إلى أوساط الجاليات في الغرب.

من هنا بدأت مسألة إعادة النظر في سياسات اللجوء، وقبل ذلك التضييق على أدوات التعبير عن الهوية في حياة العرب والمسلمين، فقد ظهر واضحا أن ذوبان العرب والمسلمين في دول اللجوء ليس واردا، وإن كان ثمة نوع من الاندماج الايجابي، أي التعامل مع المجتمع بكل الأشكال مع الاحتفاظ بالهوية، ولذلك بدأت تظهر تلك الإجراءات التي تسعى إلى الدمج القسري.

لا شك أن قضية العنف والإرهاب قد أضافت بعدا جديدا في المعادلة، لكن واقع الحال أن الحصار الثقافي للجاليات المسلمة في الغرب قد بدأ قبل ذلك، أي حين ظهر أن سلخهم عن هويتهم أمر بالغ الصعوبة.

لذلك كله يمكن القول إن سياسات اللجوء ستزداد تشددا خلال المرحلة المقبلة، كما أن أسس التعامل مع الظاهرة الإسلامية في أوساط المهاجرين ستختلف إذا لم يبادروا إلى مناهضة ذلك كله بالعمل السلمي ضمن القوانين المتاحة بوصفهم مواطنين لهم حقوقهم أيا كانت أصولهم.

خلاصة القول إن القصة في مبدأها ومنتهاها هي قصة مصالح وليست إنسانية وحرية وديمقراطية (نتحدث عن أكثر الدول الغربية، أما الشعوب فشيء آخر، حيث يتفاوت الناس في مواقفهم)، وحين تنتهي المصالح أو تأخذ في التراجع مقابل تصاعد الأضرار يبدأ التغير، وهو ما حدث بالفعل، وسيتصاعد أكثر بصعود اليمين في أوروبا.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل