الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عمّان الشرقية.. روح المدينة وصورتها القديمة

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 08:00 صباحاً

عمان-الدستور-خالد سامح



ترسخت في ذاكرة العمّانيين وأدبياتهم عبر العقود مقولة شهيرة باتت مثلاً شعبياً متداولاً نلجأ إليه عندما نلوم شخصاً عن إغفاله تطور حيثيات المكان وسيرورة الزمان والأحداث التي تدور من حولنا وتتسارع كل يوم...

«حد علمك بعمّان قرية» تتردد على أسماعنا باستمرار وللمقولة حكمها ودلالاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

والمثل في تاريخ العرب عبارة عن حكمة أو تشبيه يسعفنا في إيجاد مقاربة ما أو إسقاط على واقعة معينه من دون أن نقصد ذلك المثل بمعناه الحرفي ، إنما نكتفي بمدلولاته البلاغية ذات الهدف والمعنى الواضح. لكن المثل المشار إليه ، والذي يكاد استخدامه يقتصر على أهالي عمّان ، لا سيما كبار السن منهم ، هو أقرب إلى الحقيقة في صورها وتجلياتها الاجتماعية والإنسانية والعمرانية المختلفة. فالانتقال من المدينة الحديثة ، أو مايعرف بـ»عمان الغربية» ، إلى المدينة العتيقة ـ أي «عمان الشرقية ، بخاصة صحن المدينة الذي يضم الجبال والأحياء المحيطة بمجرى السيل والمدرج الروماني ـ يشبه ، إلى حد معين ، الانتقال من زمن إلى آخر.. أقول: «إلى حد معين»: لأن شرق المدينة الذي يحافظ على صورته القروية البسيطة غزته ، أيضاً ، بعض مظاهر الحداثة والعولمة والازدهار على الصعد كافة.

شطري المدينة بين الماضي والحاضر

إذا قام أي سائح أو مصور فوتوغرافي في جولة بين شطري العاصمة فسيخرج بالكثير من المفارقات والمشاهد التي تعكس الاختلاف الكبير بين شرق المدينة وغربها ، ذلك أن هذا الاختلاف والتمايز الواضح يبدأ بإيقاع الحياة الإنسانية ولا ينتهي عند الأقدمية وخصائص العمران والتخطيط المدني والمستوى الاجتماعي والمعيشي للسكان ، بالإضافة إلى العادات والتقاليد والقيم التي تحكم قاطني أحياء طرفي المدينة. وفي الواقع ، فإن ذلك البون والاختلاف لا يعتبر ظاهرة عمانية: فمعظم المدن العربية والأجنبية تتميز بتعدد الأنماط الحياتية والعمرانية ، وربما بتنافرها ، بين أحيائها القديمة والحديثة. لكن المختلف في عمان يرتبط بنشأة تلك المدينة وأصلها القروي وطابعها الريفي الذي يتلمسه الزائر في أكثر من محطة وعلى أكثر من مستوى: فعمان الشرقية هي الأصل والبدايات ، وهي تلك القرية التي نشأت على ضفاف السيل ورأس العين منتصف القرن التاسع عشر ، عندما استقرت بها العشائر والعائلات الشركسية المهاجرة من القوقاز لتمتد ـ في ما بعد ـ إلى الجبال المحيطة والمحاذية للسيل والمدرج الروماني وسبيل الحوريات والرجم الملفوف وغيرها من المعالم التي تركتها حضارات قديمة استقرت في المنطقة. وقتها ، لم تكن أحياء مثل: الشميساني وعبدون والصويفية وتلاع العلي وأم أذينة ، وغيرها من المناطق الغربية ، قد ظهرت. و»عمان الغربية» ، حتى نهاية الستينيات من القرن الفائت ، لم تكن سوى جبل عمان حتى الدوار الثالث ، والباقي هو الأحياء الشرقية أو صحن المدينة الذي يحيط به جبل القلعة وجبل اللويبدة وجبل التاج والأشرفية والجوفة وماركا.

عمّان العاصمة

إن تتبع نشأة المدينة والتأريخ للعمران والتخطيط الهندسي فيها ، لا اسيما بعد اتخاذها عاصمة لإمارة شرق الأردن عام 1921 يحيلنا إلى ما قاله الراحل غالب هلسا في روايته «سلطانه» بأن عمان مدينة أنشئت على عجل. بالتأكيد فإن هلسا الذي عاصر عمان في بداية الخمسينيات قصد «عمان الشرقية» ، تلك التي انتشرت على الجبال بصورة عشوائية ، وبنيت من دون المرور بمراحل مدروسة ، تماماً مثلما نشأت كل القرى في الأردن ، لا بل ربما كان بعض تلك القرى والبلدات أكثر تطوراً ومدنية من العاصمة. وعمّان التي «أنشئت على عجل» هي ذاتها عمان الشرقية التي لا زالت ، حتى يومنا هذا ، وفية لروح القرية وأجوائها الفطرية والإنسانية الحميمة بالرغم من كل تقلبات الزمن وماحملته العقود من تحولات وتقلبات طالت المكان والزمان وسلوك البشر.

 

مشاهد وانطباعات

لو حاولنا المقارنة بين شرق عمان وغربها فسنصل بالتأكيد إلى العديد من الحقائق والاستنتاجات ، حيث يكشف التوثيق الفوتوغرافي الاختلاف الكبير في النمط العمراني: فالأبراج ، التي تضم كبرى الشركات والفنادق والمجمعات التجارية (المولات) والاستثمارات الأجنبية الضخمة ، باتت تحتل مساحات كبيرة من عمان الغربية. أما «الشرقية» فيكاد البناء يقتصر فيها على المنازل والأحياء السكنية البعيدة عن مظاهر الأبهة والترف ، وهي مبنية ـ في الأغلب ـ من الطوب ، كما أن سكان الأحياء الشرقية لايفضلون أشجار الزينة ونباتاتها تلك التي تحيط بفلل الأحياء الغربية وقصورها: فهم ـ كما أهل القرى ـ يختارون دائماً الأشجار المثمرة ، ومنها: أشجار التين ، واللوز ، والتوت وغيرها. وشوارع عمان الشرقية ضيقة يجلس على أرصفتها ، قبيل الغروب ، كبار السن والعجائز ، ويتخذها الأطفال ملاعب لكرة القدم ، ولاعجب أن ترى قطعان ماشية تمر ـ بين الحين والآخر ـ يقودها راع?#39; يعتلي ظهر حمار في مشهد سوريالي: فتلك الشوارع ، أيضاً ، تحتضن الكثير من مفردات الحضارة الحديثة ومظاهرها في الوقت ذاته ، ومنها: مقاهي الإنترنت ، ومحال بيع الأجهزة الخلوية وغيرها. في مواسم الأمطار والثلوج تغرق شوارع عمان الشرقية بالوحل ، وعندما ينبت الربيع على سفوح جبالها تشق أقدام القاصدين وسط البلد طرقاً ملتوية وسط الأعشاب. ومساجد عمان الشرقية ذات نمط قروي ، أيضاً ، وتفتقر للزخرفة والتزويق المعماري الذي يميز مساجد الأحياء الغربية. كما أن المصلين فيها يعرف بعضهم بعضاً ، ويميزون أي مصلّ?#39; قادم من خارج الحي. في عمان الشرقية ما زال للعلاقات الإنسانية الحميمة متسع: فالجارات يستعير بعضهن من بعض أواني الطبخ وأطباق الطعام ، تماماً مثلما يحدث في الريف. كما أن طقوس الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية ما زالت تقليدية: فبعض العائلات تقيم الأعراس والولائم في فضاء الشارع أو على أسطح المنازل ، ثم إنّ الخيم (الصواوين) وبيوت الشعر تنصب للعزاء. يشعر الزائر ، أو المتتبع نمط الحياة الاجتماعية في عمان الشرقية ، حميمية العلاقات ودفئها في الأعياد ـ بعكس أحياء عمان الغربية التي تبقى صامتة وساكنة طيلة أيام العيد: فلا أراجيح خشبية تهزها صرخات الأطفال وضحكاتهم ، ولا مراهقين يختالون في الشوارع مستعرضين أناقتهم أمام الجنس الآخر. وفي عمان الشرقية ، فقط ، تعرف أن هنالك هواية اسمها «كش الحمام» ، وأن «الطائرات الورقية» ما زال بامكانها أن تحلق في فضاء أزرق. في القرى ، و»عمان الشرقية» ، يمكن لك أن توقف طالباً يذهب إلى مدرسته ماشياً لتسأله عن منزل فلان أو بقالة علان. وفي «عمان الشرقية» الكثير الكثير من الصور والمشاهدات التي لا تلتقطها العين إلا في القرى.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش