الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حالة الأدب والأدباء في جامعاتنا

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 07:00 صباحاً



د. محمد عبدالله القواسمة *

في الحقيقة، توجد مظاهر للاحتفاء بالأدب في جامعاتنا، تتمثل في ما تنشره المجلات والنشرات الثقافية التي تصدرها بعض الجامعات من شعر وقصص ومقالات ومسرحيات قصيرة، وما يقام من لقاءات ونشاطات ومسابقات أدبية وثقافية بين الطلبة في نهاية العام الجامعي في أغلب الأوقات. ومع قلة هذه المظاهر فإنها تبعد الطلاب، ولو قليلًا، عن أجواء الرتابة التي يغرقون فيها، وهم على مقاعد الدراسة طوال العام، وتخفف من التوتر والقلق لديهم، كما تفتح آفاق التعارف والتعاون، وتساهم في بث روح  الألفة والمحبة بينهم.

في الجانب الآخر فإن جامعاتنا بدءًا من الرئيس وانتهاءً برؤساء الأقسام لا ينتبهون إلى زملائهم من الأكاديميين المبدعين في مختلف الأجناس الأدبية؛ فلا يهمهم غير أن يقوم عضو الهيئة التدريسية بواجبه في التدريس، وكتابة الأبحاث للتدرج في الترقية. أما أن يكون من ذوي النشاطات الأدبية، شاعرًا أو روائيًّا فلا أهمية له؛ ولا يدخل في حسابات التقدير والترقية، مع أن النشاط الأدبي يُعتبر من أرقى أشكال الخدمة المجتمعية التي تَعدّها بعض الجامعات من مهمات عضو الهيئة التدريسية.    

يحدث كثيرًا في جامعاتنا، وبخاصة تلك التي تحتضن التخصصات العلمية والتطبيقية أن يُهدي عضو هيئة تدريسية رواية أو ديوان شعر إلى رئيس القسم، أو رئيس الجامعة نفسه، فيعتذر عن قبول الهدية بحجة أنه لا يقتنني غير الكتب العلمية، وليس لديه وقت لقراءة الكتب التي تبتعد عن تخصصه، ولا يكتفي بذلك بل ينصح بإهدائها إلى مكتبة الجامعة.

يتناسى أو يتجاهل بأن كثيرًا من كبار الشعراء والأدباء كانوا من ذوي التخصصات العلمية. فعلى سبيل المثل تشيخوف، رائد القصة القصيرة كان طبيبًا، وكذلك إبراهيم ناجي، صاحب قصيدة الأطلال، ويوسف إدريس صاحب قصص لغة الآي آي، ومسرحية الفرافير، كلهم كانوا بارزين في الطب،  وابن سينا، الشيخ الرئيس الذي جمع بين الطب والفلسفة والشعر. أزعم بعدم وجود عالم أو مهندس متميز لم يكن ممارسًا، أو على الأقل محبًّا، أو متذوقًا للأدب؛ لأن الأدب ــ كما أرى ــ ضروري بل العامل المهم في تكوين العلماء والخبراء.

إن نظرة جامعاتنا إلى الأكاديمي الأديب تختلف عن نظرة الجامعات الغربية إليه، فهو في جامعات الغرب محط التقدير والاحترام، والمقدم في الترقيات على غيره ممن ليسوا أدباء؛ لأنه الأقدر على القيام بمهامه التدريسية والبحثية؛ فهو، ببساطة، خير من يجمع بين الخيال والمعرفة، والخيال ــ كما يرى اينشتاين ــ أهم من المعرفة؛ التي هي محدودة بما نعرفه وبما نفهمه في اللحظة الحاضرة، بينما الخيال يشمل ما يتم معرفته، أو فهمه في المستقبل، إنه يحتوي العالم كله. ونحن نلاحظ، وخاصة في التخصصات الإنسانية، إذا كان عضو هيئة التدريس شاعرًا أو روائيًّا فإنه يدرك خفايا موضوعه، ويصل بطلبته إلى الجوهر الأدبي أو الفني، ويكون مثالًا يقتدى لإنتاج المبدعين. لعل من أنجح المعلمين والأساتذة وأقدرهم على القيام بالتدريس من كانوا شعراء أو روائيين، مثل: طه حسين، وناصر الدين الأسد، وعبد المنعم الرفاعي، وسعيد الدرة، وكاظم الخالدي، وخالد الكركي، وصلاح جرار وغيرهم.

من المهم أن تنتبه جامعاتنا إلى قيمة أمثال هؤلاء ممن يجمعون بين الأدب والعلم، وأن تحرص على توفير الأجواء لهم، ومساعدتهم على تجويد أدبهم، وأن تحتسب نتاجهم في الترقيات الجامعية. إن الاهتمام بعضو الهيئة التدريسية الروائي أو الشاعر أو الفنان واحتساب إبداعه في ميزان تقديره يساعد الجامعة على النجاح في أداء رسالتها، ويساهم في الارتقاء بها من الناحية العلمية، ويُمكّنها من خدمة المجتمع والتأثير فيه. وبخاصة في جامعاتنا أساتذة ومدرسون كثيرون جمعوا بين المؤهلات الأكاديمية والمواهب الأدبية، منهم شعراء وروائيون، وبعضهم فازوا بجوائز عربية قيّمة.

وخلاصة القول في هذا الموضوع: إن الإنسان روح ومادة، الروح يمثلها الأدب والفن والمادة تمثلها الحقيقة والعلم. كما أن الأدب باق ما بقي الإنسان على الأرض بخلاف هذه الأبحاث الأكاديمية التي يركن معظمها على الرفوف، ولا يستفيد منها غير أصحابها في الترقيات. إن الجامعة التي لا تقدّر مبدعيها لا يعول عليها (تناغمًا مع أسلوب ابن عربي) وتساهم في تدني مستوى التعليم العالي في بلادنا، وربما وجود هذه الحالة وأمثالها دفعت الدكتور عدنان البخيت؛ إلى القول: إن التعليم العالي في الأردن يلفظ أنفاسه.



* روائي وناقد من الأردن



 

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل