الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المراجعات الصحيحة المطلوبة

د. رحيل محمد غرايبة

الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
عدد المقالات: 416



المراجعات الصحيحة المطلوبة لدى القوى السياسية التقليدية التي مضى على تأسيسها ومباشرتها للفعل السياسي عشرات العقود ينبغي أن تتوافر فيها مجموعة من الشروط والمواصفات شكلاً ومضموناً، حتى تؤتي أكلها بطريقة صحيحة، ومن أجل امتلاك القدرة على الترميم والإصلاح وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإلّا فإنها لا تعدو استمراراً لمنهج التضليل والتدليس على الاتباع والاستغراق في منهج النرجسية الفردية القاتلة؛ التي تهدف إلى إعادة  تلميع بعض الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية الخطأ المدمر، ومن أجل إعادة تدوير الفشل والتغطية على الجريمة، عن طريق رفع الشعارات الإصلاحية أو الاعتراف الاستعراضي الخجول بالخطأ، على طريقة ما فعله عبد الناصر بعد هزيمة (67 )، ويكون الاستعراض مصحوباً بحملة إعلامية مدفوعة الثمن عن طريق الأعطيات وإنفاق المال السياسي باتجاه بعض الأقلام المرتزقة التي تجيد تجميل القبيح، وتتقن فن التلميع الممجوج والمغرق في السطحية والابتذال.

أول شروط المراجعة الصحيحة المطلوبة هو التوقيت المناسب الذي ينبغي التقاط الرسالة فيه قبل فوات الأوان، من أجل استدراك حياة المريض قبل الوفاة، إذ لا فائدة من الكلام بعد وقوع الفأس بالرأس، وبعد مغادرة لحظة النجاة، وبعد تدمير الشباب وضياع الجهود، ووصول الشباب إلى مرحلة الاحباط واليأس القاتل، وانفراط عقدهم، حيث كان بمقدورهم ذلك عندما تم توجيه النصيحة لهم بكل وضوح، وارتفعت الأصوات محذرة من مغبة التجاهل المتعمد مع سبق الإصرار والعناد والجمود القاتل.

ثاني شروط المراجعة المطلوبة أن تكون مؤسسية عميقة وليس فردية مسطحة؛ بمعنى أن تتم المراجعة بطريقة علمية مدروسة عبر المؤسسات التنظيمية بطريقة جماعية تشمل كل العقل القيادي وفي كل مستويات العمل ومن جميع الشرائح، من خلال مؤتمرات علمية وأوراق عمل تحوي تحليلاً علمياً صادقا وجريئاً وبعيداً عن المجاملة، ومن خلال الاستناد إلى المعلومات الموثقة، واتقان فن الاصغاء وسماع وجهات النظر المختلفة، وإجراء حوارات معمقة من كل أصحاب الرأي، بمنهجية متسلسلة تبغي الوصول إلى خلاصات وتوصيات ونتائج قابلة للتطبيق.

أما الشرط الثالث الذي يجب أن تتصف فيه المراجعة الحقيقية أن يتم الاعتراف بالخطأ الصريح بكل رجولة، وبعد الاعتراف بالخطأ يجب أن يعقبه تحمل المسؤولية، لأن الاعتراف الجدي بالخطأ لا يمكن أن يتم من أجل كيل المديح وإعادة التلميع من جديد، بل يجب أن تتجلى الرجولة والمروءة بالاستقالة المدوية وبالجدية نفسها، فليس معقولاً أن يتم تحميل الخطأ للمجهول، وليس أيضاً من أجل استجلاب التأييد وتأجيج العواطف لإعادته إلى ممارسة المسؤولية وتكرار الهزيمة والخطأ مرة بعد مرة، فكل الذين أقدموا على إعلان خطئهم في الشعوب الحية والتنظيمات التي تحترم نفسها وفكرها ومنهجها وكوادرها قد اقدموا في اللحظة نفسها على التنحي الشجاع عن المسؤولية، ليقود المرحلة القادمة جيل جديد من القيادات الشابة المؤهلة لما بعد المراجعة، ومن أصحاب الرأي المسبق والواضح في المسائل محل المراجعة.

أما رابع هذه الشروط فيجب معرفة صاحب الرأي الخاطئ ومعرفة صاحب الرأي الصائب، ونسبة كل رأي لصاحبه، أما أن يتم اللجوء إلى سرقة الأفكار وسرقة الآراء دون الاعتراف بأصحابها الذين سبقوا، فهذا تشويه لمعنى المراجعة وإفراغ من مضمونها وإبطال لأثرها واستباق للنتائج المرة والمذهلة، وضحك على الأجيال المستغفلة التي يجري تعبئتها وتجييشها بطريقة تخلو من العلمية والموضوعية، وتخلو من الفائدة كذلك، ولا يجوز التساهل بهذه المسألة إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع مؤسستنا ومع أتباعنا ومع جمهورنا وشعبنا وأوطاننا.

إن الذي لا يجرؤ على تحمل مسؤولية خطأه، فقد كذب في دعوى المراجعة، وكذب على الاتباع وكذب على الناس والإعلام، وكذب على الأجيال، وقد كذب على نفسه أولاً، حتى لو تواطأ معه المزورون والمطبلون، وأصحاب الضمائر الميتة الذين يقدمون على طمس الحقائق وتزويرها وهم يعلمون يقيناً أبعاد الجريمة الحقيقية في ذبح الحقيقة من الوريد إلى الوريد دون أن يرمش لهم جفن، فليس مجرد العودة إلى ما قاله خصومهم من قبل يسمّى مراجعة، وقد أقدموا على اغتيال أصحاب الرأي وتشويه سمعتهم ومطاردتهم في الليل والنهار، وما زالت حملة التشويه قائمة ومستمرة، وما زالت الأموال تنفق بسخاء على عمليات التزوير والتدليس المكشوفة التي لا يمكن للتاريخ أن ينساها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش