الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في وداع الحبيبة جنى!

حلمي الأسمر

الاثنين 23 شباط / فبراير 2015.
عدد المقالات: 2514

    -1-
كم أنا حزين على وداع الثلج، الذي أرقبه وهو يذوب كما أحلام الطفولة، فلهذا الأبيضِ القُطنيّ صَوْتٌ يوقظ الشّغفَ المعتق في المُهَجْ!
لونه الناصع البياض، يذكرني بالحجيج، وهم يتضرعون إلى المولى بقلوب خاشعة وعيون دامعة، وأطراف مرتجفة بين الخوف والرجاء.. أو قل هو غابات كثيرة من زهور اللوز، استيقظت للتو، واعدة بثمر يانع، وورق طازج لامع، عامر بالخضرة، واعد بالخير..
يقال أن المطر دمع السماء.. فماذا يكون الثلج؟!
كأنه حَشِيّات وسائِدِ العُشّاق.. تتقاذفه أرواحُهم فرحًا بين أيدي الربيع!
أحزن كثيرا على فراق العاصفة أيضا، فكل عاصفة ترحل تأخذ معها بعضا مني، وتترك وراءها حلما بعاصفة أخرى؛ تأخذني معها كلي، أو ما بقي مني، إلى هناك!
ولندف الأبيض القطني، حين يهبط ليلا ملونا السماء بحُمْرة برتقالية، سحره الموحي، فتشفّ القلوب، وينساب القلم راعشا بكلمات مرتجفة عشقا..
أخْشى إذا ابْـتَـسَـمَتْ...
يَــحْـمَـرّ خَــدّ النَّــرْجسِ البَــرّيّ، أوْ يَـهْــمي السَّـحابْ،
نَــدْفـًا من اللافَــنْــدَرِ الهاذي، بأوْهامِ السّرابْ!
هو سحر يمس الخيال، فيلهب العاطفة، فيأخذ العشاق بالإنشاد، وهم يزرعون الثلج بالقواوير..
لعله يزهر شغفا وهذيانا.. فيما يرقبونه يسترخي على مقاعد الحدائق الخالية مستمتعا بالشمس.. بعد ليلة تعب طويلة وزّع فيها بياضه على الخَلْق..
وها ثَلْجُ روحي يُزهّرُ جَمْرًا يُدفّئُ قَلْبي، فينبضُ باسْمِ الصّبايا الملاحِ،
ويَجْمعُ حَوْلي بقايا مساءٍ شغوفٍ، ورَشّةِ عِطْر الصّباح!
وحين يجن الليل، تتسلل عيون السهارى من خلال الشبابيك المغلقة لترقب المشهد، فيبدأون كتابتهم بالحبر السري صفحة الثلج العذراء؛ قبل أن «تلوثها» الخطوات، متسائلين: ماذا سنكتب عليها؟ أم سنبقيها هكذا، كأي رسالة بلا عنوان، بيضاء من غير سوء ؟!
-2-
وترحل جنى، بعد أن تسكعت تلك العاصفة العابثة طويلا في دمي، منظرا مجيء العاصفة الجديدة، كأنها موسم حوْلي، يأتي أو لا يأتي، وتقول في نفسك: لعلها تأتي في قابل، ولا تدري من يكون في انتظارها، ومن هو راحل!
وتسائل نفسك: لم تحب الثلج، ويأتيك الجواب سريعا، لا أحب الثلج فقط لأنه يستر عيوب «المرج» بل لأنه يذوب، ويتحول إلى دموع غزيرة تبكي العطش، وتعد بمواسم غزيرة بالخير، والثمار، والغلال، التي تملأ خوابي الجوعى!
-3-
عندما بشروني بوقع خطواته، في طبقات الجو العليا، ارتعش قلبي، ودندن: الثلج في طريقه إلينا؛ سأعد له معطف الشغف، وشال الفصول الأربعة، وكستناء اللهفة، ودفء الذكريات!
-4-
رحم الله جلال الدين الرومي حينما قال: إرتقِ بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك،
إنه المطر الذي ينمي الأزهار لا الرعد!
إذا كان كل هذا الخير مرتبطا بالمطر، فكيف بالثلج، وهو أكثر، وأغنى وأحلى، وأكثر بهجة، ألا ترى كيف يُذهب وقار الراشدين المصطنع، فينطلقون يسابقون الصغار في اللعب بكراته، ومناغشة المارة بالتحرش بهم، فيتسامح القوم، حتى ولو مسهم أذى؟

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش