الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فلمنة المشاهد السردية في رواية ((صخب))

تم نشره في الجمعة 24 نيسان / أبريل 2015. 02:00 مـساءً

 محمّد صابر عبيد

تتحفّز كاميرا الراوي بأعلى قدر من الحساسية في الكثير من المشاهد الروائية الغزيرة في رواية ((صخب))(*) للروائي قاسم توفيق، لأنّ الرواية تشتغل على فعالية الحواس بطريقة كليّة ومتكاملة ومتجانسة، فتتجّه في أحد مشاهدها نحو العلاقة الإغوائية بين شخصيتي (هيام) و (هند) لتصوّر على لسان الراوي كليّ العلم الخلفيات المشهدية، وهي تتمثّل بالدور التي تقوم به هيام في توريط هند للدخول في عالم المدينة المستتر، وبالدور الرغبويّ الذي يعتمل في وجدان هند لخوض المغامرة:
استغرقت هيام وقتاً طويلاً حتى أقنعت صاحبتها بأن تجرّب هذه الحياة. وصلت هند  السنة الأخيرة في المدرسة عندما تلبّسها الشوق لأن تعيش هذه التجربة التي لن تلوح لها مرة أخرى قررت أنها ستكون مرة واحدة، وتجربة واحدة، وأنها كما وعدتها هيام لن تفعل شيئاً غير أن تتعرف على الوجه الأحلى للمدينة.  
المشهد على هذا النحو تصوّره كاميرا الراوي من خارج الحالة السردية، فهو مشهد وصفيّ شبه ثابت يُعنى بالتقاط وضعية الاستعدادات المرجعية لدى الشخصيتين، وتصوير مدى التفاعل والتقارب بينهما لتشكيل المشهد القادم، إذ إنّ هذه المقدمة التصويرية لآليات المشهد السرديّ تفضي ضرورةً إلى المحتوى المشهديّ الديناميّ، حيث تتحرّك الشخصيتان باتجاه استكمال صورة المشهد ومضمونه ومستقبله:
ما أن أُغلق باب المصعد حتى هبط قلب هند من صدرها وارتطم بالأرض، شدّت على ذراع هيام بقوة مثلماً كانت تشدّ على ذراع أمها عندما تأخذها للطبيب، قالت بتوسل :

ـ دعينا نرجع ، أو ادخلي أنت وسوف انتظرك على طرف الشارع .
ـ هؤلاء الرجال غير الرجال الذين تعرفينهم، سوف ترين ذلك الآن بنفسك.
قالت مهدئة إياها.
دخلت الصبيتان بمرايلهن المدرسية وحقائب الكتب التي ضممنها إلى صدورهن باب الشقة الذي فتحه لهما شاب بجسم رياضي مكشوف، ألقت هيام حقيبة المدرسة بعيداً، صارت تتنقل بين الرجال الممددين بتكاسل تتلقى سلاماتهم وقبلاتهم وأعينهم جميعاً مصوبة نحو الزائرة الجديدة.  
  عدسة الكاميرا اتجهت فوراً لتصوير شخصية هند بوصفها الزائرة الجديدة للمكان، أما هيام فالمشهد قد مرّ عليها سابقاً لأنّها خاضت التجربة مرّات عديدة، لذا فإنّ الكاميرا من أجل بناء مشهد سرديّ متقن ستوجّه عنايتها نحو شخصية هند بوصفها المركز الحدثيّ الأبرز والأهمّ في المشهد، لكنّها تصوّر أيضاً أفعال هيام على الرغم من أنّها تقليدية تتكرّر في كلّ مرّة، فمن صورة التردّد والريبة والخوف والخشية حيث يتجسّد فيها مشهد هند، إلى صورة الممارسة الطبيعية التقليدية التي يتجسّد فيها مشهد هيام، غير أنّ الكاميرا ترصد الاهتمام الكبير الموجّه نحو هند في الجملة السردية اللافتة (وأعينهم جميعاً مصوبة نحو الزائرة الجديدة.)، لكي تحيط كاميرا السرد المشهد السرديّ بالمرونة المطلوبة من أجل التركيز على فاعلية التوجّه التصويريّ المتقن.
   لا ينتهي المشهد قبل أن تستغرق كاميرا السرد في تصوير حالات هند وهي تخوض تجربتها الأولى في هذا الميدان، على سبيل الاكتشاف والتعرّف والممارسة المتدرّجة نحو العالم الذي تتقدّم نحوه وتخشاه في آن:
انقضت الزيارة على هند مثل كابوس بطيء، نظرات تلفحها، عبارات قبيحة تتردد بين الرجال، ضحك يشبه الهلوسة والهذيان، محاولات للمسها أو للحديث معها، يسألها أحدهم عن دروسها وعن عنوان سكنها، صار كل واحد منهم يقاتل لكي ينالها لأنها مشروع صيد جميل ثمين، وهذه هي مرّتها الأولى مثلما أعلنت أمامهم هيام وهي تضحك بصوت مرتفع، قبل أن يسحبها واحد منهم نحو إحدى غرف الشقة ويغلق الباب خلفهما. عندما عاد الباب وانفتح بعد وقت حسبته هند دهراً، ظنت أنّ هياماً قد أنهت ما عليها، همّت واقفة من على المقعد الصغير الذي تكومت عليه قريباً من الباب تراقب وتسمع ما يدور من حولها بفزع، لم يخرج من الغرفة غير الرجل الذي رجع وحيداً وهو يسوي ملابسه، أشار على واحد من الرجال كان يرفع زجاجة البيرة إلى قمة رأسه يبحث عن النقاط الأخيرة فيها أن يدخل، ألقى الزجاجة بعيداً وهب واقفاً دخل الغرفة وأحكم إغلاق الباب خلفه.
ـ أيّ فعل هذا الذي تقوم به هيام ؟
تداول على الغرفة المختفية في داخلها هيام ثلاثة منهم، أما رابعهم فقد كان يرسل إيحاءات لهند أنه غير ذلك وأنه يرقى عن العلاقات العابرة. كلّ ما كان يدور، وما كان يقال، وكلّ ما كان يفكر به الرجال لم تكن هند لتفهم منه شيئاً.
   وعلى الرغم من كاميرا السرد التقطت مزيداً من صور المشهد فيما يتعلّق بتحسّبات هند واستغرابها مما تفعله هيام، وفيما يتعلّق بممارسات هيام وهي تعطي لهند درساً جديداً للانغمار في جوهر هذا الفضاء، وينتهي المشهد إلى نوع من الغموض تشكّله عدسة الكاميرا وهي تنفتح على المكان انفتاحاً كلياً لتصوّر كلّ شيء من جميع الاتجاهات، حين يقرّر الراوي وهو يقود حركة التصوير أنّ المشهد واضح لجميع شخصياته سوى هند (لم تكن هند لتفهم منه شيئاً.)، لكنّها في قابل الرواية سيزول عدم الفهم هذا وتفهم كلّ شيء كما يوحي المشهد من طرف خفيّ.
   تختزن رواية قاسم توفيق الموسومة بـ ((صخب)) مزيداً من المشاهد الكثيفة والغزيرة ذات الطبيعة السينمائية القائمة على تمثّل المجال السينمائيّ وثقافته، إذ يستعمل الراوي كاميرا السرد لتصوّر مجموعة كبيرة من المشاهد في اشتباكها السرديّ على نحو مثير، ومنها اللوحة المشهدية التي صوّرت فيها عدسة الراوي كلي العلم شخصية (الشيخ حمدان) وهي شخصية إشكالية ذات أنساق متعددة، منها ظاهر، ومنها مضمر، ومنها غامض على نحو ما، فعلى الرغم من أنّ شخصية الشيخ حمدان ليست شخصية اساسية على مستوى التأثير والحضور في المتن السرديّ للرواية، لكنّها شخصية كاشفة لجوهر التفكير والسلوك داخل بنية مجتمعية مفككة ومشوّهة، تقبل النفاق وتسوّقه لأنّه لا يؤثّر على مصالحها ولا يضرّ بوجودها، فشخصيات الرواية وعلى رأسها الشيخ حمدان تعيش نوعاً من الصخب الداخليّ، وهو ما يفسّر القيمة السيميائية العالية لعتبة العنوان (صخب) في قدرتها على تمثيل حساسية الحراك السردي العميق للشخصيات، إذ إنّ معظم شخصيات الرواية تعيش قدراً من الازدواجية في العلاقة بين ما تُظهر وما تُبطن، صمت خارجيّ وصخب داخليّ، حيث تسعى كاميرا السرد المزّودة بطاقات سردية كبيرة لتصوير الداخل على الكشف عن أعماق الشخصيات الصاخبة ومنها شخصية الشيخ حمدان:
الشيخ حمدان أكثر أهل القرية خوفاً من مواجهة الحقيقة، لذلك اكتفى بالتلميح، والإشارة، والإسقاط لما يراه ويعرفه عن أهل قريته في خطبة الجمعة والعيدين على قصص الأولين. كان يسمع اعترافات خطّائي القرية من غير الخطائين، يسمعها من شاب يبحث عن الخلاص من البطالة والفقر، ويسمعها من استغابة الرجال لبعضهم البعض، يرى توسلاتهم في طلب المغفرة بعد أن تنقضي الصلاة ويغادر المصلون إلا هم يبقون في مواضعهم ساجدين، عيونهم شامخة إلى السماء، ودموعهم تغسل وجوههم. لا تعدو خطايا هؤلاء أكثر من حلم شاب بالمحرمات، أو إخفاء البقال بضاعة يتناهى لمسامعه من الباعة المتجولين في سياراتهم بأنّ سعرها سيرتفع، فيكسب بضع قروش من مخزونه القليل في بقالته الصغيرة، ثم يأتي إلى الجامع تائباً وندمان يطلب من الله أن يهديه ويدلّه على كفارة تعفيه من هذه الخطيئة.
كان يرى ويسمع ولا يتكلم، يراقب القرية الخاطئة فيصيبه هوس بأنه أتقى الناس. يعرف بسّره أنّ فرجاً واحد من الخطائين لكنه لا يطلب المغفرة، كان يرى تردده المتكرر على بيت ابنه  في الوقت الذي تكون الناس كلها بأشغالها، وهو المعروف عنه بأنه كان آخر من يغادر المدرسة. وإن كان الشيطان قد وسوس للشيخ بأنّ الجدّ يأتي فعلاً لا يريد أن يعلم به أحد من طريقة تسحبه من بين البيوت حتى يصل إلى بيت ابنه، وتغيير مساره إن رأى عند كريمة من يضيفها من الجارات فيدخل إلى بيته كمن يريد قضاء حاجة ، ثم ينسحب مسرعاً بدقائق على عكس الوقت الذي يقضيه عند كريمة إن كانت وحدها. ولأنّ شيطان الشيخ ليس بحجم شياطين الآخرين فقد همس بأذنه ذات مرة خجلاً من أنه ليس هناك ما يضير إن هو لحق بالمعلم متسللاً مثله ليعرف ما يفعله هناك.
قمباز الشيخ وعباءته وكرشه المنفوخ لم تمكّنه من تسلق الجدار ومراقبة ما يدور هناك ، لكن أذنيه كانتا قادرتين على التنصّت. سمع غنجاً، وسمع صوت صفع وسمع شتائم وصراخاً. سمع تكرار اسم سالم الحجار أكثر من مرة، لكنه استغفر ربه عمّا وسوس له به الشيطان من ظنّ بما يفعله المعلم عند كريمة.  
   إنّ الجملة الاستهلالية للمشهد هنا (الشيخ حمدان أكثر أهل القرية خوفاً من مواجهة الحقيقة، لذلك اكتفى بالتلميح، والإشارة، والإسقاط لما يراه ويعرفه عن أهل قريته في خطبة الجمعة والعيدين على قصص الأولين)، ترسم صورة بالغة الدقّة عن صخب الشخصية الداخليّ وهي تختار السبيل الأبعد عن مواجهة الحقيقة، وتتضاعف قيمة هذه الحقيقة عن الشخصية حين ترصدها عين الكاميرا في حالة الصمت الخارجيّ المتوازي مع الصخب الداخليّ (كان يرى ويسمع ولا يتكلم، يراقب القرية الخاطئة فيصيبه هوس بأنه أتقى الناس)، فالأفعال السردية وهي تمثّل عنواناً داخلياً للشخصية (يرى/يسمع/يراقب) لكنه (لا يتكلّم) تفسّر على نحو واضح طبيعة الصورة، وتقود إلى إصابة الشخصية بـ (هوس) يزيّن لها صورتها كما تشتهيها هي في مقياس خاصّ تضعه لنفسها ليوصلها هذا الوهم بأنها (أتقى الناس)، في معادلة نفاقية ليس لها حضور إلّا في باطن شخصية الشيخ حمدان، تتحقّق في دائرة إيهام الذات وإقناعها بالصفة على مستوى الفكرة والممارسة.
    وربّما كان هذا الالتباس بين الخارج الصامت والداخل الصاخب في شخصية الشيخ حمدان مرتبطاً في شاشة الراوي بالميزة الشيطانية الخاصة التي يتمتّع بها، قادها نحو أن تبيح لنفسها ما تمنعه عن الآخرين في التلصص على حركات المعلم فرج كي تتحقق من شكوكه في علاقته بـ (كريمة) زوجة ابنه المتوفّى (ولأنّ شيطان الشيخ ليس بحجم شياطين الآخرين فقد همس بأذنه ذات مرة خجلاً من أنه ليس هناك ما يضير إن هو لحق بالمعلم متسللاً مثله ليعرف ما يفعله هناك.).
     ولا يفوت عدسة الكاميرا الراصدة والمصوّرة والواصفة أن تضع شخصية الشيخ حمدان في دائرة اهتمامها كي تصوّر خارجها مثلما صوّرت داخلها (قمباز الشيخ وعباءته وكرشه المنفوخ لم تمكّنه من تسلق الجدار ومراقبة ما يدور هناك، لكن أذنيه كانتا قادرتين على التنصّت.)، على النحو الذي يحيل فيه الخارج الشخصانيّ على الداخلّ الشخصانيّ بصورة دقيقة ومعبّرة، تعزّز الفكرة، وتوسّع حدود الصورة، وتغري بالمتابعة والكشف والاكتشاف بحضور عناصر السرد الروائيّ الأخرى وهي تسمح لكاميرا السرد بمتابعة عملها داخل حدود هذه العناصر وضمن فضاء حراستها.
  في مشهد آخر من رواية (صخب) له صلة بشخصية الشيخ حمدان تسعى كاميرا السرد إلى التقاط ذيول أخرى لهذه الشخصية، وهي لقطات تقليدية تكمل صورتها في المشهد الخاصّ والمشهد العام للسرد، قبل أن تنتقل عدسة الكاميرا نحو شخصية أخرى هي شخصية (سالم) في علاقته الإشكالية مع (كريمة)، إذ بعد أن ورّطته كريمة في دعوته على الشاي في بيتها بهدف آخر يتعلّق برغبتها في التوصل معه عاطفياً، وثم حين دخل صرخت مستعينة بالجيران على أنّ سارقاً اقتحم بيتها.
   يتشكّل هذا المشهد في تفسير سيكولوجيّ لشخصية كريمة المركّبة حين دعته لرغبة فيه لكنّه حين أصبح قريباً منها تحرّكت مشاعر أخرى مضادّة جعلتها تستعين بالجيران رغبة في خلاص ما، ليهرب سالم فتصبح معرفة نيّة كريمة أمراً كبيراً يشغله ويحرّضه على الالتقاء بها ومعرفة سرّها مهما كلّفه الأمر، وهو ما تحاول عدسة الكاميرا التقاطه عن قرب في هذا المشهد:
الشيخ حمدان الذي يأوي إلى مهجعه باكراً لكي يصحو مع بزوغ الفجر للمناداة على الصلاة، والذي لم يعد يقرب زوجته منذ سنين، لم يرَ سالماً عندما تسلّل بعد منتصف الليل إلى مهجع كريمة، وأغلق فمها بيده الغليظة عندما صحت مفزوعة قبل أن تصرخ وتطلب النجدة، أشار بسبابته عندما صلبها على سريرها وأغلق فمها أن تصمت ، قال بصوت أقرب للهمس حتى لا يسمعه الأولاد النائمين بالغرفة المجاورة.
-    لا أريد بك سوءاً أريد أن أفهم.
وعندما أمن من نظراتها التي صارت تهدأ وتستوعب ما يدور أبعد يده عن فمها بحذر. توسل لها بعينين لم تكن تحملان غير طيبة وبراءة قدرت كريمة على قراءتهما بلا عناء، ردت مباشرة بعد أن أنحى يده عن فمها بعيداً:
-    لقد وسوس لي الشيطان .
لم يكن يسمع الكلمات التي تندلق من فمها بصوت خافت والتي تحكي عنه وما يعنيه لها،  إنسان يستحق احترامها، أخ وابن بلد شهم. غادرها الخوف الذي صحت عليه، تكلمت بهدوء وراحة وكأنه ليس في بيتها رجل غريب. أمسكت يده وهي تكلمه بحنو وكأنها ترغب بأن يرفعها إلى خدها حتى توسدها وجهها، كلّ ما كان أنه أبصر من خلال العتمة وجهاً كان أجمل كثيراً من ذلك الذي يتذكره.
سكتت كريمة عن الكلام وظلّ سالم صامتاً ساهماً متعلقاً بوجهها الذي يراه لأول مرة في حياته، كان جميلاً ناعماً يفجر دفء النوم فيه لوناً أقرب إلى الورد. وقف، تراجع إلى الوراء وأخذ ينسحب بطيئاً، بطيئاً من دون أن يلتفت إلى الباب الذي أوقفه عنده، مدّ يده يفتحه وما تزال عيناه متسمرتان بوجهها:
-    لكني أحبك .
رمى باعترافه عليها، وأنسل خارجاً مثلما دخل بصمت .
ظلت كريمة واجمة عاجزة عن تفسير ما يتنازعها من أفكار، أحست جمالاً غريباً ينساب داخل روحها وهي تستعيد كلماته الأخيرة، نزلت عن سريرها بخفّة قط، فتّشت في البيت عنه، كان قد غاب مثلما حضر، رجعت لفراشها، تذكرته، كان جميلاً بطريقة ساحرة، فاتناً وغريباً، كان سالم رجلاً مختلفاً.
    فبعد إزاحة شخصية الشيخ حمدان خارج المشهد تبدأ كاميرا السرد بالتفرّغ لمشهد سالم وكريمة، بعد أن اقتحم سالم بيت كريمة هذه المرة من دون دعوتها كي يعرف منها سرّ ما حدث له معها في المرّة السابقة، وتتوجّه الكاميرا نحو المشهد على مجموعة مراحل، أو طبقات، أو جزئيات مشهدية. الجزئية الأولى من المشهد السرديّ المصوَّر تتمثّل في لحظة اقتحام سالم مهجع كريمة، ورعبها منه، ثمّ إحساسها بالأمان فيما بعد، على النحو الذي أتاح لسالم أن يسالها عن سرّ ما حدث في المرّة الماضية وتجيبه بأنّ الشيطان كان وسوس لها، وبجملة كريمة هذه تنتهي الجزئية المشهدية الأولى.
     الجزئية المشهدية الثانية تتمثّل في صورة الصمت وقد حلّت على حركة سالم وكريمة في لوحة المشهد معاً، حين ترصد عدسة الكاميرا أولاً التفاعل الهمسيّ واللمسيّ البسيط بين الشخصيتين، ثم الصمت والسكوت والذهول واكتشاف جديد لوجه كريمة يضاعف من انتماء سالم لمشهدها (وجهاً كان أجمل كثيراً من ذلك الذي يتذكره./كان جميلاً ناعماً يفجر دفء النوم فيه لوناً أقرب إلى الورد.)، أعقبه انسحاب سالم خائباً من المشهد تاركاً جملته الأخيرة النافذة (ـ لكني أحبك)، لتفعل فعلها في رسم ملامح الجزئية الثالثة من المشهد وقد تسيّدتها شخصية كريمة.
     وتحضر الجزئية الثالثة من المشهد في فعالية درامية تنهض بها الأفعال الكاشفة عن حيرة كريمة بإزاء هذا الموقف، وهي تسلّط الضوء على طبيعة حراكها السردي المحيط باستجابتها على نحو متداخل ومعقّد، ويمكن ترتيب هذه الفعاليات ووضعها على النسق العمودي الآتي:
ظلّت كريمة واجمة عاجزة عن تفسير ما يتنازعها من أفكار،
أحسّت جمالاً غريباً ينساب داخل روحها وهي تستعيد كلماته الأخيرة،
نزلت عن سريرها بخفّة قط،
فتّشت في البيت عنه، كان قد غاب مثلما حضر،
رجعت لفراشها،
تذكرته، ظلت كريمة واجمة عاجزة عن تفسير ما يتنازعها من أفكار، أحست جمالاً غريباً ينساب داخل روحها وهي تستعيد كلماته الأخيرة، نزلت عن سريرها بخفّة قط ، فتّشت في البيت عنه، كان قد غاب مثلما حضر، رجعت لفراشها، تذكرته، كان جميلاً بطريقة ساحرة، فاتناً وغريباً، كان سالم رجلاً مختلفاً.
   لتنتهي حركة الكاميرا الراصدة لدراما تشكّل الإحساس الشخصيّ عند كريمة في الجملة الأخيرة وقد تكثّفت بالأحوال والصفات على نحو غزير جداً في مساحة سردية ضيّقة (كان جميلاً/طريقة ساحرة/فاتناً/غريباً/رجلاً/مختلفاً)، من أجل أن تسهم حركة الكاميرا الداخلية هنا في رسم الصورة الجوهرية الباطنية لحقيقة كريمة، بعيداً عن ضغط العلاقة الشائكة الغريبة المعقّدة مع فرج بكلّ ملابساتها وغموضها وتفاعلاتها المتشابكة.

(*) صدرت الرواية عن دار الفارابي في بيروت، 2015.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل