الصفحات
الكاملة
فضائية
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الشاعر البحريني قاسم حداد: الشعر ذوبان مع الحياة وتفاصيلها

تم نشره في الجمعة 22 أيار / مايو 2015. 03:00 مـساءً

شارك في الحوار: رشاد أبو داود ومحمد العامري ونضال برقان وعمر أبو الهيجاء وخالد سامح

شاعر مسكون بالأمل، ومنذور للحب والمحبين، لم يكن يوما شاعراً بحرينياً ولا خليجياً فحسب، إنما هو شاعر عربي في ما تعني هذه الصفة من انتماء إلى وجدان اللغة وإلى مخزونها الداخلي وشحناتها وإلى جمالياتها الحية، ذلك هو قاسم حداد، أحد رواد القصيدة العربية الحديثة، إذ يمتلك منزلة شعرية رفيعة وخاصة في مدونة الشعر العربي الجديد من العام 1970 حيث أصدر ديوانه الأول «البشارة»، وقد رسخت دواوينه التالية هويته الشعرية الخاصة ولغته التي لا تشبه إلا نفسها.
أسرة «الدستور» كانت استضافت الشاعر الكبير على هامش زيارته للأردن، وحاورته حول الشعر وقضاياه، ودوره في الراهن والمعيش، وحول قضايا إبداعية عديدة، فكان هذا الحوار:

]  الشاعر قاسم حداد، كيف أخذتك القصيدة إلى عالمها، ولماذا الشعر، وكيف تنظر إلى رحلتك الأولى مع القصيدة؟

- أهم شيء ساعدني، وأنا وأبناء جيلي في الستينيات، أننا جيل انهمك مبكرا في العمل السياسي والنضالي، وكل واحد من جيلي صار يبحث عن آليات وأدوات لكي يعبر من خلالها عن معاناة المجمتع، وهذا الإنسان في أطراف المعمورة، وهذا ما أتاح لبعض المواهب الأدبية أن تجد واحدا من المداخل للتعبير عن النفس والطموح والأحلام، إذ كانت البدايات تلامس الأحلام والوطنية؛ ما ساعد ذلك على بلورة نزوعي المبكر في الستينيات أي في المرحلة الابتدائية وهي فترة كان متاحا لي فيها تقديم محاولاتي الأولى الشعرية، والذي ساعدني في ميولي الأدبية وشجعني هو الأردني عبد الحميد المحادين من الأردن، إذ كانت القصيدة في تلك الفترة نافذة للبوح عن الجانب الاجتماعي والإنساني والنضالي. نحن جيل دخل إلى الأدب والفنون من خلال الطموح وكذلك من خلال فكرة الحرية والجانب السياسي، هذه روافد سعينا من خلالها لمعنى الطموح، فالشعر يفوق العمل النضالي، الشعر ذوبان مع الحياة وتفاصيلها.

]  واحد من أكثر الأسئلة إلحاحا في الوجدان الجمعي العربي يتمثل بماهية وطبيعة دور المثقف في مواجهة الخراب الذي راح يتمدد في جسد الأمة، كيف تنظر إلى ذلك الدور؟

- لا نستطيع أن نسأل الآن، وفجأة، عن دور المثقف العربي فيما يجري على أرض الواقع، ذلك أن المنظومة السياسية والاجتماعية العربية كانت ضد المثقف دائما، وعازلة له على الصعد كافة، وكان همها الرئيس الحيلولة دون انخراط المثقف (وهذا حقه) في الحركة النهضوية. لقد كان المثقف العربي خارج كل مشروع وكل فكرة على الصعيد السياسي، بخاصة إذا كان يريد الإدلاء برأيه خارج السياق الذي تتطلع إليه المنظومة السياسية والاجتماعية العربية.
المثقف، وهو الذي يتحمل وزر فشل السياسي والاجتماعي في البلاد العربية، مثله مثل غيره من الناس، غير أنه يمتلك حساسية من نوع خاص، تدفعه إلى الانخراط الدائم في الشأن والشجن العامين.    
المثقف العربي غائب، أو مغيّب، بخاصة إذا كان سؤاله نقديا، وإذا لم يكن محملا للمشهد بوصفه زينة فقط.
قبل أن نسأل عن دور المثقف العربي علينا أن نسأل ماذا أعطينا لذلك المثقف؟.

] علاقتك باللغة علاقة روحية، علاقة حب وإخلاص تجسد الوعي بهذه اللغة بوصفه شرطا شعريا أساسا، كيف تقرأ هذا الشرط بعيدا عن كونه لازمة ضرورية، على غرار الالتزام ببحور الخليل أو التفعيلة،  أو (قيدا) للكتابة الشهرية؟

- لم أكن تعلمت اللغة في المدرسة، لأسباب خاصة، بيد أنني كنت مولعا بالقراءة خارج المنهاج، وكنت اكتشفت اللغة بأشكال طريفة أحيانا، منها أن أستاذ اللغة العربية كان قال لي عن أهمية قراءة المعاجم العربية، فرحت أقرأ في واحد منها كما لو أنني أقرأ رواية مثلا، وذلك لعشقي للمكتشفات وما توفره من معرفة جديدة عبر صفحات بالغة الأهمية والجمال.
لم أزل حتى اللحظة أتعلم على صعيد اللغة وجمالياتها، وواحد من مكامن الإبداع فيها أنها قابلة لأن تكتشف دائما من قبل عاشق..
لقد اقترحت أهمية الوعي باللغة وجمالياتها شرطا شعريا، وهو مقترح جوهري، فالنجار مثلا لا يستطيع عمل مقعدين من دون خشب، وعلى صعيد الأدب يتعلق الأمر باللغة ويبدو أكثر خطورة وأكثر جوهرية لأنك يجب أن تعشق اللغة لكي تخلص لك وتبادلك الحب لأنه من الصعوبة أن تعطيك اللغة من لياقتها من دون أن تشعر حقيقة أنك عاشق لها وليس شخصا عابرا أو يتعامل معها بخفة، وهذه حقيقة لأن العلاقة باللغة هي علاقة روحية. وأرى أن المسؤولية مضاعفة على الشعراء الذين يكتبون خارج إطار بحور الخليل أو نظام التفعيلة، إذ عليهم تقديم مقترحات لغوية موسيقية جديدة من خلال كتاباتهم، فأنا لا أستطيع أن أقبل نصا يقدم لي بوصفه شعرا عربيا ويكون لا يختلف عن النص الشعري المترجم؟  
 
]  أنت واحد من الشعراء العرب الذين يحق لهم الإدلاء بشهادة حول الشعرية العربية في الراهن والمعيش. كيف تقرأ هذه الشعرية الآن؟

- منذ سبعينيات القرن الماضي كان شعراء ونقاد عالميون أكدوا عبر حوارات وتصريحات صحفية عديدة أن الشعرية العربية واحدة من أهم الشعريات في العالم، وهذا رأي لا خلاف عليه في الحقيقة. أعتقد أن اللغة العربية وطبيعتها لها دور في تحقيق تلك المكانة للشعرية العربية بين الشعريات العالمية. أشعر شخصيا أن في الشعرية العربية تجاربَ بالغة الأهمية من دون الوقوف على أسماء محددة ومكرسة هنا أو هناك.
على الصعيد الشخصي، وبصفتي كاتبا وشاعرا، أعتبر نفسي محظوظا كوني أحد الكتاب الذي يتعاملون مع اللغة العربية ويعبرون عن أنفسهم من خلالها. ثمة تجارب إبداعية مهمة يحتفى بها في العالم أجمع، انطلاقا من أن الإبداع العربي يمثل بوابة حقيقية وهامة لبنية المجتماعت العربية، بعيدا عن البوابة السياسية أو الاقتصادية، كما كان سابقا.

]  ثمة سؤال يجول في خاطري، لنسألك عن التحولات التي مرت بها تجربة قاسم حداد وخاصة في جوانبها الحياتية والسياسية؟

- التحولات من جانبها الأدبي والفني، ربما لا أكون مؤهلا بالإجابة أو الحديث عنها، لأن هذا متروك للقارئ والدارس ليقول قولته فيه، وهي مسألة -أيضا- متصلة بهذا الطموح التكويني للتجربة، وعدم الركون للشكل الثابت للتعبير، وكذلك عدم التيقن في الكتابة والأدب وهذا مكرس في شخصية جيلي، وهي واحد من عناصر الإرث النضالي وهو محاولة الكتابة بشكل جديد ومختلف.
فيما يتعلق بالجانب السياسي هذا التحول يكون خارج قدرة أو طاقة إمكانية الشاعر، تحولات بمفاعيل غير شعرية - تحولات سلبية للأسف، إذا كان الشاعر متحررا من الاتكاء على خارج كيانه بهذه الحالة يكون قادرا على التماسك بحيث لا ينهار معها، وعليه أن يكون قادرا على التمسك بأدواته وفنه وثقافته من جهة، ومن جهة ثانية عليه عدم الخضوع للمناهج والهياكل النمطية للإنسان.

]  قاسم حداد، مسكون بالأمل، يحفر في عمق التراث ليستل منه أيقوناته الشعرية، فنراه دائما أمام حالة وتجربة جديدة!

- ربما ثمة من يرى ذلك. الأمر الذي قلته ربما فيه إطلاق حكم أو قيمة، الأمر برأيي لا يستحق الكلام عليه لأنه نسبي، أما من الناحية التقنية فهو ناجح، والثقافة والمعرفة في الحياة هي الهواء الذي يتنفسه، اما اللحظة التي ينزع فيها الشاعر وما اطلق عليه أيقونة فهذا يعتمد على طبيعة التجربة ويتوقف على النص الجديد بحيث لا يقع في تجارب الآخرين.

] هل من صفات الكتابة الجديدة التوغل في شؤون الحياة ومعاناتها والابتكار والاقتراح، كما جاء في كتابك «قبر قاسم»، الذي يتحدث في بعض اجزائه عن سيرتك؟
- هذا الكتاب هو أحد كتبي الذي يعبر عن السيرة في تجربة الحياة، وهو في ثلاثة كتب، وكل كتاب مختلف سرده وتقنيته ورؤاه الشعرية، وكل هذه الكتب محاولات لاستحضار التجربة الحياتية من الطفولة وليس بالشكل التقريري، عملت فيها على اكتشاف الشكل الفني الذي يغرف من الذات وتجربتها الداخلية، الاشكال الثلاثة في هذه الكتب مختلفة كثيرا، فيها النص الطويل والنص القصير، برأيي من الصعب ان نعدّ القصيدة اقتراحا في شؤون الحياة هي محاولة ما قبل ذلك.

]  يقال بأن المبدع إذا وصل إلى ذروة الإبداع -إن جاز التعبير- عليه أن يتنحى جانبا ويعتمد على موروثه الأدبي أو الشعري السابق أهذا صحيح؟

- أنا مؤمن بأن الشاعر لا يصل، أنا مع جماليات العمل الأدبي، الطريق أجمل من الوصول، لأن الإبداع مثل الأفق يجب أن تذهب إليه، الإبداع في حياة الشاعر هو الدأب بالاستمتاع بالكتابة، أما أن يتنحى  ونعطيه تقاعدا فهذا شيء نسبي، وإن ذات مرة بلند الحيدري توقف عن الكتابة لكن بعد ذلك اصدر مجموعة شعرية، وكذلك ادونيس وهناك أمثلة كثيرة.

] ما مدى استفادتك من العناصر البصرية والسمعية من فنون تشكيلية وموسيقية وأدائية في تجربتك الشعرية؟ وما أهمية التقاء تلك العناصر في العمل الابداعي؟

- في الحقيقة، الشاعر العربي تأخر كثيرا في الاستفادة من تلك العناصر والوسائط أو اكتشاف جمالياتها، فالفنون البصرية والموسيقية والغنائية هي الجذر العميق للصورة الفنية، طبعا استخدام تلك العناصر وتوظيفها في الشعر لايعني أنها تفسره فكل العناصر الفنية تسير بتواز وتحاور بعضها بعضا.
بالنسبة لتجربتي الشخصية في ذلك المجال فقد استفدت من تجارب فنانين كبار مثل: التشكيلي ضياء العزاوي والموسيقي مارسيل خليفة، ومنذ سنوات بدأت أتعاون مع عدد من التشكيليين والموسيقيين لأنني شعرت بضرورة استغلال كل الوسائط لاسيما التكنولوجية منها لأنها مستقبل لامفر منه برأيي، والكتابة الأدبية تبحث دائما عن آفاق أوسع لذا فإن الوسائط الالكترونية المختلفة ستفيد الكتابة باضافة الحركة والصوت والايقاعات المختلفة.

] يقودنا ذلك للحديث إلى اهتمامك الخاص بالمخطوطات، ما سر هذا الانجذاب؟

- أستحضر في المخطوطات القديمة الشخص الذي كتبها، وأشعر بالاعجاز الكبير الذي حققه، فقد بدا اهتمامي بالمخطوطات مبكرا ورأيت فيها غموضا يغري الشاعر بالسعي للاكتشاف، حتى أنني كتبت مسودة ديواني «طرفة» بخط اليد حيث اكتشفت بذلك القراءة والكتابة من جديد وأصبح خطي أجمل واكثر تنظيماً، بينما كنت أطبع في السابق مسودة أعمالي باستخدام الكمبيوتر.
أذكر هنا أنني حين ذهبت لجامعة «لايبزك» في ألمانيا وهي تضم مجموعة كبيرة من المخطوطات العربية القديمة رأيت مخطوطة نادرة لمعلقة طرفة بن العبد، سحرت بجمال الخط حتى أنني شعرت أن الحبر ما زال طازجا، وأن سواده استحال نورا.

] تعمق حضور الرواية في المشهد الكتابي العربي، حتى أن البعض بات يروج لمقولة «الرواية ديوان العرب» كحقيقة مطلقة ونهائية، ماتعليقك؟

- الشعر موجود في كل الفنون، ونحن اذا أعجبنا برواية فإن السبب شعري بالأساس إذ تلتقي الرواية ذات المستوى الفني المميز مع الشعر في العديد من العناصر كالخيال والايحاء والرمز والازاحة والاحساس العميق بضرورة التعبير الحر وغيرها، أما مقولة « الرواية ديوان العرب» فهي رأي وحكم صبياني متسرع وليست حكما نهائيا، الأجناس الأدبية ليست أحصنه تتسابق في الميدان، فالكل يعبر بطريقته ولا حقل أدبيًا يلغي الآخر، والرواية فن أدبي مهم كما الشعر لكنها لن تأخذ دوره.

رئيس مجلس الادارة: محمد داودية - رئيس التحرير المسؤول: محمد حسن التل