الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اللوبي العربي الأميركي

تم نشره في السبت 11 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً
كتب بشار جرار من واشنطن

 


تحفل الجالية العربية الأميركية بكثير من قصص النجاح التي لم تنل قسطها العادل من الدعاية بسبب تقصير أصحابها بالتعامل المهني مع حرفية الدعاية والإعلان. إن بلادا تقوم على الاقتصاد الحر والفرد فيه حجر الزاوية، تدرك أهمية التسويق لتحقيق الانتشار والنجاح والاستمرارية في عالم لا يرحم الضعيف هذا إن أعاره أي جانب من الاهتمام.
تكاد لا تخلو ولاية أميركية من اسم مدينة أو بلدة تحمل اسما عربيا وهو في حقيقة الأمر جاء على ذلك النحو لأسباب أخرى لا علاقة لها باللغة أو القومية العربية وإنما إعلاء للتراث اليهودي - المسيحي الذي جاء إلى «العالم الجديد» عبر الأطلسي هربا من القمع الديني والتمييز الطائفي والطبقي والعوز الاقتصادي في أوروبا التي طغى فيها الكهنوت الفاسد المتحالف مع ملكيات وإقطاعيات فاسدة.
علم ولاية فيرجينا على سبيل المثال يظهر صورة فارس من عامة الشعب يعتلي صدر المستعمر البريطاني في إشارة إلى نشوة الانتصار على الإمبراطورية التي لم تغب - بعد عقود من هذه الهزيمة - عن مستعمراتها الشمس.  الدلالة هنا في هذه المقدمة أن الأمة الأميركية مجبولة في أعماق وجدانها على كراهية كل ما يدعو إلى العصبية والتبعية. الحرية باللغة الإنجليزية في نسختها الأميركية «المعدلة جينيا» لم تترك شيئا لم تغيره – صدفة أو عن دراية – لإملاء الكلمات ونطقها لا بل ونبرتها. للحرية مسميان باللغة الإنجليزية «فريدوم» و»ليبرتي» وكلاهما حفلت بدلالاتهما السياسية والقانونية، وثائق أميركا المصانة: إعلان الاستقلال، الدستور وما أدخل عليه من تعديلات. 
وفيما نجح كثير من الأمم في تشكيل تجمعاتها الديموغرافية وجماعاتها الضاغطة من جمعيات شبه سرية، وجمعيات حصرية إضافة إلى لوبيات، فشل العرب والمسلمون فشلا ذريعا في تشكيل أي منها سوى النذر اليسير الذي لا هو باللوبي ولا بالمحفل. فحتى المحافل التي أخذت أسماء خطّت بأحرف لاتينية كمكة (بسيفها وهلالها) والأرز اللبناني «الفينيقي» (بظلال شجرته الخضراء الوارفة) وخدّام الأضرحة «شراينرز» (ذوو الطربوش الأحمر)، لم يوفقوا أو بالأصح لم يريدوا أصلا إقامة لوبي عربي أميركي رغم معرفتنا بحبهم لوطنهم الأم، ذلك الحب المشغول بالحنين الحزين الآسف على ما آلت إليه حال الكثير من «بلاد العرب أوطاني».
جملة من الأسباب في نظري حالت دون تحقيق ذلك أولها الاختلاف الجذري الموضوعي بين العرب وأقوام أخرى هاجرت إلى أميركا قبل استقلالها وفي بواكير ازدهارها. فخلافا لهجرة الإيرلنديين والأرمن واليهود الأوروبيين وبخاصة من ألمانيا وأوروبا الشرقية، لم يهاجر العرب على نحو جماعي أو بإشراف هيئة أو وكالة متخصصة تعمل على تأمين هجرتهم ورعايتهم حتى النهوض على أقدامهم. باستثناء تجارب مبعثرة، نجح إلى حد كبير المهاجرون العرب الأوائل من بلاد الهلال الخصيب إضافة إلى عدد قليل نسبيا من اليمنيين والجزائريين بوضع موطئ قدم عمل على استقدام المزيد من ذويهم ومعارفهم.
وهذه المرة على غرار الجاليات الأخرى، كدح المهاجرون العرب الأوائل وأبدعوا في ميادين القطاع الخاص والتحصيل العلمي العالي. وما زالت المدن الأميركية الكبرى تزخر بأسماء يشار إليها بالبنان لأطباء ومهندسين عرب «ترفع الراس». لكن استياء معظم هؤلاء البناة الرواد من واقع السياسة في بلادهم الأصلية، عبر عن نفسه بموقف أشبه ما يكون بموقف «المعتزلة» و»المرجئة» في الفرق الإسلامية التي عانت من اضطهاد بلغ حد «سمل العيون». لقد اعتزلوا السياسية وأرجأوا نشاطاتهم لحين تحسن الظروف ومنهم من أوكلوها إلى الجيل المقبل على أمل تغير الحال.
وفي كل مرة تمر بها المنطقة العربية أو الجالية العربية الأميركية بأحداث جسام، تنشأ محاولات مبعثرة للعمل سرعان ما تذهب مع الريح. والمقتل في جميع تلك المحاولات، هو ارتباطها أو اختراقها من قبل نظم وتنظيمات سياسية عربية. وكم كان مدمرا أثر حكومات عربية عبر سفاراتها في واشنطن على صورة العرب الأميركيين وفعاليتهم في المجتمع الأميركي.
ومن الأسباب الجوهرية الموضوعية التي أدت إلى عدم قيام لوبي عربي أميركي، غياب ثقافة العمل الحزبي والسياسي الحقيقية لدى غالبية أفرادها. حتى الحزبيين منهم، لا يتعاملون مع مفهوم الحزب كما استقر في عقلية الأميركيين والتي تختلف حتى عن نظرائهم الأوروبيين. إن مفاهيم رئيسية ومتطلبات اشتراطية في العمل الحزبي والسياسي غائبة كليا عن معظم العرب الأميركيين. من أبرزها فكرة ربط المعارف وتوظيفها وتحشيدها، ف»النتويركينغ» شيء و»الشللية» شيء آخر. أضف إلى ذلك، نادرا ما تسلم الشراكة بين رجل السياسة ورجل الأعمال من شبهات الفساد الذي يطيح بهما معا.
ومن حالفه الحظ واجتاز ما سبق، سرعان ما يصطدم بجدار الواقع، حيث أن كثيرا من القضايا ذات الاشتباك أو الطبيعة الجدلية لا سبيل عمليا بعد لجسر الهوة بين واقع الحال والمبتغى من تغييره. من أبرز تلك القضايا، عملية السلام الحقيقي الشامل وحتى المنفرد في الشرق الأوسط (النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي)، الحقوق المدنية والسياسية للأقليات العرقية والدينية في الدول العربية، الهوية والانتماء في ظل ازدواج الجنسية أو الزواج المختلط بين والدين من دينين أو طائفتين مختلفتين. وبالإشارة إلى هذه الأمثلة فقط، لكم أن تتخيلوا مدى تشتت الصوت العربي الأميركي بين الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديموقراطي على سبيل المثال. لقد عرفت عن قرب، أسرا عربيا فيها الجمهوري والديموقراطي لأسباب تعكس أولويات الأسرة الواحدة المتباينة في الغالب الأعم لأسباب تتعلق بفجوة الأجيال.
ترى العربي الأميركي على سبيل المثال، جمهوريا في القضايا التي تتعلق بالمضمون الاجتماعي الأخلاقي لسياسات الحزب الجمهوري، وديموقراطيا لظنه أن سياسات الديموقراطيين هي الأقرب إلى الموقف العربي فيما يخص النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ويغيب عن ذهن الكثير من المرشحين والناخبين العرب الأميركيين أن لا خلاف جوهريا بين الحزبين فيما يخص أسس وأولويات السياسة الخارجية الأميركية، أو مبادئ الأمة الأميركية فيما يخص بالحريات المدنية والسياسية، أو - وهذا هو الأهم - الإيمان بالديموقراطية كوسيلة آمنة لحركة المجتمع الفاعل لا كباص يستخدم لرحلة واحدة باتجاه واحد تنتهي بوصول الركاب إلى السلطة كما حصل في نماذج الإسلامويين في الجزائر، وقطاع غزة ومصر وتركيا.
إن السبيل الواقعي الوحيد لتفعيل الانخراط العربي الأميركي في الحياة السياسية والحزبية الأميركية هو الخيارات التالية في نظري: ?. التدرج والبدء بجمعية تقتصر على أي نشاط كان باستثناء الدين والسياسة حرصا على حمايتها من الاختراق والفشل. ?. فك الارتباط كليا ونهائيا بأي نظم أو تنظيمات عاملة في الشرق الأوسط. إن ممارسات من هذا النوع آذت الأطراف كلها بدرجات متفاوتة والمصلحة تقتضي بإبعاد أي شبهة من شبهات ازداوجية الولاء عن الأميركيين العرب كونهم مواطنون أميركيون في المقام الأول من الناحية القانونية. ?. الشراكة والتحالف «البرامجي» مع أي حزب أميركي قائم أو شخصيات أميركية وازنة في الكونغرس والإدارة الأميركية وقطاع المال والأعمال من شتى الأعراق والأديان. فما ضير أن نكافح شلل الأطفال مثلا في بلاد منكوبة كاليمن بصرف النظر عن موقفنا من «عاصفة الحزم». وما العيب في تبني النموذج الأميركي الفذ في جلسات استماع الكونغرس أمام برلمانات «سمعنا وأطعنا»؟ إن وقوفنا كعرب أميركيين مع أي قضية في العالم يجب أن يكون منسجما مع ما ننعم به من حريات، فأي منطق سيحترمه أي عضو في الكونغرس على سبيل المثال من «المهللين المكبرين» لتفجير أو طعن أو دهس مارة أيا كان هدفه أو مبرره – الساقط أخلاقيا وأمنيا وسياسيا بالضرورة. لا بل إن ما قد أصبح مقيتا مذموما هو تلك الأسطوانة المشروخة من الاعتذارية والتبريرية التي أساءت لصورة ومصداقية الكثيرين في أوساط العرب الأميركيين.
ختاما، إن فكرة اللوبي بحد ذاتها كما يوضح الاسم «اللوبي – بهو الفندق» تقوم على روح المبادرة والتعارف ونظم المعارف بشبكة من العلاقات التي لا بد أن تبدأ بالتواصل الإنساني الحضاري الشخصي والمباشر. المشكلة هي أن المقهى – الذي كان نادي الحزبيين المفضل في خمسينيات القرن الماضي شيء مختلف تماما عن بهو الفندق، فاقتضى التنويه!

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش