الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«أعالي الخوف».. هزاع البراري وأزمة الإنسان المعاصر

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً


أشرف قاسم/ أديب من مصر
مرت الرواية العربية بمراحل عدة من التجريب على مستوى الشكل والمضمون، حتى صارت الآن هي المتصدرة للمشهد الثقافي على مستوى الكتابة والقراءة معًا، وأحدث ما وصلت إليه الرواية العربية في شكلها الحداثي هو الشكل التساؤلي الذي يطرح أسئلة الواقع خلال أحداث الرواية، سواء على ألسنة الشخصيات أو من خلال السرد الروائي داخل العمل، والرواية التي بين أيدينا من هذا النوع الذي يطرح أسئلة الراهن وأزمة الإنسان المعاصر واغترابه بشكل سلس وبلغة أقرب ما تكون إلى لغة الشعر في أغلب فصولها.
تقع رواية «أعالي الخوف» للمبدع هزاع البراري في 24 فصلًا معنونًا.
الثيمة الرئيسية التي تقوم عليها الرواية كما يتضح من عنوانها هي تلك الثنائية المنطقية «الخوف والحب»، الحب الذي يدفع إلى الخوف، أو الخوف الذي يدفع إلى الحب، وبالتالي تنفتح على ثنائية الحياة والموت، والسؤال عن مغزى الوجود وجدواه.
تقوم الرواية على ثلاث شخصيات رئيسية هي «فارس»/ أستاذ إعلام جامعي محطم عاطفيًا، متعدد العلاقات النسائية، طلق زوجته بطلب منها بعد إصابتها بسرطان الرحم.
«بطرس»/ طبيب أسنان ذو ماضٍ يكتنفه الغموض، أحب « عليا « البدوية التي قتلت في ظروف غامضة، فيحيا أسيرًا لهذا الماضي الأليم.
«إبراهيم»/ شيخ مسجد، يترك أهله متمردًا على أعرافهم وتقاليدهم، ويرتبط بـ»ديانا» المسيحية التي تتركه هي الأخرى وتسافر إلى كندا لتكمل دراستها.
فلكل منهم أزمته الخاصة التي يعانيها، يجمع بينهم قاسم مشترك هو «الحب والخوف»، ربما ليؤكد – تلميحًا – أن الإنسان لا يستطيع أن يتذوق لذة الحب طالما كان الخوف مسيطرًا عليه، كما لا يستطيع أن يتذوق لذة الشعور بالأمان طالما كانت حياته خالية من الحب، فالحب هو مفتاح التحرر من سجون الخوف.
تصور الرواية حال المثقف وتوتره الدائم إثر تعرضه للانكسار عاطفيًا ونفسيًا وأزمته في هذا العالم الذي يشعر فيه بالاغتراب، وتفتح أبواب التساؤل عن جدوى الحياة، ومصير الإنسان، ويهتم هزاع البراري بشكل كبير في روايته برصد هموم الإنسان المهمش ويحاول أن يؤرخ لأوجاع تلك الفئة المسحوقة في وثيقة إبداعه.
نجح الكاتب بشكل لافت في إدارة شخصياته على مسرح الأحداث من خلال التشريح النفسي الذي قام به لكل شخصية ورصد كل التفاصيل الدقيقة لهذه الشخصيات المأزومة، ومعالجته لكل شخصية بحرفية جراحٍ ماهر.
من خلال الفلاش باك يعود الكاتب إلى حيوات أبطاله ليقص على المتلقي جوانب مهمة من تلك الحيوات، ينجح من خلالها في عمل إضاءات كاشفة على ماضي كل منهم، من خلال هذا الأسلوب يستطيع المتلقي أن يتواصل مع النص بأحداثه الماضية والراهنة، كل ذلك من خلال لغة بسيطة وعميقة في آنٍ تميل إلى الحكي وسردية الحدث، والوصف الدقيق المفصل لكل ما يتصل بالشخصيات، تتعدد فيها الأصوات على الرغم من أن الراوي في كل أحداث الرواية هو الراوي العليم «فارس»، ولكن من خلال طواعية ومرونة تلك اللغة التي قوامها الحكي يستطيع المتلقي أن يتواصل مع كل صوتٍ على حدة.
كما يلحظ القارئ للرواية تلك اللغة التي تميل غالبًا إلى لغة الشعر في كثير من فصولها والتي تتناغم مع أحداثها وأجوائها المشحونة بالعاطفة: «موتُ الشعراء كفقد الأم ألمهُ يفتت الروح، ويترك في القلب غصةً تكبر مع الأيام، لذا كلما تذكرتُه تختنق أنفاسي، يرتج قلبي ولا أجد هواءً يكفي لأتنهدَ بلا دموع» ص 29
كما تحضر عمَّان المدينة بزخمها التاريخي وفضائها الجغرافي والدلالي خلال أحداث الرواية، ولا يخفى ما في ذلك من أبعادٍ نفسية على أحداث وشخصيات الكاتب، مما يخلق علاقاتٍ ذات أبعادٍ متباينة بين الشخصيات والمكان:
«جبلُ القلعة مثل عجوز يهذي بالذكريات البعيدة، وكأنه مصلوب بعبث على هذا الجبل الكبير، يتكئ على تاريخ من المجد والأساطير والخذلان، ويعيش حاضرًا مأزومًا، رحلَ فيه الخلان وأكلتْ النهاياتُ المفجعة فيه رفاقَ العمر، حتى الصور المخزّنة بدت بعيدة وغير واضحة، جبل مشنوق إلى قلعة مترامية، مسكونة بالآلهة منذ عصور غابرة، كلما نهشتْ روحي كلابُ الحياة المسعورة، وأحسستُ بقلبي متكلسًا كحجر صلب، وأن الأيام تسقط مني بلا معنى، آتي إلى هنا، أقفُ على صخرة كبيرة من سور القلعة، حيث عمّان القديمة غارقة في الضجيج، وبيوت الحي الذي تنام فوقه القلعة ككائن أسطوري أليف، مسكونة بالبؤس والغموض، بيوتٌ يرسمُ الحمام المحلق فوقها غيمات عجولةً مثل نزق الأطفال، أقف لعلي أجد هواءً أتنفسه، أو لحظة صحو أغسل فيها الأفكار القاتمة التي تجتاحني كخيول برية غاضبة» ص 67
ومن هنا يكتسب المكان/ عمَّان/ خصوصية ذات دلالة ومغزى لدى الكاتب من ناحية ولدى المتلقي من ناحية أخرى، فعمان التي يراها المتلقي غير عمَّان التي يمعن في تفاصيلها ودقائقها وحميميتها في هذه الرواية، عمان هنا تختلف وتشفُّ وكأنها مدينة من مدن الخيال بمكوناتها وملامحها التي أحسن الكاتب رسمها بدقة ومحبة وبما أعطاها من دلالات شعورية وتاريخية.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش