الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الألم والإبداع

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً


د. محمد عبدالله القواسمة
الإنسان، كما يبدو لي، ليس كما بدا لأرسطو حيوانًا مفكرًا أو ناطقًا بل هو إنسان متألم.يتألم عندما يفقد عزيزًا، أو يفارق حبيبًا.يتألم عندما يرى إنسانًا يتعرض للاضطهاد والظلم، أو يعاني من الفقر أو العجز أو المرض.يتألم حتى وهو يغرق في الملذات؛ فلا توجد لذة لا يخالطها ألم. فنحن نتألم حين نفكر في ملذاتنا، فنجدها فارغة تافهة.
هذا شأن الإنسان سواء أكان مبدعًا أم إنسانًا عاديًا. لكن الفرق بين المبدع والإنسان العادي:الأول يتميز بالحساسية الزائدة تجاه الأشياء والناس، ويملك القدرة على التعبير عن ألمه بالكتابة الإبداعية أو الفن، أما الثاني فلا يتمتع بمثل حساسية الأول، ويعبر عن الألم بالبكاء، أو الصراخ، أو التأوه، أو التوجع. وهنا يبرز سؤالان مهمان: هل الألم ضروري للمبدع؟ وهل يساعد الألم على الإبداع الأدبي والفني؟
لا شك في أن الألم يوقد شعلة الإبداع. فلم نكن لنقرأ قصائد الخنساء في رثاء أخيها صخر لولا ألمها على فراقه،ولولا الألم لم نقرأ ما قاله ابن الرومي في التفجع على ولده، وكذلك لولاه، هذا الألم لم نقرأ ما قاله نزار قباني في رثاء زوجته بلقيس. ولولا ألم الحب وعذابه لم نسمع بقصائد العشاق: جميل بثينة، وقيس بن الملوح،والعباس بن الأحنف وغيرهم.
وفي الرواية العربية لولا تألم الروائي محمد عبد الحليم عبد الله نحو ما يجري للأيتام واللقطاء في المجتمع المصري لما كتب روايته «لقيطة». وكذلك لما تناول الروائي حسين العموش تلك الفئة البائسة نفسها في المجتمع الأردني في روايته «أبناء الوزارة» التي يتألم فيها لما حل بالأيتام في مركز الحسين الثقافي التابع لوزارة التنمية الاجتماعية.وفي الرواية الغربية لولا إحساس هنرييتبيتشرشتو بمشكلة العبيد لما كانت روايتها»كوخ العم توم»، ولولا تألم هوجو على بؤساء فرنسا لما كانت روايته «البؤساء».
قد يسأل سائل عن المبدعين الذين انغمسوا في وصف الخمر، والتغني بجمال الطبيعة، والتغزل بالجواري الحسان،هل كان الألم دافعهم إلى الإبداع وهم منغمسون في اللذائذ؟ أرى أن هؤلاء كانوا يتألمون ربما أكثر من غيرهم من المبدعين؛ ذلك أنهم كانوا يهربون من الألم إلى نقيضه في التغني بالفرح، وطلب اللذة؛ فالشاعر عمر الخيام الذي عاش حياة طافحة بالمسرات الظاهرة كان غارقًا بالألم الوجودي والإنساني، وكثيرًا ما كان يردد بأن الحياة التي تنتهي بالموت يحسن أن يمضيها الإنسان بالسكر أوالنوم. وكذلك أبو نواس فكان يخفي ألما عميقا لإحساسه بالغربة عن هذا المجتمع العربي الذي كان يتهمه بالشعوبية. وكان أبو العلاء المعري يعاني ألام محبسيه: العمى، ولزوم البيت. أما أبو الطيب المتنبي فكم عانى آلام التنقل والفشل في الحصول على ما يبتغيه من سلطة؛ فعاش حياته «على قلق» وألم.  كل هؤلاء عاشوا الألم وحولوه إلى طاقة خلاقة.ويبدو أن فشل بعض الكتاب من روائيين وشعراء في الإبداع إنما هو فشل في تمثل الألم والتعبير عنه. من هنا نجد كثيرًا من القصائد والروايات ضعيفة؛ لأنها كانت متكلفة الألم ومتصنعة.
إنه الألم باعث الإبداع بل إنه محرك مهم في الحياة والمجتمع؛ فالإنسان في حركته يتجنب الألم، ويتجه إلى طلب اللذة؛لأن الألم هو الأقوى، والأكثر تأثيرًا في نفسيته وحياته حتى إن ما اخترعه الإنسان من أدوات، وما حققه من إنجازات حضارية إنما كان للتخفيف من آلامه، والوصول إلى ما يسميه السعادة واللذة.
والخلاصة، نرى الإحساس بالألم ضروري للمبدع، وهو أساس كل إبداع في الحياة.فوراء كل شاعر عظيم، أو روائي متميز، أو فنان قدير ألم عظيم. إن المبدع إنسان متألم ولكن من طراز خاص ورفيع.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش